الثلاثاء، 21 ديسمبر 2021

مصر وإسرائيل .. صراع بالنقاط


 


بقلم / ياسر رافع

تمثل الالعاب الجماعيه بجمهور واسع ومشجعين كثر ، لما تتطلبه من تنسيق متكامل بين عناصر اللعبه ، خصوصا تناغم اللاعبين فيما بينهم مما يعطى لشكل تلك الألعاب الرونق الجمالى وبالتالى تحقيق النصر ، مثل كره القدم . عكس الألعاب الفرديه والتى تعتمد فقط على قدرة ومهاره اللاعب الفرد فى مواجهة فرد أخر ، والتى عادة ما تحسب نتائج مبارياتهم بالنقاط وليس الحسم .. كما فى رياضة سلاح الشيش .
وبما أن السياسه الدوليه لا تختلف كثيرا عن ذاك النوعين من الرياضه  ، وخاصة فى عالمنا العربى ، فمنذ خمسينيات القرن العشرين ومع بداية حركات التحرر والإستقلال الوطنى والتى أتت بحكومات عربيه وطنيه ، وفى الوقت التى رأت فيه تلك الدول اهميه كبيره للعمل العربى المشترك تحت راية القوميه العربيه والعمل العربى المشترك على غرار الألعاب الجماعيه فى تناغم للرؤى المشتركه بينهم ، وهذا ما مكنهم من إحراز نجاحات دوليه ضد إسرائيل والتجمع الغربى من وراءها ، وذلك عندما أحرزت نجاحا فى مؤتمر باندونج لعدم الإنحياز وما تلاه من مؤتمرات فى محاصرة إسرائيل دوليا وإقليميا ودعما للقضيه الفلسطينيه وصولا لإعطاء " منظمه التحرير الفلسطينيه " صفة مراقب كإعتراف دولى بالقضيه الفلسطينيه وممثليها الشرعيين . وتواصل الجماعيه العربيه فى تناغمها حتى تقتنص قرار مهما من القمم الأفريقيه  بعد أحداث نكسة 1967 وإعتبار الكيان الصهيونى كيانا غاصبا شبيها بنظام الفصل العنصرى بجنوب أفريقيا أنذاك فى ظل دعم المجموعه العربيه للدول الأفريقيه ووقوفها بجانبها فى الوقت الذى تخللى عنها الغرب ..
ولكن بدأ من إتفاقية " كامب ديفيد " فقد بدا أن العمل الجماعى العربى قد إنفرط عقده وأصبح الصوت الفردى هو سيد الموقف ، وهو ما أدى إلى تشرزم الفريق المتناغم إلى لاعبيين فرديين ، ومع توالى الأيام والسنوات الطوال ومع إنحسار بريق الدول الوطنيه التحرريه و سقوط الإتحاد السوفيتى وإنتصار المعسكر الغربى الداعم لإسرائيل هنا ظهر جليا حجم التراجع العربى وفى القلب مصر ، حتى قامت ثورات الربيع العربى والتى بدا أنها تواكب تغيرا كبيرا فى منظومه العلاقات الدوليه  ودخولها إلى عالم جديد متعدد الأقطاب ، هنا نرى شكلا جديدا من أشكال الصراع ، صراعا ليس قائما على سخونه الأحداث  وقعقعه السلاح ، وليس قائما على جماعيه متناغمه كما السابق بل صراع إستبدل فيه السيف البتار بسيف " سلاح الشيش " حيث أصبح من المألوف أن يتصارع العرب والإسرائيلين على نفس الرقعه فى تحد لا يقوم على صرع الأخر ، لأنه قد بدأ أن هذا مستحيل فى تلك اللحظه الراهنه .. ولعل زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلى " نتنياهو " إلى إفريقيا وإقتناصه صفة " مراقب " للإتحاد الأفريقى هى نقطه ناجحه من لاعب سلاح الشيش الإسرائيلى فى مواجهة خصمه المصرى وسط جمهور أفريقى أصبح يرى أن الصراع العربى الإسرائيلى لا يعنيه وسط كم من المشكلات الإقتصاديه والتى يرى فى إسرائيل مدخلا مهما لحلها .
ولكن وسط الصراخ والعويل الموسمى فى الإعلام المصرى كلما نجحت إسرائيل فى كسب نقطه على الحلبه الفرديه ، لم يفطن ذاك الإعلام إلى إحراز مصر نقطه مهمه بحصولها على " صفة مراقب " فى قمه العشرين القادمه فى الصين وهو حدث كبير يضع مصر ضمن حسابات وترتيبات ما بعد الإستقرار الدولى . وهو بحسابات السياسه الدوليه والإقليميه حدث مهم فى مواجهة إسرائيل .
إن زمن اللعب الجماعى العربى قد ولى ولن يعود ثانيه على الأقل فى المدى المنظور ولسنوات ، لذلك لن يكون هناك إلا اللعب الفردى القائم على السرعه وخفة الحركه وتسجيل النقاط ، وسط عالم لم يعد يتقبل قواعد العمل الجماعى خصوصا فى منطقتنا ، خصوصا وأن إسرائيل قد بدأت تغير من إستراتيجيتها وقد رأت فى أفريقيا المستقبل وساحة الصراع العالمى القادم .. لذلك على مصر وهى تلعب فرديا سواء أرادت أم لم ترد أن تعى أن لها وجودا فى أفريقيا أصبح مهددا ولم يعد فى مقدورها إستخدام قواعد اللعب الجماعى كما السابق بمجموعتها العربيه ، فقد إنفرط العقد واصبح إمتشاق السيف البتار فى هجوم جماعى هو محض خيال ، لذلك عليها أن تتنازل وتلعب بسلاح الشيش مع إسرائيل على كامل المساحه الأفريقيه ، والتى حتما ستصفق دولها لمن يسجل على أرضها أكثر النقاط ..
ويتبقى أن ندرك أن اللعب الفردى يتطلب ظهورا متكررا بين اللاعبين ، وهو ما سنشاهده كثيرا فى الأيام القادمه وسط صراخ من جمهور غاضب لم يعى بعد التغير الحادث فى قواعد اللعبه الدوليه والإقليميه ، ولن يلتفت احدا لصراخه وسط زلازل التغيير العالميه الحادثه . الكل يريد أن يستبدل الصراع المسلح بتعاون إقتصادى رأسمالى يجعل من الألعاب الفرديه مقياسا للتقدم ..
خيار اللعب الجماعى لم يعد موجودا ، وخيار اللعب الفردى أصبح متاحا ، وهناك من يريد تغيير شكل الصراع فى المنطقه برمتها ، وأن المنطقه العربيه وجوارها أصبح ممهدا لملاعب مجهزة لجمهور أقل يريد مشاهدة لاعبين على الأكثر وبطريقه فرديه وبسلاح شيش لا يخدش ، تمهيدا لتحويل جماهير غاضبه خارجها تريد إمتشاق السيف البتار إلى مستهلكين يتابعون المتبارين عبر شاشات التلفزيون وهم يأكلون الشيبسى ويشربون الكوكاكولا ..وعلى الذين يتكلمون فى الصراع العربى_الإسرائيلى أن يدركوا أن قواعد اللعبه تغيرت ولم يعد بإستطاعتنا تكوين فريق جماعى ، وأن تلك القواعد تفرض علينا سلوكا مغايرا بعيدا عن الصراخ والعويل على نظام عربى قد إنفرط عقده منذ زمن . وأن الإقتصاد اصبح هو الحاكم لطبيعة الصراع فى المنطقه .

لا تحسبوا كلامى يأسا بل قراءه واقعيه أحسبها صحيحه لواقع أقل ما يوصف بأنه مزرى .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...