السبت، 18 ديسمبر 2021

حكومة الفرخه .. بين اليقين والفشل




بقلم / ياسر رافع


قال تعالى " وإذ قال إبراهيم أرنى كيف تحي الموتى ، قال أولو تؤمن ، قال بلى ولكن ليطمئن قلبى ، قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم إجعل على كل جبل منهن جزءا ثم إدعهن يأتينك سعيا ، وأعلم أن الله عزيز حكيم " ( البقره : 260 )
هل كان نبى الله " إبراهيم " عليه السلام  شاكا فى إيمانه بربه أو أنه فشل فى إدراك  ماهية القدره الإلهيه  _حاشا لله _ ولكنه أراد أن يخرج باليقين الإيمانى إلى عين اليقين ليطمئن قلبه ، وهذا ما صارت عليه معجزات الأنبياء المؤيده لهم حيث حولت اليقين من الأنبياء إلى عين اليقين للمؤمنين فى الوقت الذى كانت فيه المعرفه الإنسانيه غير قادره وغير مدركه لحقائق الحياة الدنيا وكان عين اليقين هاديا للإنسانيه ومرشدا لها .. ومع إنتهاء زمن الأنبياء والمعجزات أصبح اليقين تسنده حقائق التراكم المعرفى الإنسانى الدينى منه والدنيوى ، وأصبح الحديث عن الفشل بعد هذا التراكم المعرفى هو محصله عمليه جهل وتجهيل متعمد للناس من أجل التحكم بهم والسيطره عليهم لأطول فتره ممكنه
وفى هذا الجو الإيمانى الفلسفى فإذا بى يتناهى إلى مسامعى صوت من أحد المساجد المجاوره  يعلن " أن هناك سيارة  تقف بجواره تبيع أجزاء دجاج ( وراك فراخ ) وعلى من يريد أن يشترى بأسعار مخفضه أن يأتى للشراء " هنا تذكرت ذلك الحيوان الضعيف ( الفرخه ) الذى أصبح هو الحل وعنوان المشكله فى مراحل ممتده طوال عشرات السنوات الماضيه ، فبعد حرب أكتوبر 1973 ودخول مصر فى مرحله جديده عنوانها الإصلاح الإقتصادى والذى لم يرى النور وتحول بفعل السياسات الخاطئه من " الإنفتاح الإقتصادى " إلى شعار شعبى " السداح مداح " وذلك بسبب إستيراد كل شئ وتحولت الدوله إلى الإستهلاك بعيدا عن الإنتاج ، وهنا ظهرت " الفرخه " كعنوان لفساد مرحله فقد أدخلت إلى البلاد شحنات فاسده منها كانت تباع للناس فى المجمعات  الإستهلاكيه على إنها سليمه ومع ذلك كان الناس يقبلون عليها لإرتفاع أسعار اللحوم .. ومع بداية حكم مبارك فقد رؤى أن التوسع فى إنشاء مزارع الدجاج الأبيض هو الحل الأمثل للقضاء على الفجوه فى البروتين الحيوانى وقد نجحت تلك الفكره حتى أصبح هناك فائض عن الإستهلاك وأصبح تناول ( الفرخه ) بكل محتوياتها هو ملك المواطن الذى أصبح فى إمكانه شراؤها مع بدايه الإنفراجه الإقتصاديه فى تسعينيات القرن الماضى ، ولكن وبعد عشر سنوات وقرب نهاية حكم مبارك فقد بدا أن هناك تعثر واضح فى الإقتصاد وأن معدلات البطاله والفقر قد بدأت فى الإزدياد هنا أصبح إقتناء فرخه بالكامل ولعد أيام فى الشهر الواحد هو محل شك ، وظهر فى الأسواق الشعبيه من يبيع الفرخه كأجزاء ( وراك _ كبد وقوانص _ أجنحه ) وصولا لبيع ( أرجل الفراخ  وهياكلها ) _ والتى كانت وجبة الكلاب سابقا _ للتحايل على عدم القدره المواطنين على الشراء ..

ومع إندلاع ثورة 25 يناير وما أعقبها من 30 يونيو وإلى الأن فيبدوا أن الحكومات المتعاقبه لم تستطع السيطره على الأسعار و نسب التضخم العاليه ، وهو ما أوجد طبقه من الفاسدين الذين رأوا أن الساحه خاليه وتاجروا فى اللحوم الفاسده وصولا لأكل لحوم حيوانات كالحمير والكلاب فى ظل أزمه إقتصاديه كبيره تحاول الحكومه الحاليه السيطره عليها وصولا للخروج منها ، وهنا ظهرت الفرخه مرة أخرى كحل يبدوا مألوفا لسابقاتها من الحكومات منذ الإنفتاح الإقتصادى فأرادت أن تضرب عصفورين بحجر واحد ، وهو أن تحاول القضاء على البطاله التى زادت معدلاتها كثيرا بعد الثوره وفى المقابل جسر الهوه فى البروتين الحيوانى الناشئه عن الإرتفاع الجنونى فى أسعار اللحوم الحمراء وكذلك إرتفاع أسعار الفراخ الحيه ، وذلك بعمل مشروع سيارات متنقله للشباب لبيع منتجات بروتينيه حيوانيه رخيصه للمواطنين بعيدا عن جشع التجار ، وهكذا أصبح من المألوف ان تجد سياره فى كل مكان فى المدن والقرى يبيعون أجزاء الفراخ ( وراك _ كبد وقوانص _ أجنحه _ فيليه ) وكأن الحكومه تستدعى مشهدا إعجازيا ووزعت كل أجزاء الطير على كل الكتل السكانيه  لعلها ترجع إليها بعين اليقين أن سياساتها الإقتصاديه سليمه وتسير فى الإتجاه السليم ، ولكن الفشل تلو الأخر جعل حلم إكتمال الطير وعودته مكتملا على مائدة المواطن الغلبان من المستحيلات على الأقل فى المدى المنظور ..
إن السياسات الحكوميه يجب أن تبتعد عن إجترار السياسات السابقه وأن تكون قادره وفاعله على إبتكار حلول جديده فزمن المعجزات ولى وحل محله زمن المعرفه وتحول عين اليقين الإعجازى إلى معرفه إنسانيه وتجارب يؤخذ منها ما يتسق مع ما نمر به من أزمات ، وليس هناك مجال للتجريب وحلول المسكنات ، وإن الإرتكان إلى الحلول الإستهلاكيه كمسكن للناس حتى لا تغضب هو فشل ذريع يجب تداركه قبل أن يأتى الطوفان .
إن الحكومه إذا إستمرت على هذا المنوال من السياسات القائمه على حل المشكلات عن طريق التحايل عليها دون وضع إستراتيجيه واضحة المعالم تضع مصرعلى طريق المستقبل فعليها أن ترحل فورا لأنه يبدوا أن مؤسسة الرئاسه تتكلم فى واد وهى فى وادا أخر .. وعليها أن تدرك أن سياسة المسكنات لن تنشأ يقينا بل ستنتج فشلا ذريعا سيطال المجتمع ككل الذى ينتظر أن تأتى إليه ( الفرخه ) سعيا إلى مائدته مع سياسه إقتصاديه متكامله تقضى على بطالته وتوفر له المال الذى تجعله يذهب ليلملم أجزاءها المبعثره ، وإلا فإن عليها أن ترحل وتفسح المجال لغيرها ، مصر لا تحتمل تجارب أكثر من ذلك وكفايه أننا كنا نحلم بأن يتحول الدولار كجزء من الجنيه فإذا بسببكم قد تحول إلى طائر عملاق يقتات ما تبقى من يقين سياستكم الفاشله


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...