بقلم / ياسر رافع
وكما حدث لنهر المياه الطبيعيه من ترويض الإنسان له للإستفاده منه ، حدث نفس الفعل مع نهر الحريه الذى أقيمت عليه السدود والحواجز صنعها الحكام للسيطره على شعوبهم لأطول فتره ممكنه ..
لذلك فإن إغتيال الكاتب الأردنى " ناهض حتر" هو مثال صارخ على ما وصل إليه حال نهر الحريه فى بلادنا العربيه والإسلاميه ، فمياه الحريه المشبعه بالأفكار العقلانيه وحرية الرأى المدعومه بغطاء حضارى عام جفت وأصبحت الأفكار الباليه الملطخه بطين القاع الحضارى التى يقتات عليها المتحاربين على ضفتى نهر الخلاف السياسى والثقافى هى السائده ، فى مقابل صرخات عاقله تطالب من يتحكم فى السدود على النهر فى بلادنا أن يضخوا مزيدا من المياه حتى تنظف مجرى النهر لتوفر مجالا لإنبات أفكار عصريه تناسب المستقبل وحتى تحقن دماء المتقاتلين على ضفتى النهر ومن ورائهم ملايين الناس خائفه تريد مياه النهر حتى يأنسوا ويرتووا بمياهه . ولكن من يتحكم بالسدود من المؤسسات الحاكمه السياسيه والمؤسسات الدينيه على إختلاف مشاربها لا تريد ذلك ، ربما عجزا أو ربما ليحافظوا على مكتسباتهم التى حتما ستنتقص منها مياه الحريه النقيه .
لهذا نجد دماء القتلى منثوره على مدار تاريخنا القديم والمعاصر ، دماء من أرادوا أن يزيدوا من مياه الحريه فى نهر المجتمع ، منهم من قتل على يد المغاليين والمتطرفين ومنهم من تم قتله من قبل السلطه تقربا للمتطرفين خوفا من بطشهم .
إن مسألة الحريه وحدودها طرحت فى مصر الحديثه بعدما تم الصدام الحضارى بين الشرق والغرب عقب الحمله الفرنسيه على مصر والذى جاء على خلفية جفاف شديد فى نهر الحريه والإبداع فى مصر ، الأمر الذى أوجد نوعا من تدفق لمياه ولو قليله فى نهر الأفكار والإبداع والحريه وأصبح هناك حراك ممتد يعلو بمياهه فى فترات وينحصر فى فترات أخرى محتويا لتيارات ثلاث متصارعه تتبادل الصعود والهبوط فيما بينها معلنه أن مياه النهر قابله للجريان حتى ولو بالقليل ، التيار الأول يرى أن تاريخنا وحضارتنا فيها من الكفايه لتحقيق نهضه ويجب رفض كل منتج غربى بالكامل ، فى مقابل تيار رأى أن نأخذ من الغرب كل شئ فى مقابل التخلص من الماضى كله حضاريا وثقافيا وهو الحل الأمثل للحاق بالمستقبل ، وبينهما تيارا يرى أنه يجب عدم ترك تراثنا وحضارتنا فى مقابل عدم ترك الغرب بكل ما لديه من تقدم مع الأخذ فى الإعتبار أن نأخذ من الجانبين أفضل ما فيهما وترك ما يشين .
وهكذا إستمر تدفق المياه فى نهر الحريه حتى تدخلت الحكومات وأصبحت تمالئ المؤسسات الرافضه للحريه تارة ، والجماعات المسلحه تارة أخرى ، وتركت كل من يحاول أن يفتح سدود النهر فى المواجهه ليواجه مصيره المحتوم فى صراع نهايته القتل . حتى ما إن تقع الحكومات فى مأزق الخلاف مع المؤسسات الرسميه داخل المجتمع مثل المؤسسه الدينيه الرسميه على خلفيه تمرير سياسات بعينها حتى تقوم بإستدعاء المطالبين بالحريه للدفاع عن سلوكها بدلا من فتح السدود وضخ المياه فى نهر الحريه . مثلما حدث عندما إستدعى الخديوى إسماعيل العالم الأزهرى الفذ " رفاعه رافع الطهطاوى " حتى يقف بجواره فى مواجهة المتشددين فى مؤسسة الأزهر الرسميه حتى يستطيع تمرير سياساته الإصلاحيه الراميه لجعل مصر قطعه من أوروبا فكان رد العالم الجليل أن نأى بنفسه عن ذلك الصراع لأن وظيفة المصلحين وطالبى الحريه أعلى من أن تستخدم فى صراع لن يستفيد منه إلا أحد طرفى الصراع ومزيدا من جفاف النهر وقال للخديوى " إنى رجل تجاوز السبعين عاما ولا أريد أن أنهى حياتى قتيلا أو أن يعرض بشرفى وسمعتى "
إن تاريخ الإغتيال السياسى على خلفية الصراع الثقافى والحضارى مملوء بالأسماء الشهيره والحوادث الكبرى بدءا من إعدام سقراط فى اليونان ، وإعدام هيباتيا فى مصر ، والحلاج وابن المقفع وجعد ابن جرهم فى العراق ، وحرق مكتبة الأسكندريه ، وحرق كتب ابن رشد فى الأندلس وصولا لمحاولة إغتيال نجيب محفوظ وإغتيال فرج فوده وأخيرا ناهض حتر .. القائمه طويله مغموسه فى الدماء المراقه بين أطراف ضفتى نهر جفت مياهه ، ولكن الملفت للنظر هو إشتراك عمليات القتل للمطالبين بالحريه والتغيير فى بعض العوامل التى أرى أنه يجب الإلتفات لها والتمعن فى دلالاتها . وهى أن إطارها العام هو حجم التراجع الحضارى الصارخ والمزرى فى مواجهة الثقافات والحضارات الأخرى ، ثم سيادة نمط السلطويه فى الحكم والتى تستعين بالمتطرفين من كلا الجانبين لكبح جماح الداعين للحريه الذين يطالبون بتحجيم سلطاتها ، فى مقابل تقوقع المؤسسات الدينيه والثقافيه حول ذاتها رافضة أى تغيير حفاظا على مكتسبات وهميه .
ولكن هناك أسباب تتعلق بالداعين للحريه أنفسهم وهى أنهم وفى طريقهم نحو فتح سدود النهر لضخ مياه الحريه فى المجتمع لم يراعوا أن هناك ثوابت لدى الأخر يجب مراعاتها حتى وإن تناقضت مع ما يدعون ، وأن جفاف النهر أورثهم كما أورث الدعاه على ضفة النهر المقابله ميراثا ثقيلا من الرفض والرفض المقابل الذى لن تمحوه إلا مياه الإبداع الذى يدعو إلى تقبل الأخر ، ويصبح عندها عبور أحدهما إلى الأخر يستلزم السباحه فى النهر حتى يصل إليه وتتكفل مياه النهر بتنظيف ما علق من أفكار باليه ، وعندها تضيق مساحة من يرفض النزول فى النهر والسباحة فيه وتنزوى أفكاره .
إن حرية الرأى لها ضفاف تتسع وتضيق بإتساع مجرى نهر الحريه ، يستظل عليها الناس مستمتعين بجمال المياه الرقراقه العذبه التى تضيف إلى حياتهم معنى جديدا وأملا فى المستقبل ، وأن حرية الرأى ليست مجالا للقتال ولا للقتل ولا الصراع باللسان ولا باليد ، الحريه قيمه ما إن وجدت طريقها إلى العقل ضاقت مساحة العنف بين طرفى ضفتى النهر ، الحريه تستلزم أن يعترف كلا الجانبين بالأخر وأن يتخلى كلا منهما عن تعصبه ضد الأخر واضعين فى إعتبارهم إيجاد مساحه للتقارب وجسر الهوه فيما بينهم .
إن مسئولية العنف والعنف المضاد تقع فى الأساس على الدوله ومؤسساتها الدينيه والثقافيه حيث أنها نصبت نفسها حاكمه وحاميه للسدود على نهر الحريه ولم تراعى ضخ المياه فى النهر ليزيل ما علق من افكار باليه فى المجتمع وتركت الكل فى مواجهة الكل وأصبح حديث التطرف يشمل الجميع إلا من رحم ربى _ حتى وإن إختلف معى الجميع _ الكل يمارس التطرف والإقصاء على طريقته الخاصه التى تناسب أفكاره ، الكل يبارز أوهامه قبل أن يبارز الأخر ، الكل أنهك لصالح من ؟ ومن المستفيد من وراء ذلك ؟
لا للتعصب على جانبى ضفة النهر الجاف الآسنة مياهه
لا للقتل على جانبى ضفة نهر ترتفع راياته لتعلن نصرا لا وجود له
ضفاف الحريه لا تقبل وجود شواهد قبور عليها
الحريه تحتمل الأخطاء ولا تتحمل الخطايا
الجميع فى مواجهة الجميع الكل خاسر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه