بقلم / ياسر رافع
البرلمان هو الذى يمثل طوائف الشعب ، وهو الذى تدار فيه الحوارات والنقاشات بين أعضاؤه الممثلين للشعب وبين السلطه من أجل الوصول لما فيه صالح الشعب ، وهو بذلك يمارس ثلاث صلاحيات مهمه وهى التشريع والرقابه على أعمال الحكومه وتمثيل الشعب أمام الحكومه . ويعتبر أداه مهمه لتطور الأداء السياسى من خلال وجود كتل معارضه فى مواجهة كتل مؤيده ، لإثراء الحياه الحزبيه ومنع الكتل المهيمنه من السيطره الكامله على مقدرات الشعب ، وتصويب الاداء ومنع الإتجاه إلى نمط النظام ذو الصوت الواحد .
وقد كان الملك " لويس السادس عشر " فى فرنسا أول من طبق فى مجلس النواب مفهوم تمثيل " الطبقات الثلاث " عندما جلس فى الوسط و جلس على يساره الليبراليون والممثلون لطبقة العامه ، وجلس على يمينه طبقة النبلاء ورجال الدين ، فى محاوله للتحايل على أوضاع ثوره بدأت تباشيرها فى الأفق ، ولكن تعنت النبلاء ورجال الدين ضد طبقة العامه عجل بقيام الثوره الفرنسيه ، وإيذانا ببدأ عصر جديد فى التطور البرلمانى يقوم على تمثيل الشعب من منطلق سياسى وليس طبقى ، وظهور مصطلح اليسار للتدليل على حركه إصلاحيه وليده . وهكذا ولدت الجمعيه الفرنسيه " البرلمان " وأصبح من يجلس على اليمين هو من يناصر السياسات الحكوميه ممثلا للمال والسلطه ، واليسار ممثلا لسياسات العامه
وفى بدايات النظام البرلمانى فى مصر فى أواخر القرن التاسع عشر ، على يد الخديوى " إسماعيل " الذى أراد أن يجعل من مصر قطعه من أوروبا ، فأرسل أمرا إلى وزيره " راغب " باشا يبلغه " رغبته فى إنشاء مجلس شورى النواب منتخب من الأهالى لما له من منافع للناس ". وقد كان له ما أراد وفى يوم 26 نوفمبر 1866 عقد مجلس النواب أول جلساته بعدد قوامه 75 عضوا منتخبا ، ولكن ما أن دخل النواب الجدد قاعة المجلس وطبقا لما هو مقرر سابقا وطبقا للنظم البرلمانيه أنذاك ، فكان يجب على النواب أن يوزعوا أنفسهم بين يمين المجلس ويساره ، ولكن عندما دخل " شريف " باشا ناظر الداخليه لتفقد القاعه وجد جميع النواب يجلسون فى يمين القاعه ، فسألهم لماذا لم يجلس أحد فى مقاعد اليسار ؟ فرد عليه النواب متعجبين " وهل يجرؤ أحد على معارضة أفندينا ولى النعم " . فقال لهم " إن هذه رغبة أفندينا الخديوى ، فأنتقلوا جميعا إلى مقاعد اليسار ، فأضطر أن يشرح لهم النظام البرلمانى وأنه يتكون من أغلبيه ومعارضه وأخذ يرتبهم على مقاعد الجلوس فى المجلس . وهكذا كانت البدايه الناجحه للبرلمان المصرى ، حتى وإن كانت كاشفه لما بعدها من غياب منطق المعارضه السليمه حيث أن الصفه الحاكمه لكافة البرلمانات التاليه على إمتداد التاريخ المصرى الحديث هى التماهى وعدم الجرأه على معارضة " أفندينا " فى العصر الملكى أو الجمهورى وعلى الرغم من الثورات التى غيرت فى تركيبة البرلمان فى حقب معينه كتلك التى حدثت فى 1919 و 1952 إلا أن الطبقه الشعبيه وإن غابت فى الثوره الاولى ، وإن مثلت سياسيا فى الثانيه ، إلا أنها لم تسفر عن وجود معارضه قويه قادره وفاعله تعيد التوازن للنظام السياسى فى مصر ..
ومع إندلاع الثوره فى 25 يناير وما تلاها فى 30 يونيو ، ومع إنتهاء الإنتخابات البرلمانيه والتى تمثل الإستحقاق الثالث من خارطة الطريق المنصوص عليها دستوريا ، وعلى الرغم من أن الثوره شعبيه فى الأساس إلا أن المؤشرات النهائيه لتركيبة " مجلس النواب " تشير إلى مجلس مشابه إلى حد كبير لمجلس " أفندينا " حيث سيطرت عليه طبقة المال ورجال السلطه السابقون وفى غياب مؤثر لليمين الدينى ، فى المقابل إنعدام وغياب واضح للقوى الممثله للقوى الشعبيه ، وفى ظل دعاوى من الأعضاء الجدد أنهم قادمون لمساندة الرئيس فى " كل " قرارته ، وهو ما ينذر بأوضاع شاذه للحياة الحزبيه فى مصر ..
حيث كان المأمول من بعد إندلاع الثوره أن تكون هناك حياه حزبيه سليمه ، لكن يبدوا أن الأحزاب السياسيه التى تدعى تمثيلها للشعب تعانى بشده فى جعل الشعب يوصلها إلى البرلمان ، وهو ما جعل الخيارات الشعبيه منصبه على الرئيس السيسى لإصلاح هذا الوضع الشاذ ، ومحاوله إصلاح هذا التشوه لإحداث التوازن داخل المجلس حتى لا تنفرد كتل سياسيه بعينها لتمرير قرارات و قوانين بعينها تكون فى غير مصلحة الشعب ولصالح رأسماليه إستطاعت أن تنفرد بكامل المشهد السياسى . وهو ما دفع ببعض المثقفين بمناشدة الرئيس بما لديه من صلاحيات دستوريه لتعيين عدد معين من النواب الجدد ، أن يعين رموزا محسوبه على المعارضه وخاصة اليساريه لإحداث التوازن داخل المجلس فى محاوله يائسه لإصلاح ما أسفرت عنه الإنتخابات ..
وهكذا إختلفت المسميات " مجلس شورى النواب " ، " مجلس النواب " ، " مجلس الشيوخ " ، " مجلس الأمه " ، " مجلس الشعب" ، " مجلس الشورى " ، ثم العوده إلى " مجلس النواب " مرة أخرى ، ولا زالت السمه الغالبه واضحة العيان وهى إفتتاحيه أول مجلس نيابى : " لا أحد يجرؤ على معارضة أفندينا ".. وغياب معارضه قويه تعيد التوازن للنظام البرلمانى ،
لذلك إبحثوا عن السبب العيب ليس فى النظام الحزبى فقط ، ولكن فى طبيعة شعب يريد التغيير بقوه ، ولكنه غير قادر على تحمل تبعات ما قام به من تغيير ، لذلك لا تنتظروا تغييرا جذريا حتى وإن أراد الرئيس أن يفعل ما أراده " أفندينا " سابقا من حيث رغبة فى وجود معارضه توازن المجلس ولكن يد واحده لا تصفق ، وحتما سنسمع تصفيقا لقرارات لا نريدها تحت قبه البرلمان .. لذا فالمعارضه لديها طريق طويل لتسلكه حتى تحدث أثرا واضحا فى الحياة السياسيه المصريه .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه