بقلم / ياسر رافع
لحظات صمت خيمت على الغرفة ، تلمح على وجوه اللى موجودين فيها مظاهر الخوف من شئ مجهول ، مظاهر شحوب على الوجوه ، وعيون زائغه تتعلق بسقف الغرفه ، تتحاشى النظر إلى بعضها ، وسط دخان متصاعد من سجائر مشتعله بين الشفاه ، وبدايه لصوت مسموع لشيشة المعلم إسماعيل التى وضعت أمامه حالا ، كل ذلك مع صدى هتافات نسمعها بين الحين والآخر للدهاشنه تطالب برحيل عتريس .. وفجأه يبدو أن عتريس الرهيب يريد أن يتكلم وفى لحظه أشار بإصبعه ناحية المعلم العصفورى ..عتريس : إيه يا إسماعيل طلبت تجتمع معايا ليه إنت والرجاله ؟
تاركا لى الشيشه على الأرض ، ووسط خروج بقايا الدخان من منخاره وفمه
العصفورى : كويس إنك بدأت الكلام يا عتريس ، وفرت علينا الحرج والمقدمات ..
عتريس : يعنى إيه مش فاهم ..
العصفورى : إنت فاهم كل حاجه يا عتريس ، ومش عاوزين نلف وندور على بعض الوضع مش مستحمل
عتريس : إسمع يا إسماعيل با عصفورى إذا كنت بتتكلم عن شويه العيال اللى بتجرى فى الدهاشنه بقالها كام يوم ، أنا أقدر ألمهم بشوية الغفر اللى معايا واااااااا ..
... العصفورى مقاطعا ..
العصفورى : قبل ما تكمل يا عتريس شكلك كبرت وعجزت خلاص ، ومش واخد بالك إن الدنيا إتغيرت ، العيال اللى إنت بتقول عليهم دول كبروا ، إتعلموا ومش هما آهاليهم اللى إنت بدأت معاهم ..
عتريس : يعنى إيه خيرا تعمل شرا تلقى .. أنا اللى عملت المدارس فى الدهاشنه ، ورصفت الطريق حوالين البلد ، وأنا اللى خليتهم يمسكوا الموبايلات ، أنا عملتلهم كتير وإنت عارف كدا يا عصفورى ..
العصفورى : إحنا النهارده مش جايين علشان نعدد إنجازاتك يا عتريس ، الطوفان جاى وشديد والراجل اللى يطاطى للريح مش يقف قصادها .. الدهاشنه خرجت من الكهف وعلى ما ندخلها تانى لازم تمشى يا عتريس
.. فجأه تكهرب الجو وقام عتريس ضاربا برجله الترابيزه موجها ألفاظا نابيه وأصوات شخير من فمه إلى العصفورى وكل الحاضرين ، هائجا وكأنه عجل ذبيح رأى سكينه تقترب من رقبته ، وقام بعض الحاضرين يهدأونه وسط هدوء عجيب وغريب من المعلم العصفورى . هنا فتح الباب " دكرورى "
دكرورى : بعد إذنكم
العصفورى : عاوز إيه يا زفت دلوقتى
دكرورى : الهانم مرات سى عتريس سمعت الزعيق وعاوزه تدخل
العصفورى : قول لها تستنى شويه على ما نخلص الكلام
دكرورى : بس مصممه على الآخر
العصفورى : إقفل الباب أحسن لك
هنا هاج عتريس مرة أخرى وموجها كلامه للعصفورى
عتريس : خلاص جه اليوم اللى تتحكم فيه فى بيتى يا إسماعيل يا عصفورى ، تقول من يدخل ومين ميدخلش ، خلاص عتريس وقع وزمنه راح الله يلعن ابوك
العصفورى : شكلك إنت اللى نسيت أنا مين ؟ أنا اللى سبب وجودك فى المكان دا ، إنت واجهه مش أكتر وياما حذرتك وقلتلك غير اسلوبك مع الناس ، عملت فيها إنك فاهمهم وفضلت تكبر فى السن وفاكر الدنيا مبتتغريش ، الناس خرجت من الكهف يا عتريس ، ولازم نتحرك بسرعه يمكن نلحق نرجعهم الكهف تانى ، وإنت لازم تختفى دورك خلص وآن الآوان تسلم الرايه لغيرك .
.. عتريس يقع على الكرسى ولم تسعفه العصى فى يده من السقوط ، وجلس على الكرسى ووضع رأسه بين يديه فى وضع إنكسار ، وكأنه سلم بما يقوله العصفورى ، وما هى إلا ثوانى حتى رفع رأسه ثانيه ، وفى صوت يحمل مراره الهزيمه ..
عتريس : يعنى دى آخرتها يا إسماعيل بعد العمر دا كله تكون دى النهايه
العصفورى : إسمع يا عريس الوقت دا مش وقت مشاعر وأحاسيس ، انا عاوز منك جواب على سؤال واضح ومحدد ، موافق تمشى ولا لأ ؟
عتريس : طيب إدينى فرصه يمكن الدنيا تهدى ، أنا عارف الدهاشنه عمرها ما هتنسى اللى أنا عملته لها
العصفورى : خلاص الوقت فات ، إنت مش سامع الناس بتهتف بتقول إيه . " عتريس لازم يرحل " " لازم يرحل " ، ومش هنكرر الماضى تانى ، المره دى مش هنسيب البلد ونقعد بعيد ، إمشى يا عتريس وسيبنا نتعامل إحنا مع الناس
.... فجأه صوت نسائى يطرق الباب بشده ويسب ويلعن ، ولحظات ويفتح الباب وتندفع الهانم زوجه عتريس ، ويبدوا إن حد بلغها بما يدور فى الغرفه ..
الهانم : ما شاء الله ولا جه اليوم اللى تقعدوا مع سيدكم عتريس وتقولوا له إرحل ، إنتوا مين ؟ إيه يا إسماعيل يا عصفورى إنت نسيت نفسك ولا إيه ؟ عتريس هو اللى عمل الدهاشنه وخلاكوا بنى آدمين أوعوا تنسوا كمان إنه اللى حماكوا لحد ما كروشكم دلدلت من ورا وقدام ..
العصفورى قام هائجا ..
العصفورى : إنت يا دكرورى الزفت إخرج الوليه دى من هنا وإقفل الباب دا
دكرورى : حاضر يا كبير
.. دكرورى ومعه بعض الرجاله أخرجوا الهانم بالعافيه بعد وصلة ردح تمام ، وأقفل الباب مرة ثانيه ..
العصفورى : قوموا يا رجاله الكلام خلص اللى إحنا إجتمعنا علشان نقوله قولناه ،
.. الرجاله اللى فى الغرفه قاموا وقفوا ومنهم أنا ، وكما دخلوا خرجوا ولم يتكلموا ، وعتريس ما زال جالسا على الكرسى ، وبينما نخرج الواحد تلو الآخر ، وبينما المعلم عتريس يعدل العبايه على كتفه ، إلتفت إلى عتريس فى حركه أشبه بمن يحاول إسدال ستارة النهايه ..
العصفورى : إسمع يا عتريس بحكم العشره خللى النهايه فى إيدينا مش فى إيد غيرنا ، فكر كويس .
عتريس : عارف اللى إنت تقصده ، بس إدينى فرصه يومين أدبر فيهم أمورى
العصفورى : مفيش فايده فيك ، بتحاول تدور على قشه تتعلق بيها وسط طوفان
... وخرجنا جميعا وورائنا المعلم العصفورى الذى أقفل الباب على عتريس ، ونادى على إتنين من الغفر
العصفورى : عاوزكم تقفوا على الباب دا ، مش عاوز حد يدخل أو يخرج على عتريس مهما حدث ، واللى يفكر بلغونى علطول ..
وألتفت إلى قائلا ..
العصفورى : إيه ملاحظاتك يا أستاذ
.. لم أفق بعد من هول ما رأيت ..
أنا : مش فاهم تقصد إيه يا عم إسماعيل
العصفورى : لا إنت فاهم ، عاوز رأى مختصر
أنا : عتريس شكله مش هسيب المكان بسهوله
العصفورى : نفس النتيجه ، طيب يلا بينا نسيب بيت عتريس دا ونروح عندى نرتاح شكلها أيام سوده ومش هتعدى على خير ..
... وأمر كل الموجودين معانا بأن يسبقونا إلى البيت ، وعلى المدخل الداخلى لبيت عتريس لقينا دكرورى واقف على باب العربيه وبيفتح لنا الباب ، دخلنا واقفلنا الأبواب ، ثم ..
دكرورى : على فين يا كبير
العصفورى : على البيت بس من الطريق الخصوصى ، إبعد عن العيال اللى هايجه فى الشوارع دى
.. وأنطلقت العربيه وأنا جالس بجانب عم إسماعيل الذى تحول وجهه إلى ما يشبهه الحجر ، وهنا حاولت أن أسأله على عكس إتفاقنا السابق ..
أنا : عم إسماعيل ..
العصفورى : أيوه خير _ دون أن ينظر جانبه فى إتجاهى _
أنا : طيب لو عتريس مرديش يمشى من البيت الكبير
العصفورى : شكلك نسيت ستك شجرة الدر واللى حصلها
أنا : أفهم من كدا إنك ممكن تموته
... وسط قهقهه عاليه حولت وجهه الحجرى إلى وجه مشرق ..
العصفورى : لا هنرميه بس للناس فى الشارع وبعدين ننقذه من إيديهم علشان يعرف يسمع الكلام ..
.. هنا وصلنا إلى بيت المعلم العصفورى ، وبينما يهم بالنزول من العربيه ..
العصفورى : ولا يا دكرورى ، وصل الأستاذ للأوضه بتاعته علشان يرتاح شويه
دكرورى : تحت أمرك يا كبير ..
العصفورى : أنا هطلع أرتاح شويه ، أنا تعبان ، وبلغ الرجاله يكونوا مصحصحين الدنيا مولعه ، تصبح على خير يا استاذ ولا أقول صباح الخير
أنا : وإنت من أهله يا عم إسماعيل
.. وتركنا ودخل البيت ، ودكرورى مشغول بإخراج الشنطه بتاعتى من العربيه ، وبعدها كنا داخل البيت وصعدنا السلم الداخلى وفى غرفه فى أخر الرواق ، فتح دكرورى الباب وأدخل الشنطه
دكرورى : إتفضل يا استاذ .. تصبح على خير
أنا : وإنت من أهله
وأغلق الباب ووجدت نفسى ألقى بجسدى على السرير مفتحا عينى فى السقف ، أما يوم ولا يوم من ألف ليله وليله .. عم إسماعيل دا مصيبه كبيره .. وقمت بفتح الشنطه وغيرت هدومى ، وبينما أهم بغلق النور علشان أنام طرأ سؤال ظل يطاردنى حتى فى أحلامى .
يا ترى عم إسماعيل هيرمى عتريس إزاى للناس وبعدين ينقذه ؟؟
تصبحوا على خير
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه