السبت، 18 ديسمبر 2021

خودروكوفسكى مصر


 



بقلم / ياسر رافع

" مسترشدا بمبادئ إنسانيه ، قررت أن ميخائيل بوريسوفيتش خودوركوفسكى ، يجب أن يتم الإفراج عنه قبل إنتهاء عقوبته ، وهذا المرسوم يدخل حيز التنفيذ على الفور " .. هكذا أنهى الرئيس الروسى " بوتين " بمرسوم رئاسى فترة السجن التى قضاها الملياردير الروسى " خودروكوفسكى " رئيس شركة " يوكوس " للبترول على خلفية قضايا فساد وتهرب ضريبى ربما تكون الأكبر فى تاريخ روسيا . لكن لماذا أدخل السجن على هكذا تهم و لماذا أخرج بعفو رئاسى قبل إنتهاء مدة الحبس المقرره  ؟؟
إن "خودروكوفسكى " رجل أعمال ينتمى لحقبه " النيوليبراليه " والتى كانت بدايتهم متواضعه ، فهو على الرغم من نشأته فى " الشبيبه الشيوعيه " إلا أنه إنطلق بسرع الصاروخ إلى عالم المال بعد إنهيار الإتحاد السوفيتى وتولى الرئيس " يلتسين" مقاليد الحكم والذى أدار دفة الإقتصاد الروسى ناحية الغرب ، وساهمت عملية الخصخصة فى إنتشار الفساد المالى داخل الدوله ، والذى وفر المناخ المناسب لــ " خودوركوفسكى " وأصبح فى غضون سنوات قليله جدا " مليارديرا " كبيرا ، وأصبح عنوانا كبيرا معبرا عن تحالف غريب من رجالات الدوله الفاسدين من العهد السوفيتى وبعض من رجال المال الفاسدين من خارج الإطار الحكومى بمساعدة جهات أجنبيه مثل مؤسسات غربيه كـــ " كارليل جروب " التى تعبر عن توجهات النيوليبراليه . ولكن لم يقف طموح " خودروكوفسكى " ومن وراءه من الداخل أو الخارج عند السيطره فقط على مفاصل الإقتصاد ولكن وصل طموحهم لحلم السيطره على النظام السياسى باكمله عبر الرغبه فى الترشح لإنتخابات الرئاسه بعد أن سيطروا على معظم التكتلات السياسيه بالرلمان الروسى ، هنا وهنا فقط إصطدم " خودروكوفسكى " بالوافد الجديد للكرملين الرئيس " بوتين " والممثل للمؤسسه العسكريه الذى رأى فى "خودروكوفسكى" خطرا ليس على الإقتصاد فقط بل على كيان الدوله ككل ، فتم فتح ملفات الفساد بمساعده خارجيه والتى كشفت عن حجم فساد وتدخل قذر من دوائر ماليه غربيه فى الداخل الروسى ، ناهيك عن التهرب الضريبى ، وهذا حدا بدوائر المال الغربيه أن تشن حرب إعلاميه ضروس على الرئيس " بوتين " متغافلين الفساد المالى والضريبى لـ "خودروكوفسكى " وتم التركيز على " يهوديته " فى محاوله لإخراجه من المحاكمه وهو ما تم التنويه عنه من السلطات الروسيه " بإنه قد تم إستدعاء خودروكوفسكى بصفته زعيما تجاريا وليس بصفته زعيما يهوديا " .. وبعد أن أدانته المحكمه ودخل السجن فإن الرئيس بوتين قد نجح فى القضاء على المحاوله الغربيه من جانب " النيوليبراليه " للسيطره على مقاليد الحكم فى روسيا عبر رجالها فى الداخل الروسى  ..
إن النموذج النيوليبرالى من رجال الأعمال من أمثال " خودوركوفسكى " هو نموذج مكرر فى عالمنا العربى ولكن تختلف تفاصيل الروايه وحجم تزاوج المال بالسلطه ، ولكن يبقى حلم الوصول للسلطه هو الرغبه الجامحه التى تسيطر على رجال أعمال النيوليبراليه ، ففى مصر وبعد إنتهاج نظام " مبارك " نظام الخصخصه كمبدأ إقتصادى للتحول من الإقتصاد الإشتراكى  إلى الإقتصاد الرأسمالى ، فجأه وبدون مقدمات ظهرت طبقه من الأثرياء ورجال الأعمال كنتيجه مباشره لما شاب عملية الخصخصه من فساد مالى وسياسى كبير ، مما مكن تلك الطبقه الجديده من أن تسيطر على مفاصل الإقتصاد فى نهاية عصر مبارك ولم يعد لها إلا حلم السيطره على السلطه السياسيه وهو ما تبخر بعد إصطدام الحلم  بثورة 25 يناير والتى بدا أنها قد وضعت حدا لطموح رجال النيوليبراليه ، وأصبح الحديث عن مخالفات وفساد والتهرب الضريبى لتلك الطبقه هو الحديث المسيطر ظنا بأن هناك محاكمات تلوح فى الأفق  وهو ما عد لاحقا من أوهام تضاف إلى أوهام حلمت بها مصر بعد الثوره ، حتى قامت 30 يونيو وتغير المشهد تماما وأصبح الحديث عن رجوع رجال النيوليبراليه هو المسيطر بعد أن ظهرت تكتلاتهم فى البرلمان الجديد وأصبح صوتهم عاليا ولم يخفوا طموحهم فى السيطره السياسيه . ولعل أبرز مثال لتلك الطبقه رجل الأعمال " نجيب ساويرس" الذى صعد بسرعة الصاروخ والذى طالته تهم التهرب الضريبى وعلاقته بالسلطه ودوائر المال الغربيه كمؤسسة " كارليل جروب " ، وما شاب صفقه بيع مصنع الأسمنت لشركه " لافارج " الفرنسيه والتى حولته من ملياردير محلى إلى ملياردير عالمى
ويبقى السؤال : هل سيكون للوافد الجديد لقصر الإتحاديه بعد ثورة 25 يناير وما أعقبها فى 30 يونيو الرئيس " السيسى "  رأيا أخر للحد من صعود تلك الطبقه التى باتت تهدد ليس فقط الإقتصاد ولكن السياسه أيضا ؟؟ وهل سنشهد صراعا بين " خودوركوفسكى مصر " وبين الرئيس " السيسي " على خلفيه طموح المال المدعوم من دوائر المال الغربيه فى مواجهة الحفاظ على الدوله ؟؟
يبدوا أن قادم الأيام حبلى بالكثير من المفاجأت على طريق السياسه الداخليه المصريه  ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...