بقلم / ياسر رافع
فى هذا اليوم تحل الذكرى الأولى لرحيل الكاتب الصحفى الكبير " محمد حسنين هيكل " والتى تذكرنى بقصه طريفه أوردها عن الرئيس " جون كيندى " الذى عندما تولى الرئاسه الأمريكيه كان يظن فى قرارة نفسه وصرح به للمقربين من أنه سيطلع على كل الأسرار وسيستغلها فى الإدارة والتى ستسهل عليه القياده ، ولكن ما أن إستلم مقاليد الحكم حتى فوجئ بان كل التقارير المعروضه عليه وإن كانت تحتوى على معلومات سريه إلا أن معظمها قائم على التحليلات والرؤى وهو ما قوبل منه بضحكه عاليه "وهى قصه أوردها الأستاذ هيكل لبيان كيفية الإستفاده مما هو متاح من معلومات وأسرار وفق رؤى وتحليلات عقلانيه بعيده عن عوالم الوهم حتى نقف على أرضيه واقعيه تسلمنا إلى نتائج تجنبنا مواطن الذلل .
ولعل أزمة تصريحات الوزير الإسرائيلى " أيوب القرا " _ وزير بدون حقيبه وزاريه _ والتى أشار فيها إلى أن هناك إلتزاما من الرئيس السيسى بإعطاء جزء من سيناء لتوسيع قطاع غزه تمهيدا لإنشاء الدوله الفلسطينينه وطرد العرب من دولة إسرائيل تحقيقا لمبدأ " حل الدولتين " ، لهى خير مثال عن غياب المعلومه وكذلك غياب التحليل السليم للأمور وهذا ليس جديدا على مجتمعات عاشت وتعيش فى عوالم من ألف ليله وليله لا تغادرها إلا ساعة نوم حاكمها المستبد " شهريار " وسرعان ما ترجع عندما يفيق من نومه .
وعلى الرغم من نفى الجانب المصرى والفلسطينى والإسرائيلى لتصريحات هذا الوزير والذى سرعان ما نفى الخبر جملة وتفصيلا وصرح بانها " كانت مجرد تكهنات " ، إلا أن الجانب الشعبى سرعان ما صمت وأستراح عندما نفى " شهريار " القصه ، لكن ما لم يعلمه القطاع العريض من الشعب أن الموضوع له أصل وليس تكهنات فهو إقتراح تبنته إدارة الرئيس الأمريكى " بيل كلينتون " إبان احداث إتفاقيتى السلام " غزه-أريحا اولا " بين الفلسطينين والإسرائيليين ، و" إتفاقيه وادى عربه " بين الأردن وإسرائيل ، وهو الإقتراح الذى نشأ من رحم فكرة " حل الدولتين " والذى تم التسويق له وتبنته السعوديه كأساس لحل القضيه الفلسطينيه فى المبادره العربيه فيما بعد ، وهو إقتراح طرح بخجل وداخل الدائره الضيقه ويقضى بإقتطاع جزء من سيناء يساوى مئات الكيلو مترات المربعه لتوسيع قطاع غزه تمهيدا لإعلان الدوله الفلسطينيه تمهيدا لعودة اللاجئين وترحيل عرب إسرائيل للدوله الجديده ، يعقب ذلك إعلان إسرائيل " دوله يهوديه خالصه " ، ولكن هذا الإقتراح قوبل برفض الرئيس المصرى " مبارك " أنذاك ، وعلى الرغم من إنسياق العرب وراء المبادره العربيه والقائمه على حل الدولتين إلا أن إسرائيل كانت تعلم وتعى أن هذه المبادره مستحيله وماهى إلا ستار تطبيع لأن حل الدولتين مستحيل عمليا ..
ومرت الأيام والسنوات وتغير الوضع الإستراتيجى بالكامل لغير صالح العرب بعد احداث الربيع العربى 2011 ، ومع تولى إدارة الرئيس " ترامب " يبدوا أن قواعد اللعبه فى المنطقه سترجع إلى مراحلها الأولى ، حيث أعلن وفاة حل الدولتين ومن ثم المبادره السعوديه المسماه إجماعا عربيا ، والرجوع لحل الدوله الواحده التى تجمع الجميع وفق شروط المواطنه والديموقراطيه ، وهذا يذكرنا بنفس المقترح ولكن عام 2000 عندما أصدر العقيد الراحل " القذافى " أنذاك كتابه المعنون " بالكتاب الأبيض " – وهو كتيب صغير – يشرح فيه رؤيته لحل القضيه الفلسطينيه بشكل نهائى عبر إنشاء كيان فلسطينى إسرائيلى واحد اسماه " إسراطين " كإسم أولى على أن يتفق بعدها الطرفان على إسما آخر ، وقد تنبأ فيه بفشل حل الدولتين فشلا ذريعا وعدد أسبابا وجيهه دينيه وديموغرافيه وسياسيه لهذا الفشل وهو ما ثبت عمليا فى عام 2017 ..
إن المراوحه بين حل " الدوله الواحده " و حل " الدولتين " وعلى الرغم من كونهما معلومتين بالضروره كمعلومه إلا أن التعاطى بالتحليل الدقيق من الجانب العربى يفتقد للشفافيه بل والضبابيه الشديده نظرا لكونه مفعولا به وليس فاعلا ، فالعوده لسماع الحديث عن الشأن الفلسطينى بعد أصوات المدافع وأزيز الطائرات فى المنطقه كلها لهو نذير شؤم إذا كان هناك من يحلل ويستنبط ، فبعد حرب الخليج الثانيه (تحرير الكويت) وصلنا لإتفاقية " غزه_أريحا اولا " ثم تبعتها " إتفاقية وادى عربه " ثم شهدنا تطبيعا ليس له مثيل مع العدو الإسرائيلى من الدول العربيه وصولا لتبنى حل الدولتين من قبل الدول العربيه إرضاءا للسعوديه ، والأن وما هدأت وتيرة الحرب الأهليه فى سوريا وخمود عاصفة الربيع العربى حتى نجد الشأن الفلسطينى يطرح بقوه على الساحه مرة أخرى وكإنه " عصى موسى " للإداره الأمريكيه والإسرائيليه لتمرير سياسات بعينها وتمرير واقع جديد أشد إيلاما مما كان قبلا ، وعلى الرغم من العاصفه الترابيه التى أثارتها تصريحات الوزير الإسرائيلى والتى أعمت الرؤى الشعبيه العربيه عن مغزاها والتى إكتفت بالصراخ والعويل وحماية الأعين من التعامل مع الحقيقه ، إلا أ، تصريحين إثنين كافيين لتوضيح ما نحن مقبلون عليه فى المستقبل ، فرئيس الوزراء الإسرائيلى " بنيامين نتنياهو " يطلب من الإداره الأمريكيه والرئيس " ترامب " الإعتراف بهضبة الجولان كأراضى إسرائيليه بصفه نهائيه ، ليس هذا فقط بل وطلب الإداره الأمريكيه نفسها من العرب بإنشاء قوه عربيه مشتركه تقوم بالتشاور مع إسرائيل للوقوف فى وجه التمدد الإيرانى فى المنطقه ..
يا الله المعلومه متوفره وينقصنا التحليل والرؤى ، إستمرأنا التمرغ فى الوحل وتشويه بعضنا بعضنا وتخوين وتخوين مضاد ، وما القصه كلها إلا ذر الرماد فى العيون كعملية إلهاء لتمرير زمن جديد وفق معطيات قديمه متجدده ، وستبقى القضيه الفلسطينيه هى عصى موسى التى لا تنضب فى يد أعداء هذه الأمه ..
لا تنتظروا أسرار تنشر لتعرفوا الحقيقه ، ولكن تريثوا قليلا وفكروا وحللوا ، وعندها ستجدون أن الطريق للخروج من عوالم الوهم سهل وميسور لكل ذى عقل ، وأن الطريق إلى ذلك يكون بالتحرر من إرث ألف ليله وليله ، وحكايات " شهر زاد" و" شهريار" والسياف " مسرور " التى أورثتنا خباله فى العقول ..
أفيقوا يرحمكم الله ما يجرى فى المنطقه محتاج قراءه متأنيه وفهما واقعيا .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه