الجمعة، 24 ديسمبر 2021

طالبان .. جند الله بعد التعديل




بقلم / ياسر رافع

إن دخول طالبان للعاصمة كابول يعتبرالدخول الثانى لها للعاصمة وذلك عقب إنتصارها على القبائل والفصائل والمجاهدين العرب الذين إنتصروا على قوات الإتحاد السوفيتى والذين نفذوا الإقتحام الأشهر للعاصمه وأعدموا فيه الرئيس الموالى للسوفيت " بابراك كارمال " على قارعة الطريق وسط دماء كثيرة مراقه فى الشوارع ، وهو مالم يختلف عن الدخول الثانى كثيرا لطالبان الذين أراقوا كثيرا من الدماء ، لكن مشهد دخول العاصمة عقب الخروج الأمريكى يختلف ، فلم نشهد إراقه دماء بل دخول سلس بدون طلقات رصاص وسط ترحيب من قطاعات من الشعب الأفغانى ، وتسليم قوات الجيش الأفغانى لنفسها طواعية لقوات طالبان ، كل هذا يتواضع أمام مشهد دخول قادة طالبان للقصر الرئاسى وبالتحديد قاعة الإجتماعات حيث تراص جنود طالبان بأسلحتهم الخفيفه خلف القائد الطالبانى الذى بدأ يخاطب العالم من خلال قناة واحدة فضائية وهى قناة الجزيرة القطرية ، فى إشارات لا تخطأها العين ، حيث أن قطر هى الراعية لمحادثات السلام بين أمريكا وحركة طالبان ، وأن المجتمعين فى الدوحه يريدون أن يروا مشهدا يجعل من الإنسحاب الأمريكى ودخول طالبان للعاصمة مقدمه لسلوك طالبان فى التعامل مع العالم فيما بعد ، وهذا ما أفرزته بإحترافيه عالية جودة الصورة ، حيث تراص جنود طالبان بأسلحتهم الخفيفه خلف قائدهم الجالس ليوحى بأنهم الفصيل الوحيد القادر على حكم افغانستان ، وقد كانت بداية الحديث يسبقها تلاوة آيات من القرآن الكريم تؤكد على نصر المؤمنين وهو ما يؤكد على ما تريدة طالبان من تكوين إمارة إسلاميه ، بدا واضحا أننا أمام تنظيم مختلف هذة المره فلم يعد جنود طالبان هم الشعث الغبر الذين يوحون بأنهم قادمون من آضابيرالتاريخ ، فهم مهندمون فى لباس المحلى ، والأكثر من ذلك التأكيد على الهويه القبليه من خلال الزى المميز لكل فصيل ، وهكذا نستطيع أن نفهم المشهد بعيدا عن الصخب بأنه عملية تسليم وتسلم بلد جرت وقائعها تلفزيونيا وعلى الهواء مباشرة أمام العالم أجمع .
ما الذى حدث لحركة طالبان حتى تتغير وتكون أقل شراسة وحده ، بل وتقبل بتسلم العاصمة دون قتال بل وتحرص علي عدم إطلاق الرصاص ، بل وتتفاوض حول ذلك مع المحتل الأمريكى الذى ألحق بها الهزيمة الكبرى منذ أكثر من عشرين عاما !!
ما الذى حدث " لجند الله " كما وصفهم الكاتب المصرى الكبير " فهمى هويدى " ؟! هل يكون ذلك مقدمه لترتيبات إقليميه ودوليه ؟!
.....................................................................................
أفغانستان دوله حبيسه جغرافيا وفقيرة الموارد ، ناهيك عن حروب داخليه مستمرة منذ أكثر من أربعين عاما ، ولكن مع صعود طالبان مرة آخرى وسط التغييرات العالمية الجديدة ، سيصبح موقع آفغانستان عاملا مرجحا أو حاسما فى التوازن العالمى والإقليمى ، حيث يقلق هذا الصعود دول الجوار ، وخاصة الكبار مثل الصين وروسيا ، حيث تنظر الصين بعين القلق لما يجرى حيث أنها ترى فى صعود طالبان مصدر قلق خوفا من تأثير ذلك على مسلمى الإيجور الذين يحلمون بالإستقلال عن الصين ، ويعد صعود طالبان مصدر إلهام لهم يدعمه إتفاق مبهم بين طالبان وأمريكا لا يعرف عنه أى شئ حتى الأن ، ولكن الصين تشعر ببعض الإطمئنان لوجود حليفتها باكستان فى المشهد الفغانى وتتمتع بنفوذ واضح لدى طالبان مما قد يجعل من فتح قنوات بين الصين وطالبان آمرا ميسورا وسلسا .
أما روسيا فهى التى تعتبر أشد المتخوفين من عودة طالبان للحكم ، لأن الجوار الملاصق لأفغانستان مع جمهوريات طاجكستان وأوزبكستان وتركمنستان ، يعد جوار حرج لمنطقة تعتبر " البطن الرخوه " للسياسة الروسيه ، حيث التنوع العرقى المشترك والدين المشترك والعداء المشترك لروسيا ، وهذا يهدد التمدد الروسى سياسيا وعسكريا ، ناهيك عن أن ذلك يقوى الدور التركى فى مقابل الدور الروسى ويجعل من التمدد العسكرى الروسى فى منطقة الشرق الأوسط محل شك مستقبلا ، إنتظارا لما تسفر عنه الإوضاع فى أفغانستان .
ويختلف موقف دول الجوار الإقليمى مثل باكستان وإيران وتركيا من صعود طالبان ، حيث ترى باكستان وتركيا أن صعود طالبان سيقوى مواقفهما الإستراتيجيه تجاه أعدائهما ، حيث أن صعود طالبان يقوى التحالف الصينى الباكستانى فى مواجهة الهند ويجعل من أزمة " كشمير " جرحا داميا بإستمرار يذكر الهند بطبيعة الحركات الجهادية فيها ، أما تركيا فترى فى صعود طالبان فرصة تاريخيه لتقوية نفوذها فى منطقة القوقاز ويحد من تمدد النفوذ الروسى المنافس لها فى تلك المنطقه  . أما الخاسر الأكبر فى ظنى فهى إيران التى أعطاها التورط الأمريكى فى أفغانستان وظهور داعش فرصه تاريخيه للتمدد الإستراتيجى فى الشرق الأوسط ولكن صعود طالبان السنية حتما سيعطل بل سيعمل على إنكماش ذلك الدور إذا حدث صدام لن تمنعه تصريحات قادة طالبان عن التسامح بين مكونات الشعب الأفغانى ومنهم الهزارة الشيعه
هنا يبدوا أن " جند الله " أمامهم أوضاع إستراتيجيه جديدة يجب أن يكونوا متفهمين لطبيعتها بل وعليهم أيضا أن يحددوا أولوياتهم ومع من سيتعاملون ، لأنهم ببساطه أصبحوا مجبرين على لعب دور فى ترتيبات الأمن فى منطقة متشابكه ستؤثر حتما على الأوضاع فى الشرق الأوسط والعالم ..
...............................................................................
إن إسترتيجية أمريكا للقرن الواحد والعشرين ، والتى تقضى بإعادة إنتشار قواتها فى منطقة المحيط الهادى وافريقيا وبالتالى تخفيض أو سحب معظم القوة العسكرية من منطقة الشرق الأوسط ، ذلك أغرى قوى إقليميه ودوليه لمحاولة ملئ الفراغ الذى سينشئ عن ذلك ، مثل إيران وروسيا والصين وتركيا ، ولكن ظهور طالبان سيكون بمثابة مغناطيس قوى يشد الصين وروسيا وايران بعيدا عن ترتيبات الأمن الشرق الأوسط أو على الأقل سيهددهم بإستمرار ، وعليه تصبح طالبان والحركات الإسلامية الجهادية فى منطقة الساحل والصحراء فى أفريقيا قطبى مغناطيس إسلامى قوى يعاد إستخدامه مرة أخرى ضد التمدد الصينى والروسى وفى المقابل يعمل على إمتصاص فائض القوة الجهادية من منطقة الشرق الأوسط ، والذى سيترك لشركاء التحالف الأمريكى العربى التركى مهمة حفظ الأمن فيه بجانب إسرائيل .
....................................................................................
فى كتابة الصادر عام 2001 إبان حكم فترة طالبان الأولى ظهر كتاب للكاتب المصرى " فهمى هويدى " بعد رحلة قصيرة لأفغانستان على خلفية الوفد الذى ذهب لأفغانستان لثني طالبان عن هدم تمثال بوذا ، وصف الكاتب أنصار الحركه بـ " بجند الله " المؤمنون المتشددون الحالمون السنيون ، ووصفهم بأنهم أزهقوا الباطل ولكنهم لم يحقوا الحق ، وأنهم عندما أنهوا حربا أهليه ولكنهم لم يبنوا شيئا ذا قيمة يشرف بها الإسلام والمسلمين .
وبعد عشرين عاما عادت طالبان مرة أخرى للحكم ، ولكن تحت وقع كلمات أخرى مثل التسامح العرقى والدينى وبناء الدوله ، فهل حدث تغيير " لجند الله " أم هو تعديل تكتيكى للحيلولة دون التدخل الدولى مرة أخرى فى الشأن الأفغانى ؟ أم تعديل إستراتيجى يمهد لمرحلة جديدة للعب دور فى ترتيبات الأمن فى العالم لصالح أحد القوى العالمية ؟!
.....................................................
حتى يثبت " جند الله " من طالبان أنهم تغيروا أو حدث لهم تعديلات جوهرية فى التفكير ، فلن يبقى أمام العالم إلا الإنتظار لشهور وربما لسنوات حتى تتضح سيناريوهات ما بعد سقوط كابول فى يد طالبان

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

مقدمة كتابى .. صديقى الوهمى محاولة ما قبل السقوط النهائى

  بقلم ياسر رافع " إحنا جيل مظلوم " ، عباره سمعتها كثيرا منذ نعومة أظفارى من أجيال مختلفة الأعمار والمشارب الثقافيه والإجتماع...