بقلم / ياسر رافع
فى وسط مدينة " ناشفيل " عاصمة ولاية تنيسى الأمريكية ، إنفجرت سيارة مفخخة بتاريخ 25 ديسمبر 2020 ، وقد خلف الإنفجار قتلى وجرحى ورجحت الشرطة أن يكون الإنفجار عملا إرهابيا ، لكن سرعان ما تراجعت نبرة الحديث عن الإرهاب بعدما تم التعرف على هوية منفذ العملية الذى إتضح أنه أمريكى ومات فى العمليه . ولم تقم القيامه فى أمريكا لأن الفاعل أمريكى وليس مسلما إرهابيا .وفى مدينه " أوكلاهوما " وبتاريخ 19 أبريل 1995 ، إنفجرت شاحنة محملة بـ 2.2 طن متفجرات أمام مبنى ألفريد مورا الفيدرالى خلفت 168 قتيل ، وقد تم القبض على الفاعل " تيموثى مك فاى " الذى إعترف بقيامه بالتفجير إعتراضا على قيام المباحث الفيدرالية بالهجوم على مزرعة لإحدى الطوائف الدينية الملقبة " بالدافيديين " الأمر الذى خلف تسعون قتيل بينهم 17 طفل .
وعلى الرغم من معرفة الفاعل فى كلتا الحادثين ، إلا أن الأمريكيين لم يلجأوا إلى الإنجيل سواء العهد القديم ، أو العهد الجديد ليفهموا السبب وراء الهجومين ، مثلما فعلوا بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر والذى قاموا بعده بشراء كميات كبيرة من القرآن الكريم ليدرسوا ويفهموا ما حدث ! ولماذا قام هؤلاء المسلمين بتلك العملية .
وبقى التساؤل حائرا لماذا إعتبرت أمريكا المسلمين إرهابيين ولم تعتبر منفذى التفجيرين فى أمريكا مسيحيين إرهابيين ؟
..............................................................................
بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر ، كانت هناك حملة مسعورة ضد الإسلام والمسلمين فى أمريكا ، وهو ما جعل العالمة والناشطة الأمريكية ، وأستاذة الدراسات الإعلامية فى جامعة روتجرز ، أن تؤلف كتابا أسمته " فوبيا الإسلام والسياسة الإمبريالية " ، تشرح فيه جذور ونشأة ما يعرف حاليا فى العالم " بالإسلاموفوبيا " أو الخوف من الإسلام والمسلمين ، وقالت أن " صورة العدو المسلم وصورة الإسلام كديانة شيطانية بدأت تبرز فى هذا السياق فى أواخر القرن الحادى عشر ( الحروب الصليبية ) " ، وقد " مثلت أعمال بطرس الناسك وآخرين مادة مفيدة للكنيسة لمهاجمة الإسلام على أنه هرطقة ولمهاجمة محمد على أنه نبى زائف " و " كانت النتيجه أن الإسلام تعرض للتحقير وصور على أنه عدو خطير " .
ولكن الكاتبه تعزو ذلك إلى عقدة التفوق لدى الأوربيين الذين عاشوا بجوار المسلمين فى أوروبا الذين كانوا متفوقين عليهم فى كل المجالات ، حتى قامت الحروب الصليبية والتى إرتكبت فيها الحملات الصليبية الفظائع لم يثنى ذلك الأوربيين بالإنبهار بالقائد " صلاح الدين الأيوبى " الذى إنتصر عليهم وقد تجلى ذلك بتسمية الأوربيون أولادهم بإسمه لفترات طويلة . وتورات بعدها العداوة للإسلام قليلا مع صعود الدولة العثمانية وإحتلالها دولا أوروبية ، ولم يشفع الحديث عن الإستبداد الآسيوى كإشارة للعثمانيين فى صعود موجة عاتية ضد الإسلام والمسلميين .
وبعد أن حققت أوروبا نهضتها وتراجعت الدول الإسلامية ، بدأت فى مناهضة الدول الإسلامية مرة أخرى ، ومعاداة الإسلام والمسلمين كسياسة وتوجه إستعمارى لإحتلال الدول الإسلامية ، وهكذا تلازم التراجع والتفوق الأوروبى بالمعاداة للإسلام المسلمين .
ولكن لماذا يستمر الأمر حتى تلك اللحظه ؟ بل ويزداد على المستوى الشعبى فى أوروبا وأمريكا ؟
.............................................................................
لقد كانت طلائع التفوق الأوروبى المحملة على البوراج الحربية ، المستشرقون ، الذين كانوا بمثابة رأس الحربه للإستعمار ، والذين كان لهم عظيم الأثر فى ترسيخ فكرة العداء للإسلام والمسلمين لدى الأوروبيون بما يضمن ديمومة التفوق ونهب ثروات العالم الإسلامى ، وقد أدى الجهد المبذول من المستشرقيين إلى ترسيخ مفهوم العداء عبر خمس أكاذيب رئيسيه حددتها الكاتبه " ديبا كومار " كالتالى :
1- الإسلام ديانة أحادية الخواص
2- الإسلام ديانة متحيزة جنسيا ( المرأة ) بشكل فريد
3- العقل المسلم غير قادر على المنطق والعقلانية
4- الإسلام ديانة تتسم بالعنف بطبيعتها
5- المسلمون غير قادرين على إتباع الديموقراطية وعلى الحكم الذاتى
وقد مثلت تلك الأكاذيب الخمس الوسيلة المثلى لحشد الأوروبيون ضد الدول الإسلامية ونهب ثرواتها عبر الإحتلال المباشر لها ، ولضمان السيطرة الكاملة لعقود طويل’ وضمان أسواق رخيصة للمنتجات الأوروبية ومواد خام أكثر رخصا لمصانعهم ، وقد ساعدهم فى ذلك التراجع الكبير للدول الإسلامية ، ولكن مع نهاية الحرب العالمية الثانية 1945 وصعود الولايات المتحدة الأمريكية يبدوا أن تغيرا قد حدث ، ولكنه تغييرا ليس فى صالح تغييرالنظرة ضد الإسلام والمسلمين ، فلقد كان تغييرا إستراتيجيا لضمان الهيمنة الليبرالية والنيوليبرالية على العالم الإسلامى . فماذا حدث ؟!!
........................................................................
لقد إتبعت أمريكا سلوكا مغايرا فى التعامل مع العالم الإسلامى ، فبدلا من التعامل مع العالم الإسلامى ككيان واحد راحت تتعامل مع الكيانات والدول الإسلامية بما يلبى مصالحها الإمبريالية ، وقد إستحدثت نظرية " التحديث " ، وأستمر هذا الوضع قائما حتى سقوط الإتحاد السوفيتى وإنفرادها بقيادة العالم ، فلم تعد نظرية التحديث القائمه على مساعدة حلفاءها المسلمين ضد أعداءهم المسلمين عبر تحديث بنيتهم الأساسية بما يتيح لمنتجاتها السيطرة على الأسواق ، ولهذا ومنذ بداية الألفية الثانيه حلت " النيوليبرالية " محل نظرية " التحديث " لتفادى الأخطاء التى قام بها المحافظون الجدد ضد العالم الإسلامى بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر ، وغزو أفغانستان والعراق ، والذى أثار العالم الإسلامى ضد أمريكا .
ولهذا عقد الرئيس الأمريكى " باراك أوباما " عام 2007 مؤتمرا أعدت فيه وثيقه بعنوان " تغيير المسار : إتجاه جديد لعلاقات الولايات المتحدة مع العالم الإسلامى " وهى الوثيقه التى أجرت " مفاضله بين القوة وتوطين الأسواق لهزيمة الإرهاب " لضمان سهولة السيطرة على الأسواق فى العالم الإسلامى ، وقد أعتمدت الديموقراطية ، وسياسة حقوق الإنسان فى التعامل مع العالم الإسلامى لضمان وصول الموالين للسياسة الأمريكيه الجديدة " النيوليبراليه " والتى تضمن الهيمنة الإقتصادية الكاسحه للنموذج الأمريكى بعدما تصاعد الإرهاب ضد المصالح الأمريكية حول العالم . وقد كان خطاب الرئيس الأمريكى " اوباما " فى جامعة القاهرة فى مصر بداية لعصر جديد من السيطرة الأمريكية ، وتعزيز الإحساس بالتخلف وعدم القدرة والإرهاب لدى المسلمين من أجل ضمان السيطرة الكاملة ، ومساندة تيارات إسلامية سياسية مواليه لها لضمان السيطرة على مقدرات الشعوب الإسلامية .
........................................................................
بعد أن تغلق دفتى كتاب " فوبيا الإسلام والسياسة الإمبريالية " ستجد أننا أمام سياسة ممنهجة منذ القدم لا تستهدف الدين الإسلامى فقط ، وإنما سياسة تضمن التفوق فى جميع المجالات ، وأنها فى المقابل ترتبط فقط بمراحل التفوق الغربى والأمريكى ، وأن الضمان الوحيد للفكاك من تلك السياسة الجهنمية التى أصبحت تترسخ فى عقول المسلمين بأنهم إرهابيين ينتمون لدين عقائدى مسلح ، هو المحاولة فى سبيل التفوق واللحاق بالمستقبل ، وأن لا ننساق حول التعاطى مع الإنساق الإقتصادية النيوليبرالية الجديدة حتى لا تفوت الفرصه ، ولهذا نجد أن حملة مقاطعة المنتجات الفرنسية قد أحدثت دويا هائلا فى أروقة واضعى سياسة النيوليبراليه فى العالم الغربى لأن الهدف النهائى هو الأسواق الإسلامية .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه