الأربعاء، 22 ديسمبر 2021

عم سيد الحكواتى (1)




 


بقلم / ياسر رافع

" يا عم سيد ، يا عم سيد ، يا عم سيد " ظللت أنادى عليه حتى لفت صوتى كل من يمر فى الشارع ، فجأة ظهر من وراء الباب مرتديا سروال أبيض طويل بحبل وعليه سديرى فلاحى مكشر وغضبان ،
عم سيد : مين اللى بينادى بالطريقه الوسخه دى
أنا        : أنا يا عم سيد
عم سيد  : هوا إنت ، مفيش مره تبقى عاقل وتنادى بالراحه ، عامل زى الواد بتاع الأنابيب نازل رزع وتخبيط لسه مطلع روح أمه من شويه ، أدخل بس مسمعش صوتك لحد ما أغير هدومى

ضاحكا مبتسما من طريقته الساخره ودخلت غرفته فى بيت أحد أولاده الذين يعرفوننى جيدا ويعلمون أن والدهم يحمل لى معزه خاصه ، إنه عم سيد صورته على الجدران تمثل مراحل مختلفه من حياته وتجربته الواسعه رغم أنه لم يتلقى أى تعليم سوى أنه يقرأ ويكتب ، فى هذه الأثناء دخل عم سيد الغرفه مهندم الزى ، جلابيه بلدى وطاقيه صوف كعادته دائما فى إستقبال أى ضيف قريب أم غريب ، وجلس على الكنبه أمامى

عم سيد  : إنت فين من زمان محدش شاف وشك يا افندى
أنا        : معلهش يا عمى ، الدنيا ملطشه شويه ، وأنا أهه قدامك
عم سيد  : ولا ملطشه ولا حاجه ، إنت بس اللى بتحب تكبر المواضيع
أنا         : ما علشان كدا أنا جاى أقعد معاك ، مفيش حد بعرف أتكلم معاه بحريتى إلا معاك
عم سيد   : طيب دى ساعة غداء وإنت جاى فجأه تبقى تتغدى معايا حماتك بتحبك
أنا         : غداء إيه يا عم سيد دا إحنا الساعه عشره بالليل ، أنا قلت إنها هتبقى ليله ميعلمش بيها الا ربنا  إنت أخدت الدواء بتاع النسيان
عم سيد   : متخافش أنا ماشى على العلاج تمام ، الحكايه انى لسه مكلتش لحد دلوقتى
أنا         : بالهنا والشفا ، وتأخرت ليه كدا فى الغداء ؟
عم سيد  : كنت طول النهار بتخانق مع الوليه أم صابر جارتنا وفى الآخر إتخانقت مع الواد بتاع الأنابيب قبل ما تيجى علطول
أنا        : إنت مش هتبطل خناق على الفاضى والمليان مع الناس ؟ وبعدين أم صابر دى صغيره وعامله زى المدرعه يعنى ممكن تقعد عليك تفطسك

وسط الضحك المتبادل بيننا ، إذا بصينية آكل تدخل يحملها فتى صغير السن من أحفاد عم سيد ، فسلم عليا ووضع الصينيه ثم خرج وأغلق الباب وراءه ،

عم سيد   : إنزل مد إيديك بسم الله
أنا         : لا عيش إنت براحتك انا أكلت من بدرى

بينما يهم بالأكل مشمرا عن ساعديه ، نظرا إلى وهو جالس على الأرض أمام الصينيه ،

عم سيد  : مالك يا واد إنت من ساعة ما دخلت شاكلك مش عاجبنى خير ؟ فيه حاجه مضيقاك
أنا         : حاجه واحده بس ، الدنيا واقفه ومش باين لها زقه لقدام علشان كدا قلت آجى أفرفش معاك
عم سيد   : أنا عارف إن أيامكم طين والحياة صعبه ، لكن كل حاجه ولها حل إن شاء الله ، تعرف " أم لطفى اللى بتنور وتطفى " ؟ 
أنا         : آه مش دا المثل اللى بيضربوه الناس فى النصب والخداع
عم سيد   : دا الأغبياء إللى زيك بتوع شعارات الحريه والكلام الكبير دا هما اللى بيقولوا كدا
أنا         : طيب فهمنى يا عمى تقصد إيه ؟ وكمل وإنت بتاكل مش عاوز أعطلك
عم سيد  : إنت يا إبنى عندك حلم ومش عارف تحققه لأنه مينفعش يتحقق فى الوضع دا ، علشان كدا لازم  تحول إسم " حلمى " إلى " لطفى "
أنا        : مش فاهمي فهمنى أكتر ، ومين حلمى دا أصلا ؟

بدأ يفرغ من طعامه ، أكلته بسيطه بحكم السن ، ونادى على حفيده ليرفع الصينيه ، ودخل الفتى الصغير وحمل الصينيه وهنا طلب منه عم سيد صينية شاى بالنعناع ، أصله تقليدى جدا فى كل شئ مع إن الفقر ناشب فى ضلوعه
عم سيد  : إسمع وركز معايا ، كان فيه تاجر فى الأسكندريه أيام زمان ميسور الحال جدا بس عنده مشكله منكده عليه عيشته إنه إتجوز إتنين والجوازتين خلفتهم بنات بس ، فطلقهم وصمم يتجوز التالته ، ووعدها يوم الدخله إنها لو جابت الولد الذكر هيديها فلوس كتير وكمان هيجيب لها عربيه حديثه " بكارد " تسوقها فى الشارع ، ومرت الأيام والوليه التالته مش عارفه تخلف وطالت المده وبدأت تخاف من ضياع الفلوس وحلمها بركوب العربيه الأحدث موديل ، فراحت لواحده " دايه " وإتفقت معاها تعمل حامل تسع شهور لحد يوم الولاده وساعتها الدايه تجيب لها عيل مسروق ، وتمت الخدعه والتاجر فرح وسمى المولود الجديد " لطفى " على إسم أبوه ، وقبل الوليه ما تعمل السبوع للطفى كان أبو لطفى إشترى العربيه الحديثه للمدام ، لفت الأيام والوليه أم لطفى كل يوم تركب العربيه حلم حياتها بس علشان مبتعرفش تسوق فكانت تحب تنور وتطفى كشافات العربيه على الفاضى والمليان للفت الإنتباه الناس فى الشارع والجيران ، لحد يوم آغبر الدايه قبل ما تموت قالت تتوب وتعترف لأبو لطفى ، وعرفته الخديعه اللى حصلت له الراجل إتصدم ، لكن أم لطفى بقت اشهر ست فى إسكندريه وصارت مثل فى الخديعه والمكر
أنا         : أنا مش فاهم حاجه ؟ إيه اللى جاب حلمى إلى لطفى
عم سيد  : لو عاوز تعيش وتنول اللى فى بالك  قدامك طريقين ، طريق الحلم وصدقنى كل اللى مشى فيه إتوكس وكسه يحنس بيها إخواته ، طبعا فيه شويه نفدوا وحققوا إللى إتمنوه ، أما طريق لطفى مفروش بالورود ، شوفلك مشروع لطفى جديد وانت هتبقى باشا
أنا        : إنت بتقولى كدا أبقى حرامى وأخالف ضميرى
عم سيد  :  إفهم " لطفى " دا أسلوب حياه ، حصان طرواده علشان تعرف تعيش
أنا         : وإنت عرفت منين حصان طرواده يا عم سيد ،
عم سيد   : بدل ما تتريق عليا يا معفن ، فكر تخرج من اللى انت فيه ؟ لطفى هوا الحل
أنا         : إنت كدا عاوزنى أمش زى الناس
عم سيد  : بس أمانه عليك لو عرفت طريق لطفى وركبت العربيه الحديثه إبقى ركبنى جنبك
أنا        : هوا إنت كان نفسك تعمل بنصيحة لطفى دى
عم سيد  : أكيد طبعا ، وهى لو كانت حصلت كنت شوفت وشك ، آآآآآآآآآه يا أم لطفى
أنا        : حتى إنت يا عم لطفى قصدى سيد
عم سيد  : يا ابنى أنا عمرى راح قضيته محنى الضهر بلم الدوده من الغيط وأنا صغير ، كبرت إشتغلت عامل فى مصنع ، فضلت فيه لحد المعاش فلوسى وحالى ضيق من ساعه ما اتوجدت فى الارض دى يا واقف فى طابور العيش والطعميه ، يا طابور التموين ، وكانت الجائزه الكبيره بعد ما بلغت السبعين ، إنى أقف فى طابور المعاش وأجارك الله لما تشوف عمرك كله قدامك زمايلك القدام اللى صحتهم راحت ، ونسوان اصحابك اللى ماتوا اللى حظهم كان أحسن منى وربنا رحمهم من الطوابير ،
أنا         : هدى أعصابك يا عم سيد ، وحد الله فى قلبك ، أنا قلبت عليك المواجع ولا إيه ؟
عم سيد  : ما عيل كئيب داخل عليا ، لازم اليوم يبوظ علطول ،
أنا        : دا أنا حبيبك ، هوا فيه حد بيسأل عليك إلا أنا
عم سيد  : إنت حبيبى وبحبك ، بس بتفكر فى زمن مش موجود ، الزمن دا معاك لطفى وتعرف تلعب بيه
 هتكون ملك وإنت وشطارتك يا تبقى فوق يا تبقى تحت ،  
أنا        : يعنى مفيش حل غير بتاع لطفى دا
عم سيد  : الحل هو لطفى ، التعب هو حلمى !! قوم روح بقى وبكره إبقى تعالى ، بس تنادى وتخبط بشويش ، أحسن وربنا أعملها معاك زى ما عملتها مع الواد بتاع الأنابيب ، علشان نروح سوا نعزى فى أم خالتك أم صابر
أنا         : إنت مش لسه متخانق مع بنتها الصبح ؟
عم سيد   : الواجب واجب ، وأمها كانت ست طيبه ، ما دى أم لطفى اللى بتنور وتطفى بعد ما إطلقت جت سكنت جنبى هنا وخلفت بنت
أنا ضاحكا  : ههههههههههه أوعى تقولى إنها أم أم صابر ، إوعى يكون صابر زى لطفى
عم سيد ضاحكا : صابر من صلب أبوه بس حظه دكر
أنا : انا ماشى دا انت مصيبه يا عم سيد ، وبكره هعدى عليك بعد صلاة العصر ندفن أول محاوله للثراء السريع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...