بقلم / ياسر رافع
الرمزيه عند الفيلسوف " هيجل " تمثل " شئ خارجى مباشر ، يخاطب حدسنا مباشرة " وهو بذلك يدمج بين الشكل والمحتوى من أجل تأكيد كلا منهما للأخر للوصول لجوهر الأشياء ، لذلك يتبين لنا أهمية الرمز فى حياة البشريه التى إستخدمت الرموز قديما وحديثا للتعبير عما تريده فى أشكال جماليه متسقه مع روح المجموعات البشريه المختلفه ، وقد إتخذت الرموز عبر التاريخ أشكالا فنيه متعدده عبرت فى مراحل تاريخيه سابقه ولاحقه عن ثقافات تلك المجموعات البشريه ، مثل الأهرامات وأبو الهول ثم الصليب ثم المأذن والقباب وغيرها كما فى التاريخ المصرى . ولكن الرمزيه فى إعتقادى تتعدى حدود الفن بأشكاله المتعدده فهناك أحداثا وتواريخا مثلت رمزيه فى حياة الشعوب وأصبح المزج بين شكل حدوثها ومحتوى أحداثها كتأكيد كلا منهما للأخر هو بمثابة خطاب للحدس الشعبى لإستثارته عندما تستعدى تلك الأحداث والتواريخ لتبرير سلوك يتماشى مع سلوك تلك الشعوب فى هذه اللحظه التاريخيه ،وقد مثلت عملية " درع الفرات " التى قام بها الجيش التركى فى شمال سوريا ضد الأكراد مثالا صارخا على الرمزيه التاريخيه أرادها قادة الأناضول بإستدعاء تاريخا يحمل معنا رمزيا يمزج بين الشكل والمحتوى ليوصلوا رسائل حدسيه فى إتجاهات متعدده بأنهم قادمون لذلك فإن إختيار يوم الرابع والعشرين من أغسطس لبدء عملية " درع الفرات " ضد أكراد سوريا لم يكن إختيارا عشوائيا بل إنه يتوافق مع اليوم الذى قامت فيه معركة " مرج دابق 1516" وتقريبا على نفس المسافه من حلب السوريه ، وهى المعركه التى كانت إيذانا بنهاية الدوله المملوكيه فى الشام وصولا لمعركه " الريدانيه 1517 " التى سقطت فيها الدوله نهائيا فى مصر ومن ثم إحتلالها ، وهو إختيار لا يخلوا من رمزيه يريدها قادة الأناضول ، إنهم يريدون إستدعاء الماضى ليكون مبررا لإخفاقاتهم على أبواب أوروبا كما حدث عندما توقف زحفهم فى أوروبا فأرادوا مبررا للتوجه شرقا وتعللوا بأن حدودهم مع الدوله المملوكيه مهدده وأن النزاع مع الدوله الصفويه يهدد أمنها وسقوط الأندلس وحصار البرتغاليين للسواحل العربيه والإسلاميه مبرر للتوسع الإمبراطورى على حساب دول إسلاميه أخرى وهو ما تحقق فى النهايه ، ولكن إستدعاء الرمزيه هذه الأيام وإن كان لا يخلوا من رمزيه الشكل السابق مثل التمدد الإيرانى ( الصفوى سابقا ) مناهضا للدور التركى ( العثمانى سابقا ) ، ووقوع المحيط العربى كله تحت السيطره الغربيه ( كنتاج تاريخى لسقوط الأندلس ) كل هذا فى إطار تراجع تركى بخيبة أمل من على أبواب أوروبا التى أوصدت أبوابها فى وجه العثمانيين الجدد وأوقفت زحفا يذكرها بالماضى وإن كان فى ثوب إقتصادى ، إلا أن المحتوى قد تغير فتركيا التى تتجه شرقا وجنوبا من أجل محاولة السيطره لم تعد هى الدوله العثمانيه القديمه التى تريد زيادة رقعتها الجغرافيه ، ولكنها دوله تكافح من أجل عدم التفكك الجغرافى ، لذلك فالحدس الذى أرادته قد وجد صدى حميد فى الداخل التركى فى إستدعاء إمبراطورى زائف ، إلا أن إستدعاء الرمزيه التاريخيه لعملية " درع الفرات " عند الشعوب العربيه هو خيار مؤلم لأنه يحمل فى طياته بدايات السقوط العربى لمئات السنين تحت الحكم العثمانى والذى أورثها بعده لعشرات السنين للإحتلال الأوروبى ، واللذان أذاقا العرب مرارة التخلف والعبوديه .
لهذا يجب أخذ تلك الرمزيه كخلفيه عند التفاوض مع قادة الأناضول الذين يريدون إستدعاءا إمبراطوريا رأوه قابل للتكرار فى ظل ضعف عربى شامل وتنازع قوى متعدده على غنائم رقعته الجغرافيه ، والذين لم يكن السلاح وحده وسيلتهم هذه المره ، فالدبلوماسيه هى التى يعتمدون عليها الأن هى محاولة رأب الصدع الذى حدث بعد ثورات الربيع العربى والذى نتج عن تدخل تركى سافر فى الشئون العربيه وكأنها ولايات عثمانيه كما السابق ، فى محاوله لإحياء سياساتهم " صفر مشكلات " مرة أخرى مع الدول العربيه من أجل الإيحاء بدور تركى يعمل لصالح المحيط العربى فى مواجهة إيران وداعش ، ولكنه دور يحمل تدخلا تركيا سافرا فى الشئون العربيه من أجل الحيلوله دون قيام دوله كرديه تقوض الدور التركى وتضعفه مما سيعطل مشروعه للتدخل فى تحديد المصير العربى بمشاركه روسيه أمريكيه وإسرائيليه ،
لذلك على مصر أن تعى طبيعة الدور التركى الجديد_القديم والذى جاء محملا برمزيته التاريخيه بذات الشكل والمحتوى ، وأن الحديث عن مصالحه مصريه_تركيه يجب أن يتم فى إطار إستدعاء مصر لرمزية معركة مرج دابق والتى رأى فيها السلطان " قنصوه الغورى " أن الوسيله الوحيده للوقوف أمام التغلغل العثمانى هو بمقابلته على حدود مملكته وليس إنتظاره فى القاهره ولولا الخيانه لأنتصر المماليك . لأن المعركه هذه الأيام معركة وجود للعرب ومصر وأن الوقوف على أطراف الصراع الدولى فى سوريا سيعجل بنفوذ متنامى للأتراك سيصب حتما فى غير مصلحة مصر والعرب .
لست ضد المصالحه المصريه _التركيه لأنها إذا وضعت ضمن إستراتيجيه مصريه عربيه موحده فإنها ستكون فى صالح العرب والمسلمين فى مواجهة محاولات التفتيت الجغرافى والدينى والعرقى ، وفى المقابل فإنه يجب على العرب أن يكونوا يقظين ومنتبهين وأن إستدعائهم لرمزيه التاريخ بذات الشكل والمضمون فى مواجهة إستدعاء مماثل سيولد حدسا شعبيا يقظا ضد كل محاولات السيطره على المحيط العربى ومنعا للسقوط فى دوامة التخلف والعبوديه مرة أخرى
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه