الثلاثاء، 21 ديسمبر 2021

رحلة الدم .. رؤيه شخصيه للتاريخ


 

بقلم / ياسر رافع

مقدمه لا بد منها :.
لا زلت أؤمن بأن الروايه العربيه تنقسم إلى نوعين لا ثالث لهما _ من وجهة نظرى _ نوع يثرى الفكر ويثير فى النفس روح التحدى للإشتباك معه ومن ثم الوصول لمرحلة الإستمتاع العقلى ، ونوع لا يعدو كونه مجرد أوراق مطبوعه لا تعدو كونها مجفف لروح الإبداع تجعل النفس تعانى جفافا فكريا عميقا ، وهذا الجفاف الفكرى غير مغرى بالإشتباك معه فى معركه فكريه على الرغم من أعداده التى لا تعد ولا تحصى .. ومما لا شك فيه أن المكتبه العربيه وخاصة المصريه تعانى بشده من سيطرة مجففات الفكر والإبداع وخاصة منذ نهاية الربع الأخير من القرن العشرين والمستمر معنا وقد قاربنا على نهاية الربع الأول من القرن الواحد والعشرين .. ولذلك تبقى الروايات الإبداعيه كوميض ضوء وسط ظلام دامس يغطى كامل المساحه الفكريه العربيه والمصريه التى سيطرت عليها العقليه الصحراويه فى التفكير ....
و رواية " رحلة الدم " للكاتب الصحفى " إبراهيم عيسى " هى من ذاك النوع الإبداعى الذى يثرى الفكر ويثير مواطن الشغب داخل العقل المحفزه للإشتباك مع الكاتب وروايته ، خصوصا وأن تلك الروايه تعتمد على منطق لم تألفه العقليه المصريه الحاليه والتى ولدت فى سبعينيات القرن العشرين وما تلاها والتى ولدت وترعرت فى ظل تنامى التأثير الصحراوى على الثقافه المصريه ، وهى تعتمد على قراءه للتاريخ من وجهة نظر أدبيه ، أو ما نستطيع أن نطلق عليه تحويل النص التاريخى إلى نص أدبى وهو عمل مرهق يتطلب ثقافه عاليه ومقدره كبيره على " الحكى " بأسلوب سلس وممتع وهو ما يتمتع وتفرد به كاتب الروايه .

وبغض النظر عما يحويه هذا النص الأدبى من عناصر تشويق وإثاره ، إلا أنه لا بد من الإشتباك معه لأن رؤية الكاتب الشخصيه لتاريخ العنف رؤيه مجتزأه ومحدده بشده لفتره تاريخيه بعينها وهو ما جعل من الروايه نص يغرى بالإشتباك وربما يصبح كاتبها هدفا لنيران إشتباك من نوع آخر مع اصحاب " الفكر التجفيفى " ..
تمهيد :.
الروايه تقع فى حوالى 708 صفحه من القطع المتوسط ، وهى رواية بالقطع كبيره خصوصا على عقليه جمعيه ألفت عدم القراءه لهذا النوع من الروايات الكبير نسبيا وربما البسيط منها وسط تراكم ركام من التراجع الفكرى والثقافى الذى يلغف المشهد العام للحياه الثقافيه المصريه ..
الغلاف :.
من الأمثله الشعبيه الشائعه فى مصر مثل " يعرف الجواب من عنوانه " للدلاله على أن الصياغه الجيده والتعبيرات والدلالات المباشره  والصور المعبره لها قدره على إيصال المعنى قبل أن تدخل لمتن الخطاب أو النص ، وهو ما فعلته صورة غلاف الروايه ." سيف مغروس فى الأرض مغطى باللون الأحمر القانى يتصدر الصوره مع خلفيه لمبانى حضاريه شاهقه مع عنوان كبير " رحلة الدم " تحته عنوان أصغر توضيحى بعنوان " القتله الأوائل " ، وكأن الكاتب يخبرنا بأن جذور الإرهاب والتطرف ما هى إلا بذور ولبنات ملاصقه تنشأ منذ البدايات الأولى لنشوء أى حضاره ويصبح الحكم على قدرتها على النمو أو الضمور هو قدرة البناء الحضارى على إستيعاب الإختلافات وصولا لمرحلة الإبداع التى تجعل من التطرف كــ " فيروس " حاصرة الدواء وجعله خاملا لفترات طويله ، ولا يستطيع هذا " الفيروس " أن ينشط إلا عندما يعتل الجسد الحضارى وتخبو روح الإبداع . والكاتب موفق إلى درجه كبيره فى إختيار الصوره خصوصا وأنه إختار البدايات الأولى للحضاره الإسلاميه بالتوازى مع بروز مظاهر التطرف والشقاق مع مقتل الإمام " على بن ابى طالب " فيما عرف بفترة " الفتنه الكبرى " والتى نشأ بعدها بناء حضارى شامخ بداخله بذور تطرف طال البناء نفسه قبل أن يطول غيره ..
متن الروايه :.

قبل الدخول لصلب الروايه ينبهنا الكاتب إلى أن " جميع شخصيات هذه الروايه حقيقيه ، وكل أحداثها تستند على وقائع وردت فى المراجع التاريخيه " ثم عدد تلك المراجع بمسمياتها ..
الروايه تبدا بمشهد درامى دموى وهو مشهد مقتل الإمام على بن أبى طالب على يد قاتله " عبد الرحمن بن ملجم " وسط صيحات البشر المتجمعين " لقد قتل أمير المؤمنين ! هذا اللعين قتل على بن أبى طالب "
ومن هذا المشهد الدرامى المتصاعد وصولا لمشهد دموى فاجع غير مجرى التاريخ الحضارى الإسلامى نرى الكاتب وقد رجع فجأة إلى " عشرين سنه ماضيه " لمحاولة فهم من أين نشأ هذا التطرف خصوصا مع البدايات الرائعه الربانيه للدين الإسلامى والذى لا يمت لهذا التطرف بصله ..
وقد رحل الكاتب إلى الخلف مع البدايات الأولى لظهور " عبدالرحمن بن ملجم " من أوائل المتطرفين فى الحضاره الإسلاميه والذى كان مولى للصحابى الجليل " معاذ بن جبل " إمام العلماء _المبعوث من قبل الرسول (ص)  لليمن لتعليم الناس أمور دينهم الجديد ، ومتولى اليمن بعد ذلك من قبل خليفته أبو بكر الصديق _ أى أنه آمن بالرساله المحمديه ولم يرى النبى أو يصاحبه ولم يدخل المدينه إلا بصحبه وليه معاذ بن جبل فى فتره حكم الخليفه " عمر بن الخطاب " وبعد أن أعتقه معاذ بن جبل نتيجة خلاف بين الخليفه عمر ومعاذ على خلفيه سياسة الإمام العادل " من اين لك هذا ؟ " الشهيره .. ولسبب ذكره الكاتب فى الروايه ظهر " إبن ملجم " فى مصر مبعوثا من قبل الخليفه لجيش " عمرو بن العاص " فى مصر " ليعلم الجنود دينهم وليتلو عليهم القرأن ويحفظه لهم " مع توصيه ببناء بيت له بجوار الجامع الذى سيبنى للمسلمين فى مصر حتى يسعى له الناس ويسمعوا منه ويتعلموا القرآن "
ومع تصاعد أحداث الروايه بشخوصها وأحداثها التى تصف فتح مصر من قبل عمرو بن العاص بمساعده سلبيه _ عدم الإشتراك فى الحرب نكاية فى الروم _ من " أقباط مصر " معتنقى المسيحيه على مذهب مخالف لمذهب المحتل الرومانى الذى سلبهم الأرض وجعلهم عبيدا فى أرضهم والذى لم يكتفى بهذا فقط بل أراد فرض مذهبه " الخلقيدونى " فى الإعتقاد المسيحى عليهم تحت ذريعة توحيد الإعتقاد المسيحى فى الإمبراطوريه الرومانيه وهو ما قوبل برفض كنسى وشعبى سرعان ما تحول إلى إضطهاد الرومان للمصريين إضطهادا شديدا مما جعل البطريرك " بنيامين " كبير القبط ورأس كنيسة الأسكندريه يفر ويهرب من هذا الإضطهاد إلى فيافى الصحراء متنقلا بين دروبها . ومع إكتمال الفتح يظهر " ابن ملجم " ظهورا متقطعا فى الروايه ولكنه يشى عن عقليه متحجره نصوصيه لها فهوم و آراء غريبه فى وقتها مثل سؤاله لــ " مسلمه بن مخلد " الصحابى الجليل : لقد تابعتك مع صحبك منذ جئتم ، ولم أعرف لماذا عدكم ابن الخطاب واحدكم بألف ، فهل تحنو على أخيك بالإجابه ؟ ثم أضاف : أين التسعمائه والتسعه والتسعون رجلا الآخرون فيكم ؟ " وهو ما إستدعى ضحك مسلمه بن مخلد وتركه ومشى "  
تبرمه وشكايته الدائمه من أن أحدا لا يريد أن يتعلم القرأن أو يسمعه وهو ما رد به عليه الصحابى الجليل " عبد الرحمن بن عديس " قائلا : كل واحد هنا يؤدى دوره ، القرآن الذى تملك حفظه فى قلبك لا يملك أن يرفع سيفا ليقاتل والسيف الذى يمتلكه غيرك لا يقدر على تلاوة سوره ، أتل أنت ويحاربون هم "
مفهومه للصحابه نتيجة لملازمته " معاذ بن جبل " يصل إلى مرتبه القداسه وذلك عندما يقول : ومن يصح إن لم يصح الصحابه ؟ فيرد عليه من أحد الصحابه " يصح الصحيح صاحبا كان أو مصحوبا "
رفضه مولاه الأقباط لأنه لا يصح التحالف مع الكافرين فى الحرب
أذانه فى داخل كنيسة الأسكندريه بعد فتحها ووسط الإحتفال برجوع البطريرك " بنيامين " إلى الكنيسه وسط ذهول الحاضرين الذين لم يكونوا يعلموا من اللغه العربيه شئ وهو ما لفت إنتباهه إليه " صالح القبطى " المسلم الذى منعه من الصلاه بعد أن أكمل الأذان لأن هذا ما فعله الخليفه عمر بن الخطاب فى كنيسه القيامه فى الشام
تشبثه بمصحفه الذى قرأه عن معاذ بن جبل وبالقراءات الخاصه به وهو ما سبب له مشاكل ومشادات بسبب تشبثه بما حفظه فقط ، وهو ما كانت صدمته عظيمه عندما أنتزعه منه رجال والى مصر الجديد عبدالله بن ابى السرح بعد رحيل عمرو بن العاص ، وحرقهم لنسخته من القرآن بأمر من الخليفه عثمان بن عفان الذى أمر بجمع القرأن وحرق كل النسخ المخالفه لهذا الجمع .
كل هذا يرصده الكاتب وسط تصاعد روح الثوره فى مصر على حكم الخليفه عثمان بن عفان على يد محمد ابن أبى حذيفه ومحمد إبن ابى بكر وبمساعدة صحابه كبار لم يخرجوا من مصر وعاصمتها الفسطاط منذ وطأت أقدامهم مصر ، و مع تصاعد الأحداث وسخونتها نتيجة الأسباب التى عددها الثائرون للثوره على الخليفه والتى كان العامل الأبرز فيها هو محاباته لأقاربه وإستئثارهم بالمناصب والأموال دون غيرهم ، وصلت الأحداث إلى مستواها الأعلى بان قام الثائرون بقيادة محمد إبن أبى حذيفه بخلع إبن ابى السرح وتولى الولايه ، هذا فى الوقت الذى إنتقلت أحداث الروايه إلى " المدينه " عاصمة الخلافه مع ذهاب جموع من الثائرين  بجموع أطلق عليها الكاتب لقب " المصريون " _ربما تمييزا لهم عن وفود وفدت الى المدينه من ولايات اخرى كالكوفه مثلا لنفس الغرض لأن قادة الثوار العرب وأحداث الروايه لا تشى بأن الثائرين مصريون أقباط بالأساس لأنهم بعد لم يدخلوا الإسلام بأعداد تسمح لهم بالثوره ولا تغير لسانهم إلى العربيه _ لعرض مطالبهم ولو بقوة السيف وعلى الرغم من إنتقالات الكاتب بين مدينة الخلافه وبين الفسطاط عاصمة مصرأنذاك كثيرا لربط الأحداث لإظهار مدى إتساع هوة الخلاف بين الخليفه عثمان وبين منتقديه وتلاقي بين ثوار الفسطاط والمدينه فى الأفكار ( تكفير الخليفه عثمان ) والمطالب ( عزل الخليفه وأقاربه من الولاه ) ، كل هذا وإبن ملجم مشارك ومنتقل إلى المدينه للتخلص من الخليفه الكافر والتى تلاقت دعاوى التكفير مع عقليته الجامده ..
 وعلى الرغم من محاولة الكاتب إيجاد نوع من " التأوهات والغنج والشخير والنخير " فى لقاءات جنسيه بين " حبى " وزوجها " عبيد " _ربما لتخفيف حدة الأحداث وإعطاء الروايه بعدا تشويقيا آخر وأنا أرى أنه لم يكن موفقا فيها لأنها لم تكن مؤثره فى سير الأحداث مثل وضع رقصه فى فيلم لم تكن بالأساس فيه _

إلا أن هذا لم يخفف من حدة التأثير المتصاعد للأحداث ومقتل الخليفه عثمان وتمزيق جثته بعد أن إنسد أفق الحوار بينه وبين الثائرين بسبب تعنت " مروان بن الحكم " الذى بسببه ثارت ثائره الثائرين على الخليفه ، ووسط هذا التصاعد فى الأحداث الدراميه ومقتل الخليفه الذين عده الثورا كافرا ويجب خلعه ومن ضمنهم ابن ملجم، وتم الإجماع بين الثائرين على إختيار الإمام على بن أبى طالب خليفه جديد ، وكما بدأ الكاتب الروايه بمشهد قتل أراد أن ينهيها بمشهد تنبأى بتعابير وجه الإمام "على " عندما يقوم بالسلام على جموع مهنئيه بالخلافه ومن ضمنهم ابن ملجم وكأنه يستشرف زمن جديد :
 " ابن ملجم : يا أمير المؤمنين إرم بنا حيث شئت لترى منا ما يسرك
التفت الجميع الى ابن ملجم وقد تقدمهم أخيرا ليقف أمام على ، وقد إندفع ليلمس كف الإمام  فيبايعه لكن يد على بعدت ، رجعت ، جفلت ، وانسحبت وانقبضت وارتدت إلى صدره فضربت صدمة المفاجأة قلب ابن ملجم الذى اضطرب حماسة فزاد اندفاعه نحو على ليطبق على يديه . رفع ابن ابى طالب عينيه نحوه فرأى ابن ملجم هذه النظره من على ، هل رآها غيره ؟ هل لاحظها غيرهم ؟ هل فهمها واحد منهم ؟ هل سمعوا ما سمعه على أم إنه تخيله أو توهمه ؟  أكان على وقد رماه بهذه النظره التى فلقته يردد ويتمتم ويدمدم : إنا لله وإنا إليه راجعون ... "
الخاتمه :.
الروايه بها إشكاليه أساسيه وهى تشبث الكاتب برؤيته الشخصيه للتاريخ وإجتزاء فتره الفتنه الكبرى فى الحاله المصريه والتركيز عليها ، وأعتقد أن لهذا سبب أراده الكاتب وهو كبر حجم الخراج المصرى وبالتالى الأهميه النسبيه للثائرين على الخليفه ، ولكن هناك سبب خفى أراده الكاتب ولم يعبر عنه وإن أورده بطريقه جديده عندما كتب فى أخر سطور الروايه " أبريل 2013_مارس2016 " ربما لتفادى الصدام مع أفكار وشخوص بعينهم ، حيث أن تلك الفتره التى كتبت فيها الروايه ممتده من قبل سقوط حكم الإخوان المسلمين بثلاث اشهر مرورا بأحداث 30/يونيو وتولى عدلى منصور الحكم الانتقالى ثم الرئيس الحالى" عبدالفتاح السيسى " وهو سبب نجده مبعثرا بين ثنايا الروايه ، مثل التركيز على أن الأقباط ليس بينهم تطرفا وأن التطرف نابع من أفكار وارده من الخارج ، وهو بذلك يعطينا إحساسا جازما بأن تلك الروايه كتبت ثم أعيد ترتيبها وصياغتها أكثر من مره لتماشى واقع ما بعد أحداث 30/ يونيو 2013 .. ولكن تبقى الروايه كبناء متكامل تستحق القراءه أكثر من مره ، وأترك مساحة الإتفاق والخلاف لغيرى فالروايه حبلى بالإشكاليات خصوصا مع أصحاب الفكر الذى تستهدفه الروايه ..

عذرا للإطاله فالروايه كبيره جدا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...