الثلاثاء، 21 ديسمبر 2021

إسماعيل العصفورى ( 2 )




بقلم / ياسر رافع

وما أن دخلت القاعه الكبيره حسب الميعاد مع عم إسماعيل العصفورى ، شوفت منظر مختلف عن اللى شوفته إمبارح ، القاعه تحولت الى ديكور مملوكى وبساط أحمر جميل يفرش الأرضيه وتكايا مزخرفه على الأرض تحيط بأركان القاعه كلها ، ونجفه كبيره ملونه فى السقف وفسقيه فى النص ، وما إن دخلت إلى منتصف القاعه حتى فاجئنى وجود عم إسماعيل فى صدر القاعه على فراش كبير مزرقش وفى يده لى شيشه كبير متصل بشيشه بطول الخدام اللى بيرصله المعسل ، ولفت نظرى أن الخدام لابس هدوم زى المماليك .
بعد السلام والترحيب المتبادل بينا .. شاور عم إسماعيل للخدام أن يخرج ويقفل باب القاعه وراه ، والتفت إلى وضحك ضحكه خبيثه ..
العصفورى : مالك مش على بعضك ليه ؟ مستغرب الجو الجديد ؟
أنا : الصراحه آه .. الجو المملوكى دا بيسحرنى الصراحه
العصفورى : عارف إنه بيسحرك خصوصا إن ظاهره غير باطنه ، حضاره وقوه فى الظاهر ودسائس ومؤامرات وجوارى وشعب مطحون فى الباطن صح .
أنا : الله عليك يا عم إسماعيل فهمنى . طيب ما تسيبك من الجو دا ونرجع للسؤال اللى إنت جاوبت على نصه إمبارحه وسيبت النص التانى
ضحكه مدويه تملأ المكان  تشعرنى بالغيظ منه ، وسط دخان الشيشه المطعم برائحة الفواكه النفاذه
العصفورى : أمال أنا عاملك الجو المملوكى دا ليه .. عياقه ولا منظره ، ما علشان تفهم اللى هجاوبك عليه ، دا " الأتموز فير " يا أستاذ
.. فى لحظة صمت داخلى " أتموز فير" أحا يا عم إسماعيل ..
أنا : طيب علشان وقتى ووقتك جاوبنى على سؤالى اللى انا سألته المره اللى فاتت ، روحت فين ؟ والناس عملت معاك إيه إنت ورجالتك  بعد عتريس ؟
العصفورى : شوف طبعا إنت حاطط فى دماغك منظر عمك الشيخ إبراهيم وهوا بيهتف وبيسخن فى الناس ، ومحمود إبنه شايلينه مربعه غرقان فى دمه ، الحكاية مش كدا الحقيقه أنا أعرف الشيخ إبراهيم من أيام ما كنت أنا شيخ الجامع و......
أنا مقاطعا : إنت كنت شيخ جامع طيب تيجى إزاى
العصفورى : أوعى تقاطعنى تانى سيبنى أكمل
أنا : حاضر مش هتكلم تانى
العصفورى : ولما كنت شيخ الجامع فأنا عارف الناس كلها ، ناس طيبين بتجرى على أكل عيشها شعب غلبان ، لكن الشيخ " براهيم " _ قالها بتهكم _ كان بيحب يتمنظر شويه مصدر لنا الصوت العالى علطول وإيه كمان عمره ما على صوته وعتريس موجود ، وبعد ما عتريس حب يتجوز " فؤاده " غصبا عنها لقينا الشيخ إبراهيم عمل فيها سبع الرجال ، فقلت أروحله وكلمه " عيب كدا الكلام اللى بيتقال ، عتريس هيزعل " وقعدت أنصح فيه لحد ما لسانى إدلدل ، ولما مرتجعش عن مناكفه عتريس ، إتفقنا نأدبه .
أنا : إزاى يا ....
الخدام يدخل بصينيه عليها كوبايتين شاى بلوازمهم مع النعناع وعم إسماعيل يقوله إدى الأستاذ أحلى كوباية شاى وشوف حد يحضر لنا العشا على ما نخلص كلام ، يلا إتكل على الله ..
العصفورى : أنا أقولك .. الصراحه الشيخ إبراهيم راجل محترم وشجاع مفيش كلام لكن على راسه بطحه ، محمود اللى انت شوفته متشال مرابعه فى الفيلم كان بيروح بيت أنعام البت المولعب مرات رشدى اللى فى أخر البلد ، وإحنا عارفين وساكتين لكن لما الشيخ إبراهيم ظاط فيها ، قلنا نقتل محمود بس وهو خارج من بيت أنعام المولعب علشان مفيش حد يصدق " براهيم " حامى الشرف والفضيله ، وقد كان وهديت البد وخلص الموضوع
أنا : بس اللى أنا أعرفه إن الموضوع مهديش والناس والشيخ إبراهيم شالوا جثة محمود ولفوا بيها البلد وبيصرخوا . ودم محمود خلاهم يحرقوا بيت عتريس ويموتوه ..
العصفورى : وبعدين عتريس مات والبيت إتحرق .. الشيخ " براهيم " فين ؟ البلد فين ؟ .. أنا اللى بعت ناس صوروا الجنازه كلها ، وقعدنا لمدة أيام طويله نعيد ونزيد فيها للناس عن طريق رجالتى .. عارف ليه ؟
أنا : ليه مش فاهم
العصفورى : لأن دا بيعجب الحرافيش وبيخليهم معجبين بنفسهم وبيخليهم بمرور الوقت من السهوله تقليبهم على اللى خرجهم من بيوتهم
أنا : أفهم من كدا إنك كنت موجود فى البلد مهربتش إنت والرجاله
الععصفورى : أهرب من البلد ؟ ومن مين ؟ الحرافيش .. شوف لما الموج يكون عالى أوعى تركبه أو تقف فى وشه ، إجرى قدامه لحد ما يهدى ، وساعتها إركبه براحتك . أنا والرجاله روحنا بيت فى آخر البلد قعدنا كام يوم ورجعنا لقينا الناس مش خايفه مننا بس فى عنيهم " جبن " إتأصل فيهم ، فمن ساعتها عرفنا إن الخوف الشديد ممكن يهددنا ويهيج الناس ، ولكن قليل من الجبن لا يفسد الحال ..
أنا : يعنى أفهم من كدا إن الموضوع عدى ولا كأنك يا ابو زيد ما غزيت ، ورجعت " ريما " لعادتها القديمه
العصفورى : ولا أبوزيد ولا عبيد يا استاذ ، الحكايه إن اللى حصل فى الدهاشنه شئ طبيعى ومش جديد ، وعارف إنك مصدوم ونفسك إن الشيخ إبراهيم يكون صح ؟ بس لازم تعرف حاجه مهمه إن الشيخ إبراهيم صنف من تلاته ، إحنا نحب إتنين منهم ونكره واحد ..
إنا : إيه هما يا عم إسماعيل
العصفورى : إسمع القصه دى ، أيام ثورة عرابى اللى أنا كنت بحبه بس المصلحه تخلينى أحبه فى السر بس ، كان حواليه البلد كلها ، وعلشان مطولش عليك إنهزم عرابى بخيانه مفيش كلام ، لكن ايه اللى حصل بعدها للى كانوا ثورجيه ، الصنف الأول ودا عمرنا ما حبيناه لأنه صوته عالى مع إننا عارفين إن مالوش إمكانيات ومعهوش حد يسنده بس مزعج زى الشيخ إبراهيم ودا يبقى صنف " عبد الله النديم " ، وصنف نحبه نديله فلوس ونشهره لأن له قدرات كويسه لكن ميدخلش الدايره بتاعتنا ، نستخدمه بس لمصلحتنا وهو الشهاده لله مطيع على الآخر ، ودا يبقى صنف " إبراهيم الهلباوى " الشاب الثائر الفقير اللى رفعناه وبقى أكبر وأشهر وأغنى محامى فى تاريخ البلد اللى وقف يدافع عن الإنجليز المحتلين ضد الفلاحين فى حادثة دنشواى .. وصنف تانى نحبه وندخله دايرتنا ثورجى لكنه طموح عاوز يوصل ، ذكاءه يرشحه يكون معانا ، بس عن طريق الجواز والمصاهره زى سعد زغلول ، إتجوز بنت رئيس الوزراء عن طريق ست غنيه كان بيحبها فى السر وهى اللى رشحته للجوازه دى ، وإنت عارف الباقى ..
أنا : يا عم إسماعيل ، أنا دماغى بتلف كل اللى أعرفه ساح على بعضه وبقيت مش فاهم حاجه
العصفورى : سيبك من الكلام دا ، بكره تفهم ، فيه صنف رابع دا بنلجأ له وقت الأزمه بس ، وهو صنف قابل للشراء ومش محتاج مساومه ، وهو صنف سلطان باشا اللى باع عرابى وخانه نظير مبلغ عشر تلاف جنيه ولقب سير من الملكه فيكتوريا ملكة الإنجليز ، ودا اللى بنته " هدى شعراوى " محررة المرأة ، واخدلى بالك إنت ...
وسط حاله من الإندهاش والوجوم ..
أنا : تقريبا أنا فهمت إنت كنت فين يا عم إسماعيل ساعة الدهاشنه ما خرجت أو مخرجتش مش فارقه كتير ..
.. وسط ضحك عم إسماعيل الواضح أنه كان بسبب حالتى الباديه على وجهى ، دخل الخدام ومعه إثنين آخرين يحملان صينيه كبيره عليها ما يشبه الخروف المدفوس فى الأرز الملئ بالمكسرات ..
العصفورى : يلا يا أستاذ الأكل حضر مد إيديك بسم الله
أنا : مش هاكل إلا لما توعدنى إنك تعرفنى الناس اللى فى الدهاشنه زعلانه ليه وجواها غضب ؟
العصفورى ضاحكا : تبقى بتاكل مع العصفورى خروف بحاله وعاوز تعرف حال الناس .. طيب كل دلوقتى وبكره هقولك
أنا : يعنى توعدنى إنك هتجاوبنى عن حال الناس
العاصفورى : ياأبنى خلينا ناكل اللقمه وإحنا ساكتين .. هوا فيه ناس أصلا كل واسكت
صمت لا يقطعه إلا صوت الملاعق وشرب الماء ، وصوت أم كلثوم تغنى " ومرت الأيام "
ومر اليوم التانى

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...