السبت، 18 ديسمبر 2021

ميكيافيلى وفقه الضرورة




بقلم / ياسر رافع

قال تعالى " وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر إسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما أضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين " ( الانعام / 119 )
هكذا دلل الفقهاء القدامى من ضمن أدله قرأنيه أخرى على وجود ما يعرف " بفقه الضروره " وقد طرحه فريقا كأصل من أصول الفقه والتشريع تحت دعاوى كثيره ، وفريق أخر رأى أنه ليس أصلا من أصول الفقه إلا إذا وضعت ضوابط وتشريعات تمنع الترخص والتساهل فى المسائل الشرعيه الواضحه ، ولكن كلا الفريقين يجمعهما " داعى المصلحه العليا " للدين والناس من أجل البحث عن حلول لمسائل لم يتعرض لها الشرع نصا وذلك تيسيرا على الناس حكاما ومحكومين ..
أن " فقه الضروره " مع علمنا بأنه علم إسلامى " إسما " إلا أنه سلوك ممتد من قديم الأزل وجد من يبرره قديما وحديثا تحت مسمى " داعى المصلحه العليا " وهى ما عرفها المؤرخ الفرنسى " ج . بوتيرو "
بأنها " معرفة الوسائل الكفيله بتأسيس هكذا سيطره وسياده والمحافظه عليها وتوسيعها "  ..
ولكن الباحث الفرنسى " ميشيل سينيلار " فى كتابه الرائع ( الماكيافيليه وداعى االمصلحه العليا ) يأخذنا إلى منطقة الخطر حيث يطوف بنا من خلال كتابه القصير نسبيا الفلسفى الطابع فى تفسير " داعى المصلحه العليا " من وجهة نظر كتاب الأمير لميكيافيلى حيث يطرح إشكالية ماهيتها ومن المنوط به تنفيذها ، وهو مع ذلك لم يتركنا للتكهنات حول ما جاء فى فكر ميكيافيلى حيث عرفها " بأنها الأمر الذى تجيز بموجبه السلطه لنفسها إنتهاك القانون لأجل المصلحه العامه " ولكنه وضع شروطا ثلاثه لتحقيقها وهى مقياس الضروره ، وتبرير الوسائل بهدف أسمى، وإقتضاء السريه ، وذلك للجم السلطه ومنع تغولها على طريقه ميكيافيلى " الغايه تبرر الوسيله" ، ومن أجل وضع أسس جديده فى مجتمع ديموقراطى تكون السلطه مشاركه جماعيه وليست حكرا على الأمير أو الرئيس وحتى لا يتم التضحيه بالثوابت المجتمعيه بداعى " فقه الضروره " و " داعى المصلحه العليا "
ومع الإنتهاء من قراءة هذا الكتاب الممتع فإذا الأخبار المتواليه عن الأزمه الإقتصاديه تطالعنى بخبر يقول " مصادر فى البنك الدولى نصحت طارق عامر محافظ البنك المركزى بطلب إستشارة الدكتور بطرس بطرس غالى وزير الماليه الأسبق المفوض رسميا من المؤسسات الدوليه حاليا لإدارة خطة خروج اليونان من دوام الإفلاس ، وكذلك الدكتور محمود محي الدين القيادى الحالى بالبنك الدولى ووزير الإستثمار الأسبق " . فأصابنى هذا الخبر بالحيره والغضب ، حيره نابعه من عدم يقينى من قدرة الحكومه على إدارة الملف الإقتصادى ، والغضب من أن ثوره 25 يناير قد فشلت فيما قامت من أجله و إيجاد مسار يحقق العيش والعداله الإجتماعيه ..
ولكن  فقه الضروره  بمقولته " الضرورات تبيح المحظورات " ، وداعى المصلحه العليا بمكيافيليته " الغايه تبرر الوسيله " ، طرحا تساؤلات عده لم أجد منها مفرا ، إذا كان الفشل حليف ثورة 25 يناير وموجتها الثانيه فى 30 يونيو وحصرت نتائجهما فقط فى الإطاحه برئيسين وكأن الشعب كان لديه مشكله شخصيه معهما فما هو الحل ؟ وإذا كان الشعب غير راغب فى التعاطى السياسى مع قضاياه بسبب تجربه أليمه إستمرت 5 سنوات أورثته الوهن والفقر وأن السياسات الإقتصاديه التى ثار عليها ما زالت مستمره ، إذا ما هو الحل ؟
 فريق من رجال الأعمال يرفض التعاطى مع مستجدات ما بعد 25 يناير وما تلاها حيث رأى أن السياسات الإقتصاديه مناسبه لهم ولكنها تدابيرها الجديده تنقص من مميزاتهم التى أخذوها فى عهد مبارك لصالح الجناح الإقتصادى للمؤسسه العسكريه  مما جعلهم يقفون حجر عثره أمام الإقتصاد ، إذا فما هو الحل ؟
حكومه غير محترفه بدا واضحا أنها تنفذ سياسات تملى عليها وليس لها خطا إستراتيجيا واضح المعالم  للخروج من الأزمه الإقتصاديه  فما بالك بالإنطلاق للأمام ، إذا فما هو الحل ؟
لم أجد إجابات تقنعنى شخصيا للرد على تلك التساؤلات ، ولكنها بالطبع ستنكأ جراحا يراها الجميع لم تندمل بعد ، خصوصا وأننا أمام أجنحه واضحه تتعارض مصالحها ( المؤسسه العسكريه _ رجال مبارك _ الإخوان ) والنتيجه المباشره لذلك وضع إقتصادى صعب ، ولكنى أعتقد أن " فقه الضروره " و " داعى المصلحه العليا " لديهما الإجابه بضوابطهما التى تراعى الدين ومصالح الناس دون المساس بالثوابت .
فهل يعى الجميع اننا فى هذه المرحله بالذات ومن باب أخذ هدنه من أجل المواطن الغلبان ،فهل يجب أن نستجيب لداعيى " الضروره والمصلحه العليا " ونترك الخلافات جانبا ونتعاون سويا ، الشعب تعب ولم " يجد من يحنوا عليه" . الكفاءات البشريه موجوده ولكنها مكبله فى إطار النزاع السياسى العقيم ، ومحتاجه إلى فقه ضروره بداعى المصلحه العليا حتى تشارك فى الإصلاح ..
صدقونى
_ وعلى الرغم من قناعاتى السياسيه _ إلآ إن مقاربه  بين فقه الضروره ، ومكيافيليه داعى المصلحه العليا مهم جدا فى هذه المرحله .. مصر تحتضر تريد أكثر من ذلك من حكام ومحكومين ولكن بلا تفريط فى حقوق من ضحى ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...