بقلم / ياسر رافع
العلاقه بين القديم والجديد هى علاقه جدليه مستمره منذ بدأ التاريخ الإنسانى وستظل مستمره حتى النهايه المحتومه للبشريه ، وتأتى إستمراريه هذه العلاقه من الطبيعه الإنسانيه التى تميل إلى وجود مقياس دائم يصوب حركتها وإتجاهها ، فتظل حاكمه على كل جديد بما قد حصل قديما ، وهو ديالكيتك بشرى يراد منه التقدم الإنسانى كنتاج طبيعى لتك العلاقه .وفى إطار تلك الجدليه الأزليه إنتهى حوارين بينى وبين صديقين أثيرين إلى قلبى ، ولكن المسافه الزمنيه بين الحوارين لا تقل عن عام ، ولكنهما وعلى الرغم من البدايه الواحده إلا أنهما إنتهيا إلى نهايتين مختلفتين ، الأولى تركن إلى أن لا جديد بعد ثورة 25 يناير وما تلاها وكان من رأيى أن الأمل لدى الناس وأنهم قادرين على التغيير فكان الرد " هوا فيه ناس ؟؟ " ، فصدمت لتعدد الشواهد أمامى . أما الحوار الثانى فكان متفائلا واضعا معيار التغيير أمامه وفق معطيات عصريه تلغى التمايز والجدليه بين الحكم المدنى والعسكرى ، فقال " مش ممكن ندخل ما يدرس فى كليه الإقتصاد والعلوم السياسيه ضمن مناهج الكليات العسكريه حتى نجسر الهوه الحادثه الأن فى مصر بين إشكاليه الحكم المدنى والحكم العسكرى، ويصبح معيار الكفاءه هو الحل للخروج بالبلاد إلى مستقبل أفضل ؟ .. صراحه وبعد أن إنتهت المحادثه الثانيه وما أن تذكرت المحادثه الأولى ، حتى وجدتنى أسيرا " لحوارات أفلاطون " الشهيره والتى تعرف " بجمهورية أفلاطون " لعلنى أجد مخرجا يوازن بين تشاؤم مدفوع بميراث القديم وتداعياته ، وبين جديد يعترف بأن المستقبل لن يكون إلا بالموازنه بين ما هو حادث وبين ما هو آت ، ففى معرض بحث أفلاطون عن جمهوريته الفاضله وفى إطار إختياره لمعايير تلك الجمهوريه فقد إقترح أن يحكم الفلاسفه تلك الجمهوريه قائلا " ما لم يتول الفلاسفه الحكم فى الدول أو أن يتحول من نسميهم ملوكا وحكاما إلى فلاسفه حقيقيين ، وما لم نر القوه السياسيه تتحد بالفلاسفه وما لم تسن قوانين دقيقه تبعد من لم يجمعوا هاتين القوتين فلن تنتهى الشرور من الدول بل من الجنس البشرى " ، وهو يعنى بالفلسفه محبة الحكمه والمعرفه ، والسعى إلى الحقيقه التى لا تقف عند الظواهر المحسوسه التى تداعب الأبصار ولكن الحقيقه التى تدرك المعرفه اليقينيه القائمه على العلم .
لذلك فإن مسئولية الفيلسوف _المثقف_ لن تكون سهله لأن طرف المعادله الأخر وهو الشعب الذى يرفل فى الذل والعبوديه يجب أن يكون مشاركا وفاعلا ، وأفلاطون يوضح أن تلك المرحله هى الأصعب من خلال حوار بين " سقراط _غلوكون " والذى صور فيه عامة الناس مسجونين فى كهف مظلم منذ الصغر ولقد قيدوا فى هذا الكهف منذ ولادتهم وأداروا وجوههم إلى جدار الكهف والذى تنعكس عليه ظلال ما هو خارج الكهف من ضوء ينير عالما من الناس الذين يسيرون حاملين عرائس خشبيه على أكتافهم ، ولما كان هؤلاء المسجونون لا يستطيعون أن يلتفتوا وراؤهم فإنهم يظنون الظلال التى يرونها على جدار الكهف حقائق ويتوهمون ما يسمعونه خارج الكهف من اصوات أنها صادره من هذه الأشباح فإذا تمكن أحدهم من أن يخرج من الكهف ليرى الحقائق فى الخارج وعاد هذه الرجل ليخبرهم أنهم واهمون فيما يظنونه حقيقه يسخرون منه وينكلون به ، وهكذا يكون حال الفيلسوف_المثقف_ بين قومه لأنه يكشف للناس وهمهم
ألهذا الحد تطابقت حوارات أفلاطون فى جمهوريته القديمه وبين حواراتنا بعد ثورة 25 يناير والتى جاءت
بعد ثلاثين عاما من المعاناه وبعد قرابة الست سنوات هى عمر ثورة 25 يناير ، والتى تبدوا منطقيه لأنها جاءت فى ظروف ثوريه تكاد تكون مشابهه للثورة المصريه وكان أفلاطون وسقراط من دعاتها ، أليس هذا فيه رد كافى على صديقى العزيزين ألم يؤكد أفلاطون ما قاله صديقى الأول " هو فيه ناس ؟؟ " هؤلاء القابعين فى الكهف خائفين من النور والمستقبل واستمرأوا العبوديه ، وتماهى مع صديقى الثانى وأراد أن يجعل الحكم فلسفيا قائما على البحث عن الحقيقه التى تنتشل الناس من الكهف إلى عالم من غير ظلال وأصوات أشباح وبغير قيود أغلال تشل حركتهم ، أليس هذا فيه صدى لما سمعناه مرارا و تكرارا من إستخدام مصطلح " الجمهوريه الثالثه " والتى قامت من أجلها ثورة 25 يناير على غرار ما يطلق على الحكومات الفرنسيه المتعاقبه..
يبدوا أن القديم يزاحم الجديد وبشراسه بعد 25 يناير وما تلاها فى 30 يونيو ، ولا يريد أن يرحل بسهوله كما لم يرحل قديما وقتل سقراط بالسم بعد أن كان من دعاة من أوصلهم إلى الحكم ، وأنه لا شواهد على حدوث ديالكتيك ينتج وضعا جديدا ، وأن هناك تسارع نحو الرجوع للكهف خوفا من النور والمستقبل من قبل الناس ، لذلك فإنه يبدوا أن حواراتنا لن تعدوا غير تكرار لحوارات أفلاطون عن جمهوريته الفاضله التى لم تتحقق ،
لذلك إذا أردنا أن ننشأ " جمهورية مصر" الجديده القائمه على معطيات العصر والقادره على العبور للمستقبل يجب أن يكون العلم معيارا للتقدم واضعين فى إعتبارنا المقاومه الشرسه من كل ما هو قديم والذى يريد أن يستمر وأدواته فى ذلك هى المحافظه على الناس داخل كهف خوفهم من التغيير وكل ما هو جديد ، ولن تجدى نفعا محاولات السلطة إذا أرادت مستقبلا جديدا دون خروج الناس من كهف العبوديه والذل اللذان عاشا فيه عشرات السنين .. السلطه القائمه على العلم والبحث عن الحقيقه المطلقه وشعب قادر على تجاوز سنوات الكهف هو السبيل نحو " جمهورية مصر" التى نريدها .. غير ذلك هتبقى سلطويه ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه