الجمعة، 24 ديسمبر 2021

أعلى التله

 




بقلم ياسر رافع

 فى ليلة مظلمه تكسوها البرودة القارصه وزخات المطر المتلاحقه على الطرقات ، يمشى وحيدا مهموما مطأطأ الرأس يمسك بين يديه سيجارة شارفت نيرانها على أن تمس أصابع يديه ، غيرعابئ بقطرات المطر ولا الأرض المبتله التى تحولت إلى طينيه موحله ، شارد فى أفكاره المتسارعه والمتداخله ، يكافح إحساسه بالكآبه والحزن ، يسرع الخطى ليخرج من حيز البيوت والمبانى والتى يراها شهود لمقابر أموات أحياء ، وكأنه يهرب من قدرا ما إلى المجهول .

على مشارف مدينته الريفيه الصغيرة وعلى تله عاليه تشرف عليها ، جلس فى مكان يعرفه جيدا فهو قد إعتاد أن يجلس فيه كلما ضاقت نفسه وأشتاقت روحه إلى أن ينفرد بنفسه بعيدا عن الناس ـ يحلق بأفكاره وتأملاته بعيدا ولا تحدوا أحلامه حدودا مانعه ولا أفكار قديمه صدئه . ولكنه اليوم لم يكن ذاك الشاب المفعم بالحيويه والأحلام والطموحات الكبيرة ، فقد ظهرت على قسمات وجهه تجاعيد اليأس والعيون الزائغه وآثار التدخين الكثيف تظهرعلى ثنايا أسنانه ، وبدأ وكأن كهلا قد خلع عن نفسه رداء الشباب من فوره .
فى هذة الأثناء توقفت زخات المطر وأنقشع السحاب وظهرت النجوم تتلألأ فى السماء ، يتوسطها قمر مكتمل بدد بنور كآبة الظلمه  ومدد جسده على الأرض مستندا على صخرة ليريح جسده المتعب . ثم أخرج من بين طيات ملابسه علبة سجائرة الرخيصه وعلبة الثقاب ، ثم وضع سيجارة بين شفتيه المرتعشتين من آثر برودة الجو ، وبينما يشعل عود الثقاب وعلى نورلهب الكبريت وجد أمامه فجأة شخصا واقفا أمامه ، فخاف ورمى عود الثقاب المشتعل والذى إنطفأ سريعا ، ثم حاول أن يهرب من أثر الصدمه ، ليس لأنه إنسان خائف أو جبان ولكنه وجد فى هذا الشخص وكأنه ينظر فى المرآة ، أترى أيكون إنسانا أم شبحا ؟ فليس التشابه يصل إلى هذا الحد ؟.
لم يتحرك بعيدا حتى ناداه هذا الشخص بإسمه " على " فتسمرت قدماه فى الأرض وأصبح غير قادر أن يتحرك ، وناداه مرة أخرى أن إلتفت وأرجع وأجلس فى مكانك فلست شبحا ، هنا إطمأن  " على" وألتفت ببطء ثم رجع إلى مكانه وجلس بجوارهذا الشخص الذى لا يعرفه ، وساد صمت لدقائق أعقبه أن قام هذا الشخص بإخراج بعض الخشب الجاف من بين طيات ملابسه ووضعه بينه وبين "على" على الأرض ثم قام بإشعاله ، وما أن زادت حدة النيران وزادت أنوارها ، حتى بدأت ملامح هذا الشخص تكون واضحه تماما .
يالهول إنه أنا ؟! هكذا صرخ "على" من داخله الذى ينتفض خوفا وهلعا ، ولكنه لا يستطيع الحركه أو الكلام ولا يدرى لذلك سببا ، ولكن هذا الشخص لم يتركه لخوفه وهلعه ، وضحك ضحكه خفيفه ....
الشخص : لا تخف منى ، فأنا أنت !!
ومع تلك الكلمات  أحس " على" ببعض الطمأنينه التى أدخلته فى حيرة أكبر ، ولكنه مازال لا يستطيع الكلام ولا الحركه وكأنه مشلول بالكامل ، لكن عقله يشتعل بالأسئله التى يريد طرحها ..
الشخص : أعلم ما يدور فى عقلك ، تريد إجابه لما تراه أمامك

هنا خرج صوت من داخل "على" يخبرة بأنه فعلا يريد ذلك ، لكن هذا الصوت لم يخرج من فمه المغلق رعبا ، ولكنه هو صوته
الشخص : ماذا تريد أن تعرف بالضبط ؟!
الصوت : أريد أن أعرف من أنت ؟ وكيف تشبهنى إلى هذا الحد المخيف ؟
الشخص : أنا أنت ؟! نصفك الذى تخاف أن تقابله
الصوت : إنك شبحا بالتأكيد
الشخص : وهل الأشباح تشعل الأنوار
الصوت مرتعشا : فكيف إذا تشبهنى ولماذا جسدى مشلولا ؟
الشخص ضاحكا : لا زلت فى صدمتك ، ولكنى سأخبرك بما تريد !! أنا نصفك الذى تحاول قتله وراء أسئله لا طائل منها ، وأفعال تميت الجسد والروح ، تبحث فى وجوه الناس عن أجوبه ولا تجد ، أنا صمتك أنا صوتك أنا حركاتك أنا سكناتك . أن روحك المتقدة المختبأة فى جسد يتهالك وراء صوتك المرتعش
الصوت : أفهم من ذلك أنك أنا وجئت تحاكمنى
الشخص : لا يمكن للإنسان أن يحاكم نفسه حتى ولو كان عادلا
الصوت : فلماذا جئت أصلا
الشخص : جئت ألملم شتات الجسد والروح ، ما الذى أراه أمامى ، كومه من بقايا إنسان متعب ، مثقل بالهموم وهوعلى مشارف الحياة
الصوت : تلك حياتى وأنا حر فيها ! وإذا كنت شبحا وأراك كذلك  ، فأنصرف !
الشخص : لا زال صوتك خائفا جبانا ! تخشى المواجهه ! تريد أن تتقوقع على نفسك ! تهفو نفسك إلى طرح الأسئله وتخشى الإجابات ! تريد تمردا وتخشى عواقبه ! ووووووووووو
الصوت متحديا : ممكن أن يحمل كلامك بعضا من الحقيقه ولكنها ليست كل الحقيقه ، فأنا أحلم وسط مجتمع خائف من الغد يكره الحركه  ويعشق السكون ، أريد أن يسمعنى الناس ، أريد أن أكون مسموعا ، ليس ما أفعله أو أطلبه بكثير
الشخص : أراك قد بدأت تتخلص من خوفك ! تلك أزمتك " الخوف " ، تخلص منه وعندها ستتغير الحياة تماما أمامك ..

فى تلك الأثناء بدأت النيران المشتعله تخبوا شيئا فشيئا ، وبدأت صورة ذلك الشخص تتلاشى مع خفوت النيران ، وبدأ جسد " على" يتحرك وقام واقفا وهو يتكلم بصوتا عالى " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، أكيد أنا كنت بحلم " . ولكنه توقف وصمت ونظر للسماء التى بدأت تتلبد بالغيوم مرة أخرى وبدأ إنحسار ضوء القمر وبدأت تتساقط قطرات من المطر ، وتكلم وكأنه يحادث شخصا ما " لن أخاف بعد اليوم ، سأكون كما أريد ، سأبحث عن إجاباتى ، وسأظل أحلم وأحلم بالغد ، لن أستسلم لمجتمع يريدنى كما هو ..."
" يا من كنت تحادثنى ، إنطلق صوتى ، مات خوفى "
ثم نزل مسرعا من أعلى التله وكأنه ولد من جديد ، مخترقا الشوارع بسرعه رغم طرقاتها الموحله ، وأضواء خافته تخرج من بعض البيوت ، حتى وصل إلى الميدان الرئيسى فوجده مظلما خاليا من الناس ، فتسلق أحد الأعمدة لكى ينيرالمصباح المعلق فى الأعلى ، لينيرللناس فى هذه الليلة المظلمه الماطره .
وفجأة جاءه صوتا من أسفل " إنزل يا لص يا إبن اللصوص " .. فنظر للأسفل وقال " لست لصا أنا أريد أن أنير المصباح حتى يسترشد الناس بنوره فى هذه الظلمه " .
وبين شدا وجذب إستمر "على" فى عمله بالأعلى ، وزادت ثورة الرجل فى الأسفل ، لحظات وأضاء المصباح وبدأ فى النزول وما أن وصل إلى الأرض حتى لاحظ أن أعمدة الميدان قد أنارت فجأة وذهل عندما شاهد زملاء له ينزلون تباعا من على تلك الأعمدة ، وبحث عن الصوت الذى كان يصفه باللصوصيه فلم يجده وكأنه تبخر،
فنادى أحد زملاءه عن سبب مجيئهم وتسلقهم أعمدة الإنارة ، فقال له بأنهم كانوا يتسامرون بجانب التله ، حتى سمعنا صوتك تنادى على شخص لا نراه ، ثم رأيناك تجرى ناحية البيوت ، فجرينا وراءك لنتبين خبرك ، فوجدناك تتسلق عمود الإناره غير خائف من الصعق الكهربائى ولا الظلمه المحيطه بالمكان ولا صوت وشجار حارس الميدان معك ، فتشجعنا وزال الخوف منا وبدأنا نتسلق باقى الأعمدة ونفعل ما تفعله.
ومع نهاية الحديث خيل إليه أن كل زملاؤه على نفس شكله وكأنه ينظر فى المرآة ، فرجع للوراء وراح يفرك عينيه لعله حلما آخر ، ولكنه وجد أحد زملاءه يقترب من أذنيه " ليس حلما . أنا أنت هم .. أضئنا الميدان عندما تخلصنا من الخوف أعلى التله "
وتفرقوا على وعد بتنظيف الميدان غدا .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

فيلم النوم في الطيبات

  بقلم ياسر رافع  من يتابع قضية الدكتور الراحل " ضياء العوضي" منذ بدايتها وحتى وفاته وإلى الآن، سيجد أننا نعيش حرفيا أحداث فيلم ...