بقلم / ياسر رافع
هدأت
العاصفه الهوجاء التى كادت أن تعصف بالبلاد والتى كانت محمله بشحنات من الدم
المسال على الأرض الذى لم يفرق بين مسلم ومسيحى ، وشحنات من الحناجر الغاضبه التى
كادت معها أن تنزلق مصر إلى هاويه سبقتها كثير من أخواتها العربيات على خلفيه مشهد
أصبح مألوفا وهو تفجير أو محاولة تفجير الكنائس فى مصر ، ورجع كل شئ إلى طبيعته
وسيرته الأولى من كلمات منمقه وحياة إعتياديه تعود عليها المصريين منذ آلاف السنين
ونسى أو تناسى الجميع أننا جالسون على لغم أرضى حساس جدا قابل للإنفجار مرات ومرات
عديده ، وهو هنا ليس لغم دينى بقدر ما هو لغم العجز والتراخى ولن تنفع معه كل
المقابلات الرسميه والتطمينات من أعلى الجهات فى الدوله من أن ينفجر ويفجر كل المشاكل
التى على شاكلة اللعب على وتر المشكلات العرقيه والدينيه والمذهبيه ..
إن الحقيقه الساطعه التى لم تكذبها الأرقام هى أننا نعيش حاله من محاولة سلخ مكون
ثقافى وحضارى أساسى من مكونات العقليه العربيه وتلك الأرقام تقول بأن نسبة
المسيحيين فى الدول العربيه قد تناقصت نسبتهم بالنسبه للمجموع العام للسكان منذ
بداية القرن العشرين وحتى بداية أزمة صعود التيارات التكفيريه فيما تلا فشل الربيع
العربى من 20 % إلى 5% وهم يتمركزون بصفه أساسيه فى المشرق العربى ( مصر – العراق –
سوريا ) ، وفى المقابل لا تعرف أرقام وإحصائيات محدده ودقيقه عن حجم التراجع فى
تلك النسبه بعد صعود الحروب الأهليه فى العراق وسوريا وكذلك الخوف من صعود
التيارات الدينيه المخالفه لها لسدة الحكم فى البلاد العربيه وتصاعد موجات من
الكراهيه غير محددة الإطار ولا الهدف من تلك الكراهيه . وهنا نقول ما السبب وراء
ذلك التراجع فى الأعداد وما يقابلها من إنتشار لروح العداء والكراهيه بين مكونين
رئيسيين من مكونات الثقافه العربيه ؟
كنت حاضرا لمشهدين مع شخصين مختلفين وفى مكانين مختلفين وزمنين مختلفين أيضا ،
ولكنهما مشهدين فى إعتقادى كاشفين لحقيقة الأوضاع التى نعيشها ..
عند وصولى للكويت للعمل بإحدى الهيئات الإسلاميه الخيريه ومع ضرورة إتمام الإجراءات القانونيه المتبعه فقد كان لزاما أن أتم تلك الإجراءات وهو ما كان يستلزم خروج أحد العاملين الإداريين معى وهو مختص بذلك لإتمام تلك الإجراءات وهو يسمى بـ " المعقب " بالخليجى – سأحجب إسمه الشخصى – من " البدون " وفى إحدى المرات التى خرجنا فيها سويا وبعد أن إجتزت أول إختبار وهو عمل " فيش جنائى " وبينما نركب السياره حتى رأيت منطقه محاطه بسور على جدا فسألته عن ذلك السور فأجابنى : " إنها مقابر الشيعه الروافض الكفره " وعرض عليا أن آخذ " سى دى " عليها خطب أحد المشايخ يتكلم فيها عن الشيعه الروافض وطبعا تحججت بأننى لا أملك كمبيوتر ، وبينما نحن نسير فى الطريق وقفنا فى إشارة مرور وفجأه وجه لى سؤالا مباغتا ودار الحوار التالى :
المعقب : أستاذ ياسر هوا إنتوا عندكم مسيحيين ؟
أنا : طبعا عندنا مسيحيين وكتير كمان
المعقب : وإنتوا ساكتين عليهم ليه ما تقتلوهم ؟
أنا : نقتل مين هما فراخ ، دول ملايين وعايشين معاهم طبيعى جدا
وقبل أن يكمل ويسترسل قمت بتغيير الحوار ، وبينما نحن نقترب من مكان عملنا بالهيئه الخيريه الإسلاميه وجدته يلفت نظرى لشئ مهم وهو أن المكان الذى نعمل فيه القائمين عليه هم " كفره أيضا " ، فقلت له : " ولماذا تعمل معهم ؟ " فرد قائلا " لأننى لا أجد عملا غيره ، ثم إننى مقدم طلب لوظيفه فى هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى السعوديه وقريبا سأترك هذا المكان " .. إنتهى
المشهد الثانى : الزمان 2011 – المكان مدينة العبور مصر :
بينما تتعالى أصوات الجماهير فى ميادين مصر بعد 25 يناير فقد بات من المؤكد أن النظام سيسقط لا محاله وهو ما كان محور حديث ثلاثى بينى وبين إثنين من الأصدقاء السورين الذين يعملون معى وهم من الطائفه المسيحيه فى سوريا ، وتشعب الحديث وكان من وجهة نظرى أن النظام السورى هو الآخر سيسقط وأن إندلاع التظاهرات مسألة وقت ، إلى أن ذكرت أن سوريا مرشحه للثوره بسبب نظام التوريث والذى بدأ بمشروع توريث " باسل الأسد " الذى وافته المنيه قبل إكتمال الحدث ، وهنا وجدت أن أحد الأصدقاء قد بدا مستفزا وراغبا فى الحديث وقاطعنى قائلا : " باسل الأسد كان من أشد المخلصين وأنه يحافظ عليهم ويحميهم " .. هنا وجدت أن نهاية الحديث وتغيير مجراه ضروره لمراعاة المشاعر وحفاظا على صداقه وجدت أنها قد تكون معرضه لخطر الخلاف السياسى .. إنتهى
التكفير والطائفيه هما مكمن أزمة " مسيحى الشرق " ، تكفير ظهرت بوادره مع نهاية السبعينيات عندما بدأت الدوله الوطنيه الحديثه التى ظهرت فى منتصف خمسينيات القرن العشرين تأخذ منحى الهبوط والنكوص عن فترة التحديث وإعتمادها على التمايزات المذهبيه والعرقيه الداخليه لضمان إستمرارية أنظمتها السياسيه وصولا لأحداث 11 سبتمبر والتى غيرت شكل المنطقه بالكامل والتى أخرجت وحش التكفير من عقاله والذى أدى بالضروره إلى تمسك الأنظمه السياسيه بشده بسياساتها الطبقيه والمذهبيه كمبرر أمام الغرب فى وجه تنامى التنظيمات السياسيه الدينيه ، ولكن ما أن إندلعت أحداث الربيع العربى 2011 وما واكبها من أحداث دمويه حتى وجد التكفيريين الأرض خصبه لهم يلعبون كما الحكومات الوطنيه على وتر الخلافات المذهبيه لكسب التعاطف والتمويل ، فكانت الهجمات على الكنائس فى العراق وتصاعد وتيرتها فى مصر وفى غيرها مما أدى مع تصاعد أعمال العنف فى المنطقه إلى عمليه هجره بل نزوح وترك الأوطان وأصبح المكون المسحيى للثقافه العربيه مهدد بالزوال ، حتى ما أن هدأت الأوضاع بعد 30 يونيو فى مصر وبداية عملية هدوء فى الأوضاع الداخليه حتى ظهر التكفير وبدأ يضرب بقوه فى محاوله لجعل دولة ما بعد الربيع العربى ترجع لسابق ممارساتها السياسيه السابقه والتى تلعب على وتر التمايزات الطبقيه والمذهبيه لضمان إستمراره وهو ما قوبل بوضع جديد مفاده أن الدوله المصريه فى طريقها نحو التخلص من تلك السياسه و أن قواعد جديده للتعامل الداخلى يجرى تدشينها وهو ما يجعل من الظهور المتكرر لرئيس الدوله بين جدران الكنيسه فى الإحتفالات علامه فارقه ومقلقه للتكفيريين .
ولكن هل مفهوم " جمهورية ما بعد الربيع العربى " قادر على محو الأخطاء والممارسات الفادحه للدوله الوطنيه والتى سقطت على يد مفاهيم وقيم جديده ، تريد التحديث وإقتصادا قويا وتعليما يريد المستقبل ، تريد البعد عن ممارسات الطائفيه والمذهبيه وإعلاء قيم المواطنه ، هذا يتوقف على أن نصارح أنفسنا أن زمن الدوله الوطنيه بمفهومها القديم لن تكون قادره على التخلص من التكفير ولا المحاباه المذهبيه التى تحفظ لها مكانا فى عيون الغرب وإدعاء كاذب بحماية الأقليات الدينيه ، لذلك يجب أن نتخلص من تلك المفاهيم والممارسات وأن نحاول ان نبنى دوله جديده قادره على إستيعاب الجميع وأن نعى أن المكون الثقافى العربى له روافد دينيه متعدده قادره على بلورة رؤيه جديده للمستقبل بعيدا عن القتل والتشريد ..
هل نستطيع مسلمين ومسيحيين تجاوز أخطاء الدوله الوطنيه ؟؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه