الثلاثاء، 21 ديسمبر 2021

مصر تسرق أعضاؤها




بقلم / ياسر رافع

على الرغم من الخلاف الجدلى والفقهى الدائر فى مصر حول عملية زراعة الأعضاء ، وهل هى حلال أم حرام ، وفقا للمفهوم الدينى ؟ وما هى المده الزمنيه التى يجب أن يأخذ العضو المتبرع به حتى يكون صالحا للزرع فى جسد آخر وفقا للمفهوم الطبى ؟ كل ذلك مغلف بإطار من الفقر الذى جعل من عملية زرع الأعضاء ممارسه سريه فى الأساس وعلنيه فى حدود ضيقه ، مما فتح الباب لما هو أسوأ من زرع العضو فى مريض يريد الشفاء إلى عملية قرصنه وسرقه وقتل لأشخاص أوقعهم فقرهم وحظهم العاثر فى طريق عصابات الأعضاء البشريه الذين لا يتورعون عن الإتيان بأى فعل للحصول على تلك الأعضاء ، حتى بات يخشى منهم بعد أن تحولوا لمافيا تمتلك الوسائل الكفيله لردع من يقترب منهم .
ولا تختلف عملية زرع أو سرقة الأعضاء البشريه _إذا جاز التعبير_ عن عمليات الإندماج أو الإنسلاخ القسرى فى مراحل تكون الأمم ، فمرحلة صعود أى دوله عظمى على مدار التاريخ إستدعت خروجا وتوسعا خارجا عن حدودها الأساسيه وضم دولا ومناطق جغرافيه لتزيد من حجمها وتوسيعا لنفوذها العسكرى والإقتصادى _ زرع أعضاء _ ، ولكن ما إن تبدأ الدوله العظمى فى مراحل ما قبل السقوط _ نتيجة لوجود تنافسا شرسا من قوه أخرى تريد أن تأخذ مكانها فى الصداره _ حتى تتجلى مظاهر الضعف والسقوط فى عمليات إنفصال وإنسلاخ ربما قسريا فى بعض الحالات للمكون الجغرافى لها _ سرقة أعضاء _ ، مثلما حدث مع الإتحاد السوفيتى الذى ضم فى مراحل صعوده كثيرا من الدول داخل حدوده الجغرافيه ، وما أن بدأت عوامل سقوطه نراه وقد تفكك إلى دول متعدده وصولا لمحاولة فصل دول تابعه للإتحاد الروسى _وريث الإتحاد السوفيتى _ ذاته فى محاوله لمنع محاولة بعث الإتحاد السوفيتى مرة أخرى على يد روسيا وقد تجلى ذلك فى محاوله فصل الشيشان عن الإتحاد الروسى .
ومما لا شك فيه أن ما جرى بعد أحداث الربيع العربى  يخبرنا أن الجسد العربى قد اصبح عليلا  مستباحا من القوى الإستعماريه القديمه والجديده فى محاوله لسرقة أعضاؤه وضمها إلى كيانات لصالح دول أخرى ووفقا لإستراتيجيات جديده لعالم لم تتضح معالمه بعد ، بل وأصبحت كل دوله من الدول العربيه تصارع وحدها من أجل الحفاظ على ما تبقى لها من أعضاء تبقى لها ولو جزءا من الحياة فى محيطها الإستراتيجى المستباح .
وتبقى مصر مثالا حيا لمحاولة مقاومة سرقة أعضاؤها الإستراتيجيه من قبل مافيا الدول الإستعماريه القديمه والجديده التى تريد أن تحل مكانها ، وقد كانت بداية السرقه إنفصال جنوب السودان عن شمال السودان فى العام 2011 ، ثم تلاها سقوط ليبيا على يد حلف الناتو ، ودخول سوريا فى حرب أهليه ، ودخول العراق فى مرحله السقوط النهائى بعدما إجتاحتها الجيوش الأمريكيه وتسليمها للطائفيه فيما بعد ، كل ذلك كان إيذانا بفقدان مصر أعضاؤها الإستراتيجيه وأنها قد اصبحت مشلوله فى تحركاتها الإستراتيجيه ، حتى أصبحت مطالبه فى بعض الأحيان _ وربما فى كامل التصورات الإستراتيجيه _ أن تدخل فى حروب خارج حدودها لحماية ما تبقى من الجوار الإستراتيجى كما فعلت روسيا ما بعد الإتحاد السوفيتى السابق . ولكن من أين تبدأ مصر حربها أو مقاومتها لعملية سرقة أعضاؤها الإستراتيجيه ؟ العراق أم سوريا أم ليبيا أم اليمن أم السودان ؟ أعتقد أن ترتيب الأولويات هو ما سيحدد شكل مقاومة السقوط ووقف المزيد من سرقة الأعضاء ..
وأعتقد أيضا أن ترتيب الأولويات يستعدى حماية القلب من السرقه ، والقلب هنا هو " نهر النيل " وما يجرى حوله ، لذلك فإن على مصر أن تبدأ حربها فى دولة " جنوب السودان " ذاك العضو الذى سرق بليل من الجسد الإستراتيجى المصرى وتتصارع فيه كل القوى الإستعماريه القديمه والجديده من أجل السيطره على بتروله وثرواته المعدنيه الهائله من الذهب والمعادن الأخرى ، والذى أصبح أكثر قربا من الكيان الصهيونى _ أول من إعترف بها _ ..
دولة جنوب السودان وعلى الرغم من غناها بالموارد الطبيعيه والمعدنيه ، إلا أن البترول أوجد تسابقا محموما للسيطره عليها وخاصة الدول الغربيه وإسرائيل وهو ما أوجد تعاونا متزايدا بينها وبين إسرائيل التى تمدها بكل الوسائل السياسيه والعسكريه والإقتصاديه ، وهو ما يجعل الإستراتيجيه المصريه فى وضع حرج ، فوجود إسرائيل والدول الغربيه بكثافه بجوار منابع النيل وجواره _ قواعد عسكريه ومحطات تصنت إلكترونيه _ يستدعى تدخلا مباشرا لمنع سرقة ما تبقى ، وأن بناء سد النهضه لم يكن ليبنى إلا لأن سرقة أعضاء الجوار الإستراتيجى قد تمت دون مقاومه تذكر ، وأن مقاومه قويه وشرسه أصبحت لازمه من أجل الحياة نفسها .
 إن دولة جنوب السودان تشهد صراعا متزايدا ظاهره صراع على السلطه فى بلد حديث الولاده ، بين " سيلفا كير " رئيسها المدعوم إسرائيليا وبين نائبه " ريك مشار " وهو صراع أصبح محسوما لصالح " سيلفا كير" بعد فرار نائبه خارج البلاد ، ولكنه صراع باطنه صراع أقوى بين الدول الإستعماريه الكبرى القديمه والجديده للسيطره على موارد القاره الفريقيه الجباره .
أعتقد أن الصراع فى دولة جنوب السودان ليس خافيا على صانع القرار المصرى ، لكنه يجب أن يدرك أن دول منابع النيل أصبحت كلها تقريبا تتماهى مع السياسات الإستعماريه القديمه والجديده _ ربما إختيارا أو قسرا _ ، ناهيك عن وجود إسرائيلى متزايد فى تلك الدول سواءا عسكريا ( قواعد أو محطات تصنت ) أو إقتصاديا أو سياسيا ، الأمر الذى يجعل من عملية مقاومة سرقة أخر عضو إستراتيجى وهو جنوب السودان فى منطقه حوض النيل عمليه صعبه ، وهو ما يستلزم تحركا سريعا وواضحا وفق رؤيه إستراتيجيه سليمه تضع فى إعتبارها أن شريان الحياه هو نهر النيل وهو القلب النابض لمصر ، وأن أى تحرك يستهدف إزاحة مصر عن منابع النيل سيكون ذلك بسرقة القلب ، وعندها لن تكون هناك سرقات أخرى لأن الجسد سيكون قد مات .
إن ما يحدث فى دولة جنوب السودان مقلق ويستدعى منا مزيدا من الإهتمام قبل فوات الأوان ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...