الأربعاء، 22 ديسمبر 2021

الملاك : أشرف مروان الجاسوس المخادع




بقلم / ياسر رافع

هناك مقوله تقول " الأصدقاء  يأتون ويذهبون ، لكن الأعداء يتراكمون " ، هذه المقوله تلخص حياة أشهر شخصيه غامضه فى التاريخ المصرى الحديث ، شخصيه إمتزج فيها التاريخ بالنسب العائلى بعوالم السلطه والمخابرات وعوالمها السفليه والإنتقالات الحاده من المعسكر الشرقى إلى الغربى ، والحرب والسلام ، كل هذا مغلفا بعوالم الثراء المالى  ومغرياته وفساده ، شخصيه أثارت العداوات  الكثيره منذ صعودها بدأ من عداوات  العمل فى رأس السلطه فى مصر ، وعداوات البيزنس المالى ، وحتى عداوات عوالم المخابرات وأجهزتها .
لهذا فإن كتاب " الملاك : الجاسوس المصرى الذى أنقذ إسرائيل " للكاتب الإسرائيلى " يورى-بار جوزيف " يعطينا صوره أخرى عن تلك الشخصيه من على الجانب الآخر من شاطئ العداوه التاريخيه بين مصر وإسرائيل ، وعلى الرغم من أن الكتاب يعتبر فى السياق العام من الكتب الشيقه والجميلة السرد والتى لايترك لك مجالا لترك ولو كلمه لأنه يحتوى على معلومات كثيره وتعريفات بشخوص أكثر ويتعامل بالمنطق البانورامى للأحداث حيث يضعك فى حيث يريد إلا أنه جعل فى النهايه الصوره مبتوره تجعلك تخمن أكثر مما تتعتقد ، كما هو معروفا فى الكتب التى تتناول العوالم السريه لعالم المخابرات .
الكتاب لا يعطى إجابات محدده  وواضحة المعالم عن كون أشرف مروان جاسوس إسرائيلى أو كونه عميلا مزدوجا خدع الإسرائيليين ، ولهذا تارة ما نجد الكاتب يؤكد فى مواضع أنه " أعظم " جاسوس لدولة إسرائيل وفى أخرى يشكك فى تلك الروايه عبر شكوك من داخل أجهزة المخابرات الإسرائيليه نفسها . ولكن الكتاب يقف عند حقائق بعينها لم تخأطها العين ومنها :
1-  أن أشرف مروان عمل بالفعل لصالح الموساد الإسرائيلى وأنه قد أبلغها بميعاد حرب أكتوبر قبلها بيوما واحد !!!! ومع ذلك من بين ثنايا الكتاب يتضح أنه كان بلاغ " اللاعوده " وأنه كان بلا فائده كبيره لم تمنع الحرب حيث أنه قبلها لم يعط الموساد تفاصيل لقاء السادات والملك فيصل والذى أخبر فيه السادات فيصل بميعاد الحرب ، وكذلك كلما طلب منه التأكيد على ميعاد الحرب كان يعطى تقديرات شخصيه عكس المعلومات الأخرى التى كانت موثقه ، علاوة على تأكد الموساد من أنه لا يعرف ميعاد الحرب لأنها تأكدت أنه لم يكن فى إجتماع القيادة العليا فى مركز العلميات 10 عندما تم الإتفاق على ميعاد الحرب . كل هذا ومع تجمع سحب الحرب كان أشرف مروان يوم 5 أكتوبر فى لندن ودخل عليه المهندس الراحل " محمد نصير " رئيس شركة " كليك " فرع فودافون فى مصر سابقا  ، متسائلا عن القرار الذى إتخذه وزير الطيران المدنى فى مصر بتحويل مسار الطائرات المدنيه وتحويلها إلى دول مجاوره وهو ما جعل مروان يقفز من على الكرسى متفاجآ " الحرب ستندلع غدا " ودخل غرفه نومه وأجرى إتصالات متعدده ، - طبقا لشهادة المهندس محمد نصير -
ولكن ومع تدارك الخطا والتراجع عن تحويل مسار الطائرات إلا أن إجتماعا فى المساء جرى بين مروان وإيلى عيزرا ضابط المخابرات العسكريه و دوفى ضابط الموساد المشرف على مروان حتى ساعة متأخره من الليل لم تقنع المقابله فى نهايتها ايلى عيزرا بأن الحرب قائمه لا محاله وأن تقديرات مروان تتطابق مع مصادر أخرى ترجح نشوب الحرب . وأنطلقت الحرب وظهر أن عمليه خداع واسعه قد تمت للإسرائيلين ولكنهم ظلوا على إقتناع أن مروان عميل ممتاز ما عدا ضابط الموساد إيلى عيزرا الذى ظل يشك فيه إلى أن إنتقم منه بكشف إسمه كعميل للمخابرات الإسرائيليه قبيل موته بشهور .

2- الكاتب لم يستطع الخروج عن السياق الروائى الإسرائيلى لقصه مروان كعميل ممتاز ، ولكنه لم يفسر أهميه إقتناع السادات به ؟ ولا كيف كان يخرج بالوثائق تحت سمع وبصر الدوله المصريه وأجهزتها المخابراتيه الحربيه والعامه مع تأكيده على أن سلوك مروان كان محل شك من قبل الرئيس عبدالناصر نفسه ؟
3- الكاتب فى سرده البديع للروايه الإسرائيليه عن أشرف مروان أراد أن يدس السم فى العسل ومشى للحديث عن التقليل من أهمية نجاح القوات المسلحه فى عبور القناه ، وعمليه الخداع الإستراتيجى لجهاز المعلومات الإسرائيلى الإستخبارات الحربيه وجهاز الموساد ، ولكنه لم يفسر أهمية الوقيعه بين جهاز المخابرات الحربيه والموساد والتى كان مروان سببا فيها .
4- يأتى أهم جزء فى الكتاب والذى يتحدث عن كيفية الشك وإنهاء التعامل مع مروان قبل موته بشهور ، حيث تم الكشف عن عملية خداع أخرى قام بها مروان آخر فى مكان آخر ولكنه ضابط سورى كبير تم تجنيده من قبل ضابط كبير فى الموساد " يهودا جيل " ظل يمد الإسرائليين بمعلومات خاطئه طيله سنوات طويله وهو ما سبب فضيحه كبرى للجهاز والضابط يهودا جيل ، وهذا أدى إلى مراجعه كل العملاء لإكتشاف ما إذا كان هناك عمليات مشابهه ، وبدأ الشك فى مروان لأنه بدا مشابها للضابط السورى حيث أصر طوال 28 عاما من التعامل مع الموساد على عدم تغيير الضابط " دوفى " المشرف عليه بل وإصراره على رفض تبديله بآخرين وعندما تمت مفاتحته بتبديل الضابط " دوفى " رفض وهنا كان القرار بإنهاء التعامل وصحب ذلك إفشاءا لإسمه كعميل للموساد وسط حمله منظمه لتشويه سمعته التى كانت قد طالتها الصحف منذ اليوم الأول لدخوله الرئاسه المصريه وزواجه من إبنة الزعيم جمال عبدالناصر ، وحتى آخر صفقاته المريبه فى لندن قبل موته
5- مات أشرف مروان سقوطا من شرفة شقته فى البرج السكنى فى لندن ، وكانت هذه فرصة الكاتب لتمرير فكرة عن الإنتقام الموازى من أشرف مروان حيث قسم أصحاب المصلحه من موته إلى ثلاثه ، الموساد والمخابرات المصريه أو بالأصح السلطه العليا فى مصر بجانب منافسيه فى عالم البيزنس مثل الملياردير المصرى الشهير محمد الفايد . ولهذا نراه يستبعد منافسيه فى عالم البيزنس ، ويلمح إلى أن الإنتقام الإسرائيلى تم على يد ضابط المخابرات " إيلى عيزرا " الذى أراد الإنتقام لما تأكد داخله من خداع مروان له وللموساد والمخابرات العسكريه ، وهنا يوحى الكاتب إلى أن هذا الإنتقام الناعم قد أوجد إنتقاما موازيا من المخابرات المصريه التى إلتقطت الطعم وأرادت التخلص من مروان الذى إكتشفت تجسسه وعمالته وراح يبرر فى سذاجه واضحه أن المخابرات المصريه هى من قامت بفعل القتل عبر تمرير أحداث سقوط الفنانه سعاد حسنى والفريق الليثى فى أحداث مشابهه فى لندن ، ولكنه لم يبرر لماذا لم يعطى جوابا شافيا عن أهمية تلميح أشرف مروان بكتابة مذكراته وأكتفى بأن المذكرات ستكون ضد مصر فقط وليس إسرائيل .
6- إلى هنا تنتهى الروايه الإسرائيليه فى كتاب " الملاك " ولكنها لم تستطع تفسير بعضا من الروايه المصريه عن أشرف مروان ، الذى وصفه الرئيس السابق  حسنى مبارك  " بالوطنى الحقيقى المخلص لوطنه " ، وتقليد السادات له لأوسمه رفيعه لمجهوده فى حرب أكتوبر .

7- الكتاب فى مجمله محاوله إسرائيليه لتمجيد ما قام به الموساد فى تجنيد جاسوس لها فى أعلى مراتب السلطه فى مصر ، لكنه وصل فى النهايه إلى أسئله لم يجد لها إجابه مثل " لماذا إستمر فى العمل مع إسرائيل لسنوات فى ظروف تشكل خطرا واضحا على مهنته وحياته حتى بعد 1981 حين ترك مصر لمصلحته ؟ " .

يبدوا أننا لن نجد نهاية منطقيه لقصة أشرف مروان من خلال الروايه الإسرائيليه إلا إذا ظهرت روايه مصريه موثقه ، على الرغم من الحقائق الوارده فى الروايه الإسرائيليه التى تؤكد فى بعض جوانبها أهمية تكريم القياده المصريه لأشرف مروان حيا بأوسمه وميتا بجنازه رسميه .
إلى أن تروى الروايه المصريه فإننى قد تولد لدى قناعه شخصيه أننى أمام عميل إستخبارات مرواغ مخادع  إستفاد بأقصى ما يمكن من عمله على كلا الجانبين لكن يقينا فإنه ليس عميلا إسرائيليا . وأن أعداءه أكثر من أصدقاءه وهذا ما جعل منه لوحة نيشان لتقييم عصر السادات ووصفه كله بالفساد على الرغم من إنتصار اكتوبر المجيد .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...