الجمعة، 24 ديسمبر 2021

الإقتصاد الشعبوي .. بين الحلال والحرام ودغدغة المشاعر ؟!


 


بقلم ياسر رافع

 مع بداية الألفيه وعلى بعد ثلاثون كيلو متر شمال شرق العاصمة المصرية القاهرة تقع قرية " طحانوب " وهى إحدى قرى جنوب الدلتا المصرية ، كان يسمع فيها عبر مكبرات الصوت بصفه شبه يوميه ولمدة سنوات صوت لدكتور عظام شهير إسمه " محمد الكرمانى " ، يدعو الناس بصفه مكررة مصحوبة بلهجة شعبويه تدغدغ المشاعر ، تعد الناس بجنة عرضها السماوات والأرض إذا قاموا بالتبرع لبناء المساجد . ولكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد فهو طبيب إعتزل مهنة الطب لكبرالسن بعد حياة حافله بالإنجازات فرأى أن الوقوف عند بناء المساجد فقط ليس هو المراد من العمل الخيرى ، فكان إستخدام مكبرات الصوت بالطريقه الشعبويه مرة أخرى للدعوة للمساهمة فى بناء المدارس وتلبية إحتياجات المستشفيات ، وصولا لمحاولة لم تكلل بالنجاح لبناء إقتصاد أولى للفئات الأشد فقرا .

ومع إندلاع ثورة 25 يناير ، ودخول مصر فى حالة فوضى كبيرة ، توارى " الكرمانى " خلف ستار الزمن ، ولكنه خلف وراءة إرث شعبوي حاول فيه الإقتراب من الناس من خلال الخطب الرنانه والوعد بإرث أخروي يتماهي بين الخلود فى الجنه أو الخلود فى النار ، وقدم فيه حلول بسيطه للتغلب على مصاعب مجتمعيه مثل توفير الأموال لبناء المساجد والمدارس وتوفير المستلزمات فى المستشفيات . هذا الإرث نستطيع أن نصفه " بالكرمانية الشعبوية " ، وهو نموذج بالمناسبه منتشر فى بقاع كثيرة فى مصر، ولكنه لم يستطع أن ينتج إقتصادا يخدم قطاعات من الفقراء مساعدا أو موازيا لإقتصاد الدوله .
أسدل التقدم فى السن ستائرة على تجربة " الكرمانية الشعبوية " ، ولكن الشعبوية الإقتصادية أصبحت سمة عالمية ، فهل تنجح فى إنتشال الفقراء حول العالم ؟!!
.....................................................................................
مع تصاعد أزمة الليرة ، وإرتفاع أرقام التضخم ، وهروب رؤوس الأموال من تركيا ، بفعل التدخل السياسى فى السياسة النقدية للبلاد وكذلك التداعيات الإقتصادية التى خلفتها أزمة فيروس كورونا ، هنا خرج الرئيس التركى " أردوغان " لإتهام جهات خارجية بالمضاربة على الليرة التركية ، وبطريقة شعبوية سياسية أوضح أن الشعب التركى لن يظل تحت رحمة الفوائد البنكية فى إستخدام شعبوى للدين من أجل التغطية على مأزق إقتصادى لا علاقة له بالدين ، وهنا خرجت أصوات عربيه مؤيدة لعل أهمها هو الشيخ " أحمد بن حمد الخليلى" مفتى سلطنة عمان الذى قال " إنا لنحيى الحكومة التركية المسلمة الشقيقة ممثلة فى قيادتها المسددة فى توجهها إلى تطهير إقتصادها من رجس الربا "  .    
وعلى الرغم من شعبوية مفتى السلطنه الذى إستجاب للشعبوية السياسية للرئيس التركى ، إلا أن الشعبوية لها حدود فى التعامل مع الأزمات الإقتصادية ، فتقليل سعر العملة ليس كله شر لأنه يوجد مزايا تصديرية للدوله بشرط قدرتها التصديرية العالية وهو ما لا ينطبق على الإقتصاد التركى ، لأن الإقتصاد فى جوهرة قائم على توسيع قطاع الإنشاءات والسياحة ، وهو قطاع يعتمد على القروض للتمويل وأدى التدخل الحكومى لمحاولات تخفيض سعر الفائدة إلى هروب الإستثمارات وبالتالى الضغط على الليرة التركية .
وأن السيطرة على تصاعد أرقام التضخم تمر عبر خطط إقتصادية تعرف بخطط " إستهداف التضخم " والتى ترتفع فيها أسعار الفوائد لإمتصاص الفوائض المالية لدى الشعب وإيداعها بالبنوك ، مع الشروع فى إجراءات إصلاحية حقيقية لأوجه التشوه فى الإقتصاد ، مع دفع القطاعات الإقتصادية للنمو ، عندها تستقر الأوضاع وتبدأ أسعار العملة فى الإستقرار وتبدأ الدولة فى تحفيز الإقتصاد عبر تخفيض سعر الفائدة .
لهذا لن تكون تركيا بحجم ديون يصل إلى 450 مليار دولار مهيئة للدخول إلى مرحلة الفائدة المنخفضة إلا إذا قامت بالسيطرة على تصاعد التضخم الذى وصل إلى 20% ، وهنا يستقر سعر صرف الليرة .
هنا نسأل مفتى سلطنة عمان ، هل كنت تعلم ماهو التضخم ؟ ولا ماهو سعر صرف الليرة ؟ وهل تعلم أن هناك دعوات لإنتخابات مبكرة فى تركيا العام القادم وتبكيرها عن موعدها فى العام 2023 ؟!
الشعبوية الإقتصادية التى ركزت على أرقام النمو الإقتصادى والتقليل من أهمية مخاطر أرقام التضخم أدت بتركيا إلى المأزق الإقتصادى والسياسى الحالى وليس الربا يا شيخنا .
.......................................................................................................
سياسة " صفر مشكلات " للزعماء الأتراك الجدد بقيادة " أردوغان " مكنت الدولة التركية من تحقيق نهضة إقتصادية ملموسه طبقا لسياسات البنك الدولى ، لكن مع إندلاع ثورات الربيع العربى 2011، وجدت القيادة التركية أن اللحظة باتت مناسبة لتوسيع سيطرة الدولة التركية والإستفادة من الموارد العربية ، وتخلت عن سياسة صفر مشكلات وهو ما أورثها مشكلات كبيرة مع تغير ميزان القوى ضد حلفاءها فى المنطقه ووجدت نفسها متورطه فى صراعات عسكرية فى سوريا وليبيا وأذربيجان مما أرهق إقتصادها الذى بدأ يأخذ مكانه متقدمه عالميا . وخلافات سياسية لا طائل منها .
مما رجح كفة الرجوع الى مرة أخرى لسياسة " صفر مشكلات " لمحاولة جذب إستثمارات لإنقاذ الإقتصاد التركى الذى يعانى ، وهو ما بدأ يأتى اكله حيث تعهد ولى عهد أبوظبى بعد المصالحه التركية الإماراتيه بأن يضخ 10 مليارات دولار فى الإقتصاد التركى ، بخلاف المليارات القطرية ، والباب مفتوح أمام مصالحات تركية فى المنطقة العربية للبحث عن مليارات دولارية أخرى .
هنا نسأل هل الإقتصاد يخضع للقاعدة الدينية " حلال أو حرام " ؟ أم سياسات إقتصادية وسياسية ناجحة؟!
.........................................................................................
الإقتصاد الشعبوى قادر على إحداث طفرات إقتصادية ، ودغدغة مشاعر الشعوب بشعارات براقة ، وذلك بالدعاية بأن الإقتصاد الداخلى فيه قدرات لم تستغل والمراهنه عليها ، دون الأخذ فى الإعتبار عدم توافر العملة الصعبه وهو ما يجعل طريق الإقتراض من الخارج الحل الأمثل لتنفيذ السياسات الإقتصادية . وعليه تركز السياسة الشعبوية على قطاعات بعينها للنمو ، لكنها تصطدم بمسألة توزيع الدخل داخل المجتمع والبطالة ، ولهذا عند إرتفاع أرقام التضخم والضغط على العمله تهرب رؤوس الأموال من الدوله ويصبح النظام السياسى والدولة فى مهب الريح وتزداد الإستدانه أو الخضوع لشروط البنك الدولى
...............................................................................................
تستطيع الشعبوية الإقتصادية أن تنقذ قرية فقيرة فى الريف المصرى على طريقة "الكرمانية الشعبوية " ، لكنها لن تستطيع إنقاذ دولة تعانى من أزمات وتخبط فى السياسات الإقتصادية حتى ولو تقدم صفوف الدعاة لها مفتى سلطنة عمان ووراءة كل مشايخ وعلماء الأمة الإسلامية ، ولا حتى أن يكون إمام الحرم المكى نجم إعلانات تلفزيونية للتبشير بإقتصاد جديد .
الإقتصاد لا يدار بثنائية الحلال والحرام ، سياسات الإقتصاد الشعبوى أصبحت خطرا داهما على دول المنطقة العربية كلها ، ولن تنفع معها دغدغة المشاعر والوعد بجنة أرضية مغلفة بصور ملونه لمدن وإنشاءات ضخمة ، فتوزيع الثروة داخل المجتمع أصبحت قضية ملحة مع التفاوت الطبقى الحاد ، وأرقام البطالة ، ومعاودة أرقام التضخم للإرتفاع . كل هذا سيجعل من العودة إلى نقطة الصفر أمرا عاديا ومعتادا فقد سبقتنا إلى دول أمريكا اللاتينيه قبل ذلك.
......................................................................
هل تستطيع تركيا والدول العربية إنتهاج خطا آخرغير الإقتصاد الشعبوى ، قبل الإنهيار الكبير بعيدا عن دغدغة مشاعر الجماهير سياسا ودينيا ؟ الله أعلم .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

مقدمة كتابى .. صديقى الوهمى محاولة ما قبل السقوط النهائى

  بقلم ياسر رافع " إحنا جيل مظلوم " ، عباره سمعتها كثيرا منذ نعومة أظفارى من أجيال مختلفة الأعمار والمشارب الثقافيه والإجتماع...