بقلم / ياسر رافع
"
يا عم سيد ، يا عم سيد ، يا عم سيد " ظللت أنادى عليه حتى لفت صوتى كل من يمر
فى الشارع ، فجأة ظهر من وراء الباب مرتديا سروال أبيض طويل بحبل وعليه سديرى
فلاحى مكشر وغضبان ،
عم سيد : مين اللى بينادى بالطريقه الوسخه دى
أنا : أنا يا عم سيد
عم سيد : هوا إنت ، مفيش مره تبقى عاقل وتنادى
بالراحه ، عامل زى الواد بتاع الأنابيب نازل رزع وتخبيط لسه مطلع روح أمه من شويه
، أدخل بس مسمعش صوتك لحد ما أغير هدومى
ضاحكا مبتسما من طريقته الساخره ودخلت غرفته فى بيت أحد أولاده الذين يعرفوننى
جيدا ويعلمون أن والدهم يحمل لى معزه خاصه ، إنه عم سيد صورته على الجدران تمثل
مراحل مختلفه من حياته وتجربته الواسعه رغم أنه لم يتلقى أى تعليم سوى أنه يقرأ
ويكتب ، فى هذه الأثناء دخل عم سيد الغرفه مهندم الزى ، جلابيه بلدى وطاقيه صوف
كعادته دائما فى إستقبال أى ضيف قريب أم غريب ، وجلس على الكنبه أمامى
عم سيد : إنت فين من زمان محدش شاف وشك يا افندى
أنا : معلهش يا عمى ، الدنيا ملطشه شويه ، وأنا أهه
قدامك
عم سيد : ولا ملطشه ولا حاجه ، إنت بس
اللى بتحب تكبر المواضيع
أنا : ما علشان كدا أنا جاى أقعد معاك ، مفيش حد
بعرف أتكلم معاه بحريتى إلا معاك
عم سيد : طيب دى ساعة غداء وإنت جاى فجأه
تبقى تتغدى معايا حماتك بتحبك
أنا : غداء إيه يا عم سيد دا إحنا الساعه عشره
بالليل ، أنا قلت إنها هتبقى ليله ميعلمش بيها الا ربنا إنت أخدت الدواء بتاع النسيان
عم سيد : متخافش أنا ماشى على العلاج
تمام ، الحكايه انى لسه مكلتش لحد دلوقتى
أنا : بالهنا والشفا ، وتأخرت ليه
كدا فى الغداء ؟
عم سيد : كنت طول النهار بتخانق مع الوليه
أم صابر جارتنا وفى الآخر إتخانقت مع الواد بتاع الأنابيب قبل ما تيجى علطول
أنا : إنت مش هتبطل خناق على الفاضى والمليان مع
الناس ؟ وبعدين أم صابر دى صغيره وعامله زى المدرعه يعنى ممكن تقعد عليك
تفطسك
وسط
الضحك المتبادل بيننا ، إذا بصينية آكل تدخل يحملها فتى صغير السن من أحفاد عم سيد
، فسلم عليا ووضع الصينيه ثم خرج وأغلق الباب وراءه ،
عم سيد : إنزل مد إيديك بسم الله
أنا : لا عيش إنت براحتك انا أكلت من بدرى
بينما
يهم بالأكل مشمرا عن ساعديه ، نظرا إلى وهو جالس على الأرض أمام الصينيه ،
عم سيد : مالك يا واد إنت من ساعة ما دخلت
شاكلك مش عاجبنى خير ؟ فيه حاجه مضيقاك
أنا : حاجه واحده بس ، الدنيا واقفه ومش باين
لها زقه لقدام علشان كدا قلت آجى أفرفش معاك
عم سيد : أنا عارف إن أيامكم طين والحياة
صعبه ، لكن كل حاجه ولها حل إن شاء الله ، تعرف " أم لطفى اللى بتنور وتطفى " ؟
أنا : آه مش دا المثل اللى بيضربوه الناس فى النصب
والخداع
عم سيد : دا الأغبياء إللى زيك بتوع
شعارات الحريه والكلام الكبير دا هما اللى بيقولوا كدا
أنا : طيب فهمنى يا عمى تقصد إيه ؟
وكمل وإنت بتاكل مش عاوز أعطلك
عم سيد : إنت يا إبنى عندك حلم ومش عارف
تحققه لأنه مينفعش يتحقق فى الوضع دا ، علشان كدا لازم تحول إسم " حلمى "
إلى " لطفى "
أنا : مش فاهمي فهمنى أكتر ، ومين
حلمى دا أصلا ؟
بدأ يفرغ
من طعامه ، أكلته بسيطه بحكم السن ، ونادى على حفيده ليرفع الصينيه ، ودخل الفتى
الصغير وحمل الصينيه وهنا طلب منه عم سيد صينية شاى بالنعناع ، أصله تقليدى جدا فى
كل شئ مع إن الفقر ناشب فى ضلوعه
عم سيد : إسمع وركز معايا ، كان فيه تاجر
فى الأسكندريه أيام زمان ميسور الحال جدا بس عنده مشكله منكده عليه عيشته إنه
إتجوز إتنين والجوازتين خلفتهم بنات بس ، فطلقهم وصمم يتجوز التالته ، ووعدها يوم
الدخله إنها لو جابت الولد الذكر هيديها فلوس كتير وكمان هيجيب لها عربيه حديثه
" بكارد " تسوقها فى الشارع ، ومرت الأيام والوليه التالته مش عارفه
تخلف وطالت المده وبدأت تخاف من ضياع الفلوس وحلمها بركوب العربيه الأحدث موديل ،
فراحت لواحده " دايه " وإتفقت معاها تعمل حامل تسع شهور لحد يوم الولاده
وساعتها الدايه تجيب لها عيل مسروق ، وتمت الخدعه والتاجر فرح وسمى المولود الجديد
" لطفى " على إسم أبوه ، وقبل الوليه ما تعمل السبوع للطفى كان أبو لطفى
إشترى العربيه الحديثه للمدام ، لفت الأيام والوليه أم لطفى كل يوم تركب العربيه
حلم حياتها بس علشان مبتعرفش تسوق فكانت تحب تنور وتطفى كشافات العربيه على الفاضى
والمليان للفت الإنتباه الناس فى الشارع والجيران ، لحد يوم آغبر الدايه قبل ما
تموت قالت تتوب وتعترف لأبو لطفى ، وعرفته الخديعه اللى حصلت له الراجل إتصدم ،
لكن أم لطفى بقت اشهر ست فى إسكندريه وصارت مثل فى الخديعه والمكر
أنا : أنا مش فاهم حاجه ؟ إيه اللى
جاب حلمى إلى لطفى
عم سيد : لو عاوز تعيش وتنول اللى فى
بالك قدامك طريقين ، طريق الحلم وصدقنى كل
اللى مشى فيه إتوكس وكسه يحنس بيها إخواته ، طبعا فيه شويه نفدوا وحققوا إللى
إتمنوه ، أما طريق لطفى مفروش بالورود ، شوفلك مشروع لطفى جديد وانت هتبقى باشا
أنا : إنت بتقولى كدا أبقى حرامى
وأخالف ضميرى
عم سيد : إفهم " لطفى " دا أسلوب حياه ، حصان
طرواده علشان تعرف تعيش
أنا : وإنت عرفت منين حصان طرواده يا عم سيد ،
عم سيد : بدل ما تتريق عليا يا معفن ،
فكر تخرج من اللى انت فيه ؟ لطفى هوا الحل
أنا : إنت كدا عاوزنى أمش زى الناس
عم سيد : بس أمانه عليك لو عرفت طريق لطفى
وركبت العربيه الحديثه إبقى ركبنى جنبك
أنا : هوا إنت كان نفسك تعمل بنصيحة لطفى دى
عم سيد : أكيد طبعا ، وهى لو كانت حصلت
كنت شوفت وشك ، آآآآآآآآآه يا أم لطفى
أنا : حتى إنت يا عم لطفى قصدى سيد
عم سيد : يا ابنى أنا عمرى راح قضيته محنى
الضهر بلم الدوده من الغيط وأنا صغير ، كبرت إشتغلت عامل فى مصنع ، فضلت فيه لحد
المعاش فلوسى وحالى ضيق من ساعه ما اتوجدت فى الارض دى يا واقف فى طابور العيش
والطعميه ، يا طابور التموين ، وكانت الجائزه الكبيره بعد ما بلغت السبعين ، إنى
أقف فى طابور المعاش وأجارك الله لما تشوف عمرك كله قدامك زمايلك القدام اللى
صحتهم راحت ، ونسوان اصحابك اللى ماتوا اللى حظهم كان أحسن منى وربنا رحمهم من
الطوابير ،
أنا : هدى أعصابك يا عم سيد ، وحد الله فى قلبك ،
أنا قلبت عليك المواجع ولا إيه ؟
عم سيد : ما عيل كئيب داخل عليا ، لازم
اليوم يبوظ علطول ،
أنا : دا أنا حبيبك ، هوا فيه حد بيسأل عليك إلا أنا
عم سيد : إنت حبيبى وبحبك ، بس بتفكر فى
زمن مش موجود ، الزمن دا معاك لطفى وتعرف تلعب بيه هتكون ملك وإنت وشطارتك يا تبقى
فوق يا تبقى تحت ،
أنا : يعنى مفيش حل غير بتاع لطفى دا
عم سيد : الحل هو لطفى ، التعب هو حلمى !!
قوم روح بقى وبكره إبقى تعالى ، بس تنادى وتخبط بشويش ، أحسن وربنا أعملها معاك زى
ما عملتها مع الواد بتاع الأنابيب ، علشان نروح سوا نعزى فى أم خالتك أم صابر
أنا : إنت مش لسه متخانق مع بنتها الصبح ؟
عم سيد : الواجب واجب ، وأمها كانت ست طيبه ، ما دى أم
لطفى اللى بتنور وتطفى بعد ما إطلقت جت سكنت جنبى هنا وخلفت بنت
أنا ضاحكا : ههههههههههه أوعى تقولى إنها
أم أم صابر ، إوعى يكون صابر زى لطفى
عم سيد ضاحكا : صابر من صلب أبوه بس حظه دكر
أنا : انا ماشى دا انت مصيبه يا عم سيد ، وبكره هعدى عليك بعد صلاة العصر ندفن أول
محاوله للثراء السريع
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه