بقلم / ياسر رافع
إن خيارات الشعوب فى تقرير مصيرها وتحديد شكل وطريقه الحكم التى تريدها هو من موجبات الإحترام التى تقوم على أساسها إقامة العلاقات الصحيه والسليمه بين الدول . لذلك فعند تناول أحداث بعينها فى دوله معينه ، وخصوصا إذا كانت تلك الأحداث لم تشهد حسما نهائيا لذا فيجب التريث قليلا قبل إصدار أحكاما نهائيه على تلك الأحداث وعدم القفزعلى نتائج وترتيبات ما بعد تلك الحداث . أننى أتكلم وقد إنتهت أحداث ما يسمى " الإنقلاب التركى " الفاشل والذى شهد أحداثا داميه ، وصراعا كلاميا فى مصر طال الجميع دون إستثناء لأسبابا متعدده خاصه بالشأن المصرى الخالص ، فهناك من رأها نهايه طبيعيه لحكم " أردوغان " الديكتاتور الذى وقف أمام خيار الشعب المصرى فى 30 يونيو بقيادة الجيش ، ومنهم من رأى أن فشل الإنقلاب هو برهان دامغ على أن شرعية الإخوان هى شرعيه شعبيه وأدت فى 30 يونيو ، وهناك فريق سلك مسلكا عاما _منتصرا لمبادئ عامه _ رأى فيه أن الإنقلاب أو محاوله الإنقلاب على أيا من قامت عليه من أنظمه سياسيه فهو مرفوض طالما أنها منتخبه بطريقه ديموقراطيه وشرعيه .. وأظن أن السجال لن ينتهى بمجرد الإعلان عن إنتهاء المحاوله الإنقلابيه لأن الوضع المصرى لا زال فى بدايات الطريق ويحمل أوزار سنوات طويله من الإستبداد ولم يصل بعد لدرجة النضوج السياسى ..ولهذا ومع متابعتى لشاشات الفضائيات المتعدده ، لمتابعة التطورات التركيه فإننى أستسمح الجميع فى أن أنحو جانبا وأن أكون على مسافه واحده من الجميع وأن أطرح تصورى الخاص لأحداث المحاوله الإنقلابيه الفاشله فى تركيا ، محاولا الربط بينها وبين تأثيراتها على الخارج التركى بعيدا عن خيارات الشعب التركى السياسيه .
فمنذ الساعات الأولى للإنقلاب ومع توالى التصريحات والبيانات المتضاربه من كافة الأطراف التركيه الحاكمه للمشهد العام ، فقد بدا لى أن الجيش بكتلته الأساسيه لم يكن وراء المحاوله الإنقلابيه وأن من قام بتلك المحاوله هم قله من قوات الجيش موزعه على جميع أفرع الجيوش الرئيسيه ، فليس من المتصور أن يقوم جيش بمحاولة إنقلاب ثم يقصف أهدافا بالطائرات خصوصا وإن كانت تلك الأهداف حيويه مثل مبنى المخابرات العسكريه والبرلمان ، مع عدم إحتلال الميادين الرئيسيه وغلق المجال الجوى بالكامل ، فى الوقت الذى تعطى فيه أوامر مختلفه ومتضاربه لطائرات سلاح الجو سواء بالقصف أو ضرب الطائرات المغيره . وهو الأمر الذى جعل من محاوله الإنقلاب أمرأ سهل الإنقضاض عليه خصوصا من قوات الشرطه التى وضح من خلال الأحداث أنها لديها تعليمات محدده للتصدى لأى محاوله إنقلابيه من الجيش . ومع تسارع الأحداث ظهر أن قيادات الوسطى والصغرى هى من قامت بالمحاوله عزاها جميع الأطراف إلى أنها كانت بسبب إقدام الدوله على تسريح عدد كبير منهم طبقا للنظام العام ، وهو ما فتح الطريق أمام التصريح علنا أو ضمنا بأن هناك من كان يعلم بالمحاوله و قدر لها أن تنجح أو تفشل لغرضا فى نفسه وهو ما دعى البعض لنفض التراب عن نظرية المؤامره ، كما حدث فى أحداث الأمن المركزى 1986 فى مصر عندما خرجت مجموعات كبيره من جنود الأمن المركزى فى الشوارع وحدوث أعمال شغب وسلب ونهب نتيجه لإشاعه سرت بينهم بأن هناك تمديد لسنوات الخدمه العسكريه ، وهو ما أستدعى تدخل الجيش لوأد التمرد ، وعلى الرغم من إنتهاء تلك الأحداث إلا أن نظرية المؤامره لا زالت حاضره .
وعلى الرغم من إنتهاء أحداث الأمن المركزى فى مصر بسيطرة الدوله وجيشها على تمرد جنود الأمن المركزى وما تبع ذلك من إجراءات جعلت من مصر تتجاوز أزمه تلك الأحداث ، إلا أن المؤسسه العسكريه التركيه تلقت ضربات موجعه حتما ستؤثر عليها داخليا وخارجيا من جراء المحاوله الفاشله ، ففى خضم الأحداث وتصاعدها نجد أن حاكم أنقره يصرح بأن " الطيار الذى أسقط الطائره الروسيه من ضمن الإنقلابيين " فى محاوله سريعه ومباغته لإستدعاء الخارج على المؤسسه العسكريه ، كذلك إستدعاء الرئيس أردوغان للشعب للتصدى للجيش وهو بعد لم يكن متيقنا بالكامل من وقوف كامل المؤسسه وراء الإنقلاب وهذه سابقه خطيره وضعت المؤسسه بالكامل فى جانب والشعب فى جانب ، والأخطر هو المقاومه المسلحه من قبل قوات الشرطه التى أخذت أوامر قتاليه ضد الجيش مما أوقع قتلى وجرحى من الجانبين وبعد إنتهاء المحاوله وسيطرة الجيش على الأوضاع فقد بدا وأنه شيخا عجوزا تجاوزه الزمن مشيعا بعلنات الجميع وبصور جنوده وهم ملقون على الأرض عرايا ويضربون بالأيدى وبالأحزمه من قبل المواطنين وفى المشهد الخلفى قوات الشرطه .. وسط إدانات دوليه لمحاولة الإنقلاب ليس حبا فى الديموقراطيه التركيه ولكن لأن الإنقلاب لم يات فى ظروف أخرى فإيران والسعوديه مثلا رفضتا المحاوله الإنقلابيه رغم إختلافهما مع سياسات أردوغان ، ولكن الأولى وهى التى تحارب فى المعسكر المقابل لتركيا فى سوريا لا تريد أن تتفاقم الأزمه الكرديه بسبب الإنقلاب مما يعقد المشهد الإيرانى نفسه ، وكذلك السعوديه التى لا تهمها الديموقراطيه والتى رأت أن الإنقلاب سيؤثر على تحالفهما فى محاربة النظام السورى وإسقاطه
إن ما حدث أثناء وبعد المحاوله الإنقلابيه فى تركيا سيترك أثارا وجروحا غائره فى المؤسسه العسكريه ، ولن يشفى جراحها وقوف الرئيس أردوغان فى مطار إستطنبول ومن خلفه صورة مؤسس الدوله التركيه " كمال أتانورك وهو يقول " إننى أؤمن بالجيش وبقادته " ولا أن يصف الجيش فى خطاب عام بأنه " جيش محمد (ص) " .. لأن صور جنوده وهم يضربون فى الشوارع لن تنمحى من الذاكره وهو من وافق على المسار الديموقراطى من الأساس .. لذلك فعلى المؤسسه العسكريه ان ترتب أوضاعها الداخليه التى وضح أنها مخترقه للحد الذى لا يهدد فقط أمنها هى بل أمن تركيا برمتها ومحيطها الجغرافى الذى سيتأثر حتما بنذر حرب أهليه لاحت فى الأفق التركى لساعات حبس العالم والجوار التركى أنفاسه فيها . وأعتقد أن أى محاوله لتصفية حسابات مع المؤسسه العسكريه التركيه من قبل المؤسسات السياسيه فى هذا الوقت سيحول حالة التوهان التى تعيشها المؤسسه إلى حالة تذمر وتنمر سيعقدان المشهد أكثر مما هو معقد ، وهو ما سيعجل من المحاوله الإنقلابيه الفاشله مجرد نزهه أمام المحاوله التاليه والتى حتما ستسيل فيها دماءا أغزر يعززها تأييدا أو تغاضيا دوليا هذه المره لأن الغرب لن يسمح بأن تخرج المؤسسه العسكريه التركيه عن خطها المرسوم وتصبح فى يد فصيل سياسى يقبله الغرب شكلا ويرفضه ضمنا ..
إن قدرة المؤسسه العسكريه فى التعاطى مع الأحداث فى الأيام القادمه هو ما سيحدد مصير العمليه السياسيه التركيه والنظام العام وليس حزب العداله والتنميه فى تركيا ، الجروح أصبحت غائره بين الجانبين والميراث معقد بينهما . فهل نشهد فى الأيام القادمه أحداثا تزيل أثار ما حدث أم نشهد صراع النهايه بين القطبين العسكرى والسياسى والذى سيصبح كطوفان يحتاح المنطقه برمتها ؟ نحن فى الإنتظار ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه