بقلم / ياسر رافع
الحدود السياسيه تحدد نهاية الإقليم أو الدوله وتعتبر إنعكاسا لشكل الدوله فى توسعها وإنكماشها كقوه وهى تحوى بين جناتها الشخصيه الحضاريه المميزه لتلك الدوله . أما التخوم فهى تعتبر إذا جاز التعبير الواجهه أو الحدود الحضاريه لتلك الدوله والتى تمارس فيها فعل القوه والتأثير وهى أسبق من الحدود والتى نشأت فى القرن التاسع عشر .لذلك فإن تكتل الدول الأوروبيه لوقف الزحف العثمانى عند أسوار " فيينا " كان لخلق حدود للتوسع العسكرى ووضع سد منيع على تخوم الحضارة الأوروبيه المسيحيه ضد توغل الحضاره الإسلاميه الدينى والثقافى ، معبرة عن نجاح أخر يعكس نجاح سابق قد جرت وقائعه منذ ما يقارب ألف ومائتين وأربع وثمانين عاما عندما نجحت أوروبا المسيحيه فى وقف الزحف الإسلامى عندما إجتاح بلاد الغال " فرنسا " محاولا إكتساب أرضا جديده بعدما إجتاح بلاد الأندلس وذلك فى معركة " بلاط الشهداء " والتى إلتقى فيها جيش المسلمين بقيادة " عبد الرحمن الغافقى " وجيش الفرنجه بقيادة " شارل مارتل " بالقرب من مدينه " بواتييه " فى وسط غرب فرنسا حاليا ، والتى إنتهت وقائعها بهزيمة المسلمين وقتل قائدهم ، وهو ما أوقف التمدد الإسلامى فى أوروبا ووضع حدا للدوله الاسلاميه فى الأندلس عسكريا ولكن تخومها الحضاريه كان له تاثيرها الثقافى الواسع
وهو ما حدا بالمؤرخين المتأخرين مثل البلجيكى " غودفروا كورت " إلى القول " يجب أن تظل هذه المعركه واحدة من أهم الأحداث الكبرى فى تاريخ العالم لأنها حددت ما إذا كانت الحضاره المسيحيه ستستمر أم سيسود الإسلام جميع أنحاء أوروبا " ، أى ان تلك المعركه وضعت ليس فقط حدودا للتوسع العسكرى بل أيضا حدودا للتأثير الحضارى ( التخوم )
وقد مرت السنوات وجرت فى النهر مياه كثيره ، وتعلمت أوروبا الدرس الحضارى لتجاور التخوم الحضاريه فى مقابل صراع إسلامى داخل حدوده العسكريه أدى إلى هزيمة أمام الأوربيين المسيحيين وسقوط الأندلس كنتيجة حتميه لمعركة " بلاط الشهداء" وسقوط أخر إمبراطوريه إسلاميه _العثمانيه_ كنتيجه للهزيمه أمام أسوار فيينا ، ووجدت أوروبا نفسها مرة أخرى فى ديار المسلمين مستباحة الحدود وأوجدت حدود تقسيم لتمزيق ذلك العالم الإسلامى إلى دول متعدده ومتفرقه ، فارضة فى الوقت ذاته تخوما حضاريه أخذت شيئا فشيئا من التأثير الحضارى الإسلامى الذى إنهار تماما وأصبح أثرا بعد عين .. ولكن الإحتلال الأوروبى حتى وإن إستمر لمئات السنين فى بقاع وعشرات السنين فى بقاع إسلاميه أخرى إلا أنه لم يستمر داخل الحدود الإسلاميه وتراجع إلى حدود أوروبا ولكن بقيت تخومه تمارس الفعل الحضارى الشرس تجاه المسلمين وأصبحت أوروبا محط أنظار المسلمين المنهارين حضاريا وإنسانيا ، وتحت ضغط الأوضاع السياسيه والإقتصاديه التى وجدت مع تولى المسلمين لعالمهم المقسم إلى دول ، والتى سرعان ما دخلت مع بعضها فى صراعات بتحالفات مع المحتل السابق وربما بإستدعاء قوات منه لنصره دوله إسلاميه على أخرى ، وهو ما أدى إلى هجرات إنسانيه كبيره من المسلمين للإستيطان فى عالم رأوا فيه مساحة من الحريه السياسيه والإقتصاديه ، وفى بعض الأحيان هروبا من حضارة تخلفت وعذوا ذلك إلى الإسلام ذاته كدين .
ولكن ومع بدايات القرن العشرين وكنتيجه عكسيه ومباشرة لسقوط الدوله العثمانيه كأخر شكل حضارى إسلامى ، ظهرت حركات الإسلام السياسى والتى أوجدت نوعا من المقاومه ضد محاولات التغريب والذوبان الحضارى ، والتى تحولت فى نهاية القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين ضمن مكونات الطيف الإسلامى إلى مقاومه شرسه للحضارة الغربيه المسيحيه ، ودفعا للتخوم الحضاريه المسيحيه إلى أبعد حد ممكن ، وقد بلغ من تاثير تلك الحركات انها طالت بتاثيرها داخل حدود الدول الأوروبيه نفسها، وهو ما حدا ولأول مره منذ الإنهيار الحضارى الإسلامى فى مقابل التفوق الحضارى المسيحى الدول الأوربيه أن تدافع عن نفسها داخل حدودها ضد هذا التأثير ، ووسط مواطنيها من المسلمين الوافدين إليها والذين لم يذوبوا فى الحضاره الغربيه المسيحيه ، لذلك وجدت أوروبا المسيحيه أن تدافع على محورين ( الحدود والتخوم ) لمنع إنزلاق حضارى فى مقابل مقاومه شرسه لمكون حضارى يريد أن يستعيد مكانته حتى ولو كان غير مؤهل حاليا ، فنراها تحارب على تخومها الثقافيه والحضاريه ضد الإسلاميين فى شمال جمهوريه مالى وشرق أفريقيا فى محاوله لمنع تمدد تأثير الإسلاميين الذى سيحد من النفوذ الحضارى المسيحى أفريقيا ، وكذلك محاربة الإسلاميين فى سوريا والعراق ومحاوله الحد من النفوذ الإيرانى لوقف التأثير الإسلامى فى الداخل الأوروبى والأخذ فى التنامى على شكل عمليات إرهابيه ، تأثير ثقافى واضح .
ولكن تبقى المعركه الحضاريه الدائره بين الدوله الفرنسيه والمسلمين فيها حول فرض النموذج الحضارى بالقوه عكس السابق والتى تتخذ كل يوم مسمى جديدا ، فتارة معركه الحجاب ، وتارة النقاب ، والأن معركة البوركينى والذى تعتبره فرنسا نوعا من التحدى الثقافى لها داخل حدودها السياسيه وليس التخوم الحضاريه ، فإصرار المسلمات على إرتداء البوركينى _ مايوه يغطى كامل جسد المرأه دون الوجه _ تعتبره فرنسا المسيحيه كإمتداد للتأثير الإسلامى وتهديدا لها ولثقافتها ، ويراه المسلمين نوعا من الحريه وإتباعا لتعاليم الإسلام ، ولسخرية القدر أن تتم وقائع تلك المعركه الحضاريه فى الجنوب الفرنسى فى إستدعاء تاريخى لمعركة " بلاط الشهداء " ، ولكن هل ستسفر تلك المعركه الحضاريه عن شيئا جديدا عكس ما حدث فى الماضى ؟ وهل تستطيع فرنسا ومن ورائها أوروبا أن تدافع عن تخومها الحضاريه فى الوقت الذى إنتقلت فيه المعركه إلى داخل حدودها السياسيه ؟ ولماذا تقف أوروبا أمام البوركينى الإسلامى ، فى الوقت الذى تلبس فيه الصينيات " الفيسكينى " وهو شبيه بالبوركينى ولكنه يخفى كامل الجسم ما عدا العينين والأنف والفم دون أن تعترضه السلطات الصينيه ؟
إن معركة البوركينى نتاج طبيعى للإحتكاكات الحضاريه الممتده بين الحضاره الإسلاميه والمسيحيه ، والتى كانت تتم فى السابق على التخوم ، والأن تجرى وقائعها بالسلاح داخل حدود الحضارتين وإن إختلفت مسميات إستخدام السلاح . هل هى بداية النهايه للحضاره المسيحيه الغربيه ؟ أم أن المقاومه الإسلاميه ستكون بداية نهوض حضارى ؟ أم أن نهاية تلك المعركه ستكون بداية لسيادة مكون حضارى صينى سيسود على الجميع ؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه