الثلاثاء، 21 ديسمبر 2021

شاحنة تيران وصنافير


 


بقلم / ياسر رافع

سوء الظن وسوء التقدير الناتج عن تصورات وتجارب تاريخيه فى ظروف معينه ، هو ما يدفع الدول فى وقت من الأوقات إلى الإرتكان إلى فكرة أن ما جرب سابقا فإنه قابل للتكرار وبنفس الوسائل ، وهنا تمكن المخاطره التى قد تدفع بالدول إلى مهاوى وتداعيات كبيره حال الفشل فى تكرار ما جرب سابقا ويدفعها بالضروره غصبا عنها إلى التعاون مع الواقع الجديد مكرهة .. وهذا هو ما يذكرنا بالقياده الأمريكيه فى تعاملها مع الثوره الإيرانيه فى العام 1979 والتى فى واقع الأمر لم تفاجئ بها نظرا لتدهور شعبية " الشاه " ولكن ما فوجئت به هو سوء تقدير أجهزتها الأمنيه والمخابرات المركزيه عن مدى تردى الأوضاع وبنت حساباتها على تصورات قديمه تذكرها بذكرى الإنقلاب على " مصدق " والتى جعلها أسيرة أن كل شئ قابل للتكرار خصوصا وأنه قد جرب سابقا ، ولكنها تناست ان الأوضاع الدوليه والداخليه فى إيران قد تغيرت وأنه قد آن الأوان لتغيير قواعد اللعبه .. وأصبح وصف وكالة المخابرات المركزيه مثل " كلب كبير صدمتة شاحنه فى الطريق " دليلا على سوء التقدير الذى أصاب القياده الأمريكيه بالعمى ومن ثم السقوط والخروج المهين من إيران ..
ويبدوا أننا على موعد أخر وقصه تكاد تكون متشابهه فى الإطار العام وتباين فى التفاصيل لكن تبقى النتائج واحده وتداعياتها ربما تصل إلى نفس الطريق .. فالعلاقات المصريه السعوديه هى علاقات تاريخيه منذ نشأت الدوله السعوديه والتى ظلت تتأرجح صعودا وهبوطا فى البدايات وحتى نهاية عصر الرئيس عبدالناصر ، ولكنها أخذت منحى تصاعدى وإلى مستويات من التعاون فاقت حد التلاصق ، وذلك منذ عصر الرئيس السادات وما تلاه نظام الرئيس مبارك  والذى طال فيه التعاون بينهما كافة المجالات والمساحات سواء العربيه أو الغير عربيه ، ولكن مع إنفجار الربيع العربى والذى تفاجأت به السعوديه وما تلاه من صعود تيار الإسلام السياسى والذى رأته زلزالا سيقوض ليس فقط نفوذها بل وربما سيقوض أركان مملكتها أيضا وربما يفتتها ، ومع تدهور الأوضاع السياسيه فى مصر بعد تولى الإخوان حكم مصر والذى بمقتضاه تلاقت المؤسسه العسكريه والشعب على الخروج على حكم الإخوان ، فإن السعوديه رأت فى هذا المنحى الجديد إستعاده لنفوذ قديم تراه يتجدد مرة أخرى بعدما ظنته قد مات ولن يعود ، لذلك فإنها رأت نفسها مدفوعه بالمال والمسانده السياسيه للنظام الجديد حتى يستقر ظنا منها أن إستعادة الأوضاع القديمه منذ السادات ستكون هى الحاكمه بل تعطيها اليد الطولى على كامل القرار المصرى تحت دعاوى فقر الدوله المصريه ومحنتها الإقتصاديه الطاحنه والتى تفاقمت بسبب الثوره .. وواكب كل هذا تولية الملك " سلمان " حكم المملكه بعد وفاه الملك " عبدالله " وكان اللافت صعود تيار جديد فى المملكه من الشباب مثل ولى العهد ، وولى ولى العهد وزير الدفاع ابن الملك نفسه ، ولكن هذا لم يكن إلا تغييرا فى الشخوص وليس الأفكار فقد إستمر هذا التيار فى نفس طريق الأباء والذين ظنوا فى مصر تابعا يؤمر فيطاع وهو نوع من الأوهام لم يأخذ فى حسبانه التطورات الكبيره الحادثه فى العالم ، وتصوروا أن القاهره لم تتغير وسط هذه التطورات وهو ما دفع الدولتين إلى خطوط التقاطع فى المصالح والتى اعطت فيها المملكه نفسها الحق الأعلى بالتصرف وعلى القاهره الإنصياع ، فيما رأت القاهره أن على الرياض أن تتعلم من دروس التحولات الكبرى فى المنطقه وأن ما جرب سابقا اصبح من الصعب تكراره ، وهذا لم يعجب الرياض وبدأت فى معاقبة القاهره على مواقفها فى اليمن وسوريا والتى تتعارض مع مصالحها ، تارة بوقف المساعدات والإمدادات البتروليه وكذلك التلويح بوقف تمويل مشتريات السلاح للقاهره ، وليس هذا فقط بل ومطالبة القاهره بالإلتزام بما تعهدت به من التنازل عن جزيرتى تيران وصنافير فى إطار توقيع معاهده ترسيم حدود بينهما  وذلك فى أوج شهر عسل العلاقات بينهما والتى تعتبرها الرياض وولى ولى عهدها بوابه العبور لجنه تل أبيب .
وكما أساءت المملكه التقدير أساء النظام السياسى المصرى ( ربما تقيه ) رد الفعل الشعبى للشارع المصرى الذى وقف فى وجه الإتفاقيه وتحولت القضيه إلى تيار جارف تخيل فى فتره ما من مراحل عرض القضيه على التقاضى أن النظام السياسى المصرى سيسقط تحت هدير الماء المندفع من شواطئ الجزيرتين ، وأمتد تداول القضيه فى المحاكم إلى ثمانية أشهر ومع بحث القاهره عن مصادر أخرى للبترول من العراق وليبيا والكويت بعيدا عن تهديد الرياض وهو ما أعطى للقضيه زخما أكبر يحمل قدرا كبيرا من الكراهيه الشعبيه للقياده السعوديه وولى ولى عهدها الجديد ، وأصبحت جزيرتى تيران وصنافير مثل " شاحنه كبيره صدمت طموحات القياده السعوديه الجديده على طريق العلاقات المصريه السعوديه المتجدده " والتى لم تدرك معها الرياض أن ما جرب سابقا فى القاهره والمنطقه ليس قابلا للتكرار مرة أخرى بنفس الوسائل ، المنطقه كلها تتغير ويجب أن تتعامل المملكه مرغمه مع الواقع الجديد للمنطقه ..
تتمة القول .. أرجوا أن تبتعد الشاحنه عن طريق الإستقرار فى مصر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...