بقلم / ياسر رافع
وسط الطرق المتربه والزحام الكتير فى شوارع الدهاشنه ماشى على رجلى علشان ألحق ميعادى مع عم إسماعيل ، وعنيا رايحه جايه على خليط غريب من الناس ماشى وراكب وقاعد جنب البيوت ، عربيات أحدث موديل راكبها شباب صغيرين ، وناس راكبه حمير وسايقه بهايم وراها ، وشباب قاعد قدام محلات مفيش عليها زباين ، وقهاوى مليانه شباب واخده مساحه كبيره من الشوراع ، خليط كفته من البشر يعلوها مسحه حزن وأصوات تمر على ودانى فى الطرقات عن غلا قاسم الوسط ومصاريف تهد الحيل ، وصوت عيل بيقول لأبوه عاوز جنيه أشترى بيه حاجه ، ويلاقى الرد " ربنا يفرجها يا ابنى " ..فجأه لقيت كلاكس توك توك ورايا فقلت أركن علشان يعدى ، لكن لقيته وقف جنبى ، وطلع السواق راسه من التوك توك وقالى .
سائق التو توك : مش إنت الأستاذ ياسر ؟
أنا : أيوه أنا فيه حاجه .
سائق التوك توك : أنا باعتنى عمى إسماعيل علشان أجيبك
أنا : ما انا رايحه له كمان نص ساعه
السائق : معرفش بس هو قالى متجيش الا ما ييجى معاك
.. ركبت التوك توك وأنطلق السائق ناحية بيت عم إسماعيل ، ومفيش دقائق حتى وصلنا للبيت لقيت عمى إسماعيل واقف قدام البيت .. فلقيته بيوجه السواق بتاعه إنه يستناه على مزلقان البلد وهو جاى وراه .. وما إن نزلت من التوك توك حتى بادرنى قائلا :
العصفورى : كويس إن لحقتنى علشان أنا مسافر ضرورى ومش هقدر أضايفك ، وعلشان كدا أنا قلت أبعتلك تيجى قبل الميعاد ، وأتمشى معاك لحد المزلقان ندردش شويه ،
أنا : تروح وتيجى بالسلامه يا عم إسماعيل
العصفورى : يلا بينا نتمشى ، بس فكرنى إنت كنت بتسأل على إيه إمبارح .. فكرنى ؟؟
أنا : كنت عاوز أعرف حالة الناس فى الدهاشنه غريبه كدا ليه .. ناس عايشه وناس كتير تعبانه والحزن بادى على الوجوه ..
العصفورى : تعالى معايا همشيك من جنب بيت " عتريس " وإنت هتعرف حال الناس وهو قرب المزلقان
أنا : هو لسه عتريس مماتش
العصفورى ضاحكا : هوا فيه عتريس بيموت .. شكلى هغير نظرتى عنك
.. وطوال الطريق إلى بيت عتريس ، ولا يلفت نظرى إلا حاله التبجيل لعم إسماعيل ، " إتفضل يا حاج إسماعيل " ، " إتفضل يا كبيرنا " ، " ربنا يخليك لينا يا باشا " . حتى وصلنا إلى بيت عتريس وهناك وجدت ناس كتير واقفه أمام بيته الكبير ، كان بيوزع لحمه وغلة البيت على الغلابه ، لكن لفت نظرى تلاته نماذج من البشر واقفين ، شيخ بيخطب فى الناس وبيطالبهم بترك الدنيا ، وخطيب صوته عالى بيمجد فى عتريس ، وستات غلابه ماسكه فى سور البيت يتدعى لعتريس وعاوز حتة لحمه للعيال .....
العصفورى : إيه رايك فى حالة الناس ؟
أنا : مش فاهم إيه الخليط دا .. ناس غلابه ، وناس بتدعيهم للاخره ، وناس بتدعى لعتريس
العصفورى : دى ثلاثيه الشيخ والشاعر والغلبان .. لو عاوز تفهم اللى حواليك
أنا : فهمهالى يا عم إسماعيل ، تعبت من حوراتك بتستهلك دماغى
العصفورى : العلاقه بين التلاته هى عتريس نفسه ، عتريس مش قادر يأكل الناس يعمل إيه ؟ أبسطهالك .. هحكيلك تلاته حكايات إسمع كويس وإستوعب ..
الأولى ، كان السلطان " أحمد بن طولون " يوم وفاته من أغنى أغنياء الأرض وغناه يفوق غنى السلطان العباسى نفسه ، ولكن الشعب كان جعان وعلى شفا الموت لدرجة إنهم مسلمين ونصارى ويهود رفعوا المصاحف والإنجيل والتواراه على رؤوسهم طلبا من الله أن يغيثهم مما هم فيه ، وهنا تحرك العصفورى الكبير علشان يلم الفوضى اللى على وشك انها تحصل ، فقام طلب شيخ يصلى على الجنازه ويخطب ، فقام الخطيب وقال شعرا " خذ القناعه من دنياك وأرض بها .. وأقصد لنفسك منها راحة البدن
وأنظر لمن حوى مصرا وما جمعت .. هل راح منها بغير القطن والكفن "
أنا مقاطعا : بسمع الشعر دا كتير من خطباء المساجد أول مره أعرف إنه كان يوم دفن السلطان طولون
العصفورى : أوعى تقاطعنى قربنا نوصل للعربيه ، مستعجل وعاوز أخلصلك الحكايه ..
الحكايه التانيه ، فيه يوم حصل زلزال كبير أيام الداهيه الملك " طاغور الإخشيدى " والناس جالها ذعر وهربوا للجبال ، وكان الملك قاعد ومعاه جدى العصفورى الكبير ، فدخل عليهم فجأه الشاعر محمد بن عاصم ، فسألوه إيه الناس عامله إيه فأنشد شعرا لطاغور قائلا "
مازلزلت مصر من خوف يراد بها .. لكنها رقصت من عدله طربا " .. فضحك جدى " معر..... "
أنا : والحكايه التالته
العصفورى : هى دى بقى إللى إنت عاوزها .. إسمع يا سيدى .. معروف إننا شعب بيحب التريقه ولسانه لا يطاق فى حق الناس الممزوجه بالسخريه اللاذعه ، وفى أيام الفاطميين كانت الحاله زفت وقطران ودا كان أيام حكم الخليفه أمير المؤمنين المستنصر بالله ، وقفت واحده من الستات ومسكت فى حديد القصر من بره ونادت على أهل القاهره " يا أهل القاهره ، إدعوا بالنصرلأمير المؤمنين المستنصر بالله اللى أكلنا الرغيف فى أيامه بألف دينار "
أنا : وبعدين
العصفورى : بعدين إيه ؟ هوا إنت مفهمتش لحد دلوقتى
أنا : بسطهالى أنا دماغى بتلف
العصفورى : شاعر ميهموش الا الحاكم ، وشيخ مهمته توجيه نظر الناس للأخره " الفقراء لهم الجنه " ، وشعب مهدود الحيل ومعندوش قدره يبقى آخره التريقه.. تبقى المحصله عتريس يقوم يرمى لحمه على الناس
أنا : وإنت فين من دا كله يا عم إسماعيل
العصفورى ضاحكا : أمال مين اللى بيكتب الخطبه والقصيده وبيشترى اللحمه
.. هنا وصلنا الى مزلقان المحطه وأمام السياره التى فتحت أبوابها له ، وقفت أودعه وما أن دخل إلى السياره وقفل الباب حتى نظر من شباك السياره وقالى :
العصفورى : متفكرش كتير ، روح بلدكم أنا مش هغيب كتير ، ولما أرجع لك عندى مفاجأة
وأنطلقت السياره .. وأنتهى اليوم الثالث
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه