الجمعة، 24 ديسمبر 2021

كمال وجوده (9)




 

بقلم / ياسر رافع

يا كمال " أنا كائن صيفى " ، بهذة الكلمات ، يحاول " جوده " إثناء " كمال " عن المضى قدما ناحية المقهى فى هذا الجو البارد جدا ، ولكن إصرار " كمال " جعل من محاولات " جوده " هباءا منثورا ، وكأن كمال يمشى مسحورا تناديه " النداهه " مثل التى فى قصه " يوسف إدريس " ..
وبينما يسحبان الكراسى ليجلسا عليها ، تلفت " جوده " يمينا ويسارا من حوله ، فلم يجد أحد على المقهى غيرها ، غير ركن بعيد فيه إثنان يتدفأن على بقايا خشب وورق محترق بين الكراسى ....

جوده : مش إنت مجنون يا كمال ، إيه اللى يخليك تطلعنا القهوة فى الجو البرد ده !!
كمال : هوا فيه أحلى من الشتا وجماله !!
جوده : أنا مبحبش الشتا يا عم ، مش كفايه لابس الدولاب كله وحاسس إنى ودانى هتقع من راسى
كمال : خلاص أسكت شويه ، خلينا نستمتع بالهدوء والجو الجميل دا ، مش شايف الناس الإتنين اللى قاعدين فى الركن البعيد دا ، مستمتعين بالشتا وحلاوته ومولعين ولعه صغيرة تدغدغ جسمهم بس ...
جوده : هههههههههه تدغدغ جسمهم ، دول عاملين شبه عبيط إسبرطه بالظبط ...
كمال : هههههههههههه عبيط إسبرطه مين دا يا جوده
جوده :  دا واحد سمعت إنه كان بيمشى بالنهار شايل شمعه مولعه بيقولك علشان بيبحث عن الحقيقه
كمال : إيه دا يا جوده ، بسم الله ما شاء الله ، إنت بقيت مثقف من إمتى ؟!
جوده : ههههههههه هوا إنت فاكرنى كفتجى بصبع كفته ...
كمال : بس حكيم إسبرطه مكانش عبيط ومكانش من إسبرطه أصلا ، دا فيلسوف كبير ...
جوده : يعنى عاوز تقولى الجوز اللى هناك دول فلاسفة إسبرطه ، جايين فى البرد وغاويين يولعوا ويدفوا لحكمه فلسفيه ....

وقف صبى المقهى بينهما ، يسألهم عن نوعية المشروبات ، وبينما هما يتبادلان مع صبى المقهى السؤال والجواب حول المشروبات ، فجأة وجه " جوده " سؤالا لصبى المقهى ...

جوده : إللى قولى ، هما الإتنين اللى قاعدين هناك ، مولعين نار ليه ؟
صبى المقهى : يا باشا الجو برد ، وهما متعودين على كدا
جوده : إوعى يكونوا بيبحثوا عن الحقيقه ....
صبى المقهى : لا يا باشا دول ملهمش فى سكة المباحث ، دول مبيشربوش حاجه وحشه
كمال : ههههههههه إيه يا جوده خف شويه ، يلا يا برنس روح هات المشاريب

وبينما يبتعد صبى المقهى عنهما فى إتجاة آخر ....

جودة : واد يا كمال ، تعرف إن الراجل بتاع إسبرطه دا كان عنده حق بردوا !!
كمال : من ناحية إيه يا فيلسوف الغبره !!
جوده : هههههههههههه مش ممكن العيال دى بتبحث عن الحقيقه ؟!
كمال : حقيقه إيه ؟! جوده هيا لسعت معاك
جوده : يعنى مش ممكن يكون معاهم حتة حشيش بسيحوها ويلفوها سجارتين وبعدين يشربوهم وساعتها يوصلوا للحقيقه ...
كمال : تصدق حكيم إسبرطه لو كان شافك ، كان هيديك بالشبشب على دماغك ...
جوده : هههههههههه ما أم البرد اللى إنت مقعدنا فيه دا ، خلانى عامل زى المبرشم ، ما تقوم نروح والنبى وسيبك من أم المشاريب إللى طلبناها ، أنا رجلى نشفت جوه الجزمه ...
كمال : متبقاش خرع كدا ، دا حكيم إسبرطه كان بينام فى الشارع تقريبا عريان ، صيف وشتا ،
جوده : مش بقولك عبيط ، تقولى فيلسوف ...
كمال : يا جاهل ، دا كان مشهور جدا وبيدافع عن الفضيله وزاهد فى الحياة ويدعوا الناس إلى الطريق الصحيح فى المقابل كان لا يخاف وكثيرا ما هاجم الإسكنر الأكبر وجها لوجه ....
جوده : هههههههههه بتقول هاجم الإسكندر الأكبر وش كدا ، وسابه عايش ...
كمال : أيوه ، حتى إن الإسكندر قال جملة مشهور " لو لم أكن الإسكندر لوددت أن أكون ديوجانس "
جوده : ههههههههههه يخرب عقلك يا كمال ، هوا الإسكندر طلع جد مصطفى باشا كامل ..
كمال : ههههههههههه إنت هتهزر

صبى المقهى يقطع حديثهما ، واضعا أكواب المشروبات الساخنه التى تتصاعد منها الأبخرة ، لحظات ثم مضى فى طريقه .. وبينما هما يرتشفان بعضا من المشروبات الساخنه ...

جوده : يعنى إنت عاوز تقولى إن الفيلسوف بتاعك العريان ، الإسكندر الأكبر كان عاوز يبقى زيه !
كمال : وإيه المشكله !! دا راجل فيلسوف وبيفهم ...
جوده : انا فيه كلمه محشورة فى زوري يا كمال نفسى أطلعها بس خايف الناس تسمعنى ....
كمال : ليه بس !
جوده : دا لو صبى من صبيان الإسكندر من بتوع البلديه كان شاله هيلاهوب وحدفه فى البحر ، طيب قولى الفيلسوف بتاعك عمل إيه بعدها ...
كمال : لا أبدا ، كان فى يوم مسافر فقام اللصوص بخطفه وباعوه فى سوق العبيد ...
جوده : ههههههههههه مش كدا ، وتقولى الإسكندر كان عاوز يبقى زيه !! يا ولاد اللعيبه
كمال : هما مين يا جوده ؟!

فجأة جاء صبى المقهى مسرعا بإتجاهم صائحا " يلا يا أستاذ إنت وهوا إلبسوا الكمامه بسرعه ، أحسن الشرطه بتفتش على القهوة " ..

جوده : مش بقولك ليلتك سودة يا كمال ! الكمامه شكلى نسيتها فى البيت
كمال : هههههههههههه خلاص إدفع الغرامه
جوده : هههههههههه لقيتها بالعند فيك

وبينما يرتديان الكمامات تنفيذا للتعليمات ....

جوده : الا قولى يا كمال ، تخيل كدا لو الفيلسوف بتاعك ماشى فى الطريق ومش لابس الكمامه ، تفتكر بتوع بلديه إسبرطه هسيبوه ، ولا هيغرموه ؟!
كمال : ههههههههه دا كان بيمشى لابس بس حته قماش تستر عورته ، ومفلس وكحيان هيجيب منين !!
جوده : هههههههههه كان هيدفع ، عارف ليه !!
كمال : هههههههه مش عارف !
جوده : هياخدوا الغرامه من تاجر العبيد اللى باعه ههههههههههههه ، قوم يا كمال خلينا نمشى من هنا
كمال : يلا ، كفايه كدا الجو برد جامد ...
جوده : ههههههههه تصدق إنك معندكش دم خالص ، أقول إيه ! ما أنا بقول الجو زفت من أول الليله
كمال : خلاص يلا نادى صبى القهوه علشان نحاسب

جوده ينادى على صبى المقهى ، ويقومان بدفع حساب المشاريب ، ومضيا فى طريقهما سويا بإتجاه البيت الأكثر دفئا ...................

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

مقدمة كتابى .. صديقى الوهمى محاولة ما قبل السقوط النهائى

  بقلم ياسر رافع " إحنا جيل مظلوم " ، عباره سمعتها كثيرا منذ نعومة أظفارى من أجيال مختلفة الأعمار والمشارب الثقافيه والإجتماع...