السبت، 18 ديسمبر 2021

الجوع والزّهر

 



بقلم / ياسر رافع

أزمه إقتصاديه وعجز حكومى واضح ، فى مقابل شعب لا يعلم ولا يدرى ماذا يفعل ، أدمن الهروب إلى الخلف بحثا عن حل لواقع مرير ولذلك لا عجب أن نجده يتعلق بأغنيه " أه لو لعبت يا زهر " التى أصبحت " سفر الهروب " من واقع مؤسف إلى خيالات وضلالات الوهم القاسى ، تطارد مسامعك فى كل مكان تعلق بها الفقراء والحالمين بتغير الأحوال الإقتصاديه القاسيه باحثين من خلال كلماتها عن واقع إفتراضى لعل وعسى يغير ولو للحظات من واقع يبدوا أنه سيطول حتى ولو بإدمان الوهم لبعض دقائق يستمعون فيها إلى أغنيه ترسم بقسوة كلماتها البسيطه كيف أن الفقر يورث عادات إجتماعيه تلفظ الفقير فى مقابل الغنى والثراء و فقير يحلم بتغيير ذلك الوضع عن طريق الحظ " أه يا لو لعبت يا زهر وإتبدلت الأحوال " ، وهى كارثه أخرى تشى بإنسداد الأفق أمام الفقراء لتحسن الأحوال معتمدا على " الحظ "
ولعل من سخرية القدر أن تقع أمامى رواية " الجوع " للكاتب النرويجى " كنوت هامسون " وسط هذا الصخب السماعى لأغنية " أه لو لعبت يا زهر " ، وتكتمل الملحمه عندما تصدمنى عباره على لسان بطل الروايه قائلا " لا بد أن تحسن الأحوال يوما ما " .. إنها روايه وعلى الرغم من انها تدين الحضاره الماديه التى كانت قد بدأت تدهس القيم الإنسانيه فى نهاية القرن التاسع عشر ، إلا أنها قد رسمت واقعا معاشا فى عالمنا المعاصر وبعد أكثر من مائة عام على صدور الروايه يبدوا أنها لم تكن روايه بقدر أنها كانت نبوءه لمفكر رأى أن القيم فى مجتمع مادى متوحش إنفصل أعلاه عى أسفله قد أصبحت قاسيه على الفقير الذى لا يبحث فقط عن العمل أو الغنى ولكن يبحث عن قيم إنسانيه تجمع الكل من أجل أن يحافظ على ما تبقى له من " كرامه إنسانيه" بعد أن إنزلقت قدمه لهاوية الفقر . الكاتب رسم لوحه سوداويه لمجتمع مادى قاسى من خلال شخصية بطل الروايه " الكاتب المبدع " الذى إنزلق إلى هاويه الفقر وعلى الرغم من ذلك لا تزال يده خيره على من حوله من الفقراء أو المحتاجين الذين يطلبون العون منه من خلال مشاهد قاسية الوصف لحاله الفقر التى يعيشها حتى شحب لونه وفقد ملابسه بعد أن رهنها من أجل أن يعيش ، وصولا لطرده إلى الشارع عندما فقد القدره على تسديد إيجار الغرفه ، وهو فى وسط هذا كله يحاول أن يحافظ على قيمه الإنسانيه وبعض من كرامة المفكر المبدع باحثا عن لقيمات تسد جوعه وسط هذا التناقض الإنسانى الذى لا يستقيم مع قيم الفقر وقوانينه التى إنتصرت عليه فى النهايه ولم يكن أمامه إلا أن يستقل الباخره الواقفه على رصيف الميناء وينظر إلى المدينه ربما لأخر مره قائلا " ونظرت إلى البر وودعت المدينه هذه المره ، مدينة كريستيانا حيث تسطع نوافذ كل هذه المدينه بالنور _كل هذه المساكن " . ما أقسى نهاية الروايه فعلا كل هذه المنازل والغنى ولا يجد الفقير فى أسفل المدينه ما يسد به رمقه ، ولا يجد ما يحافظ به على كرامته الإنسانيه غير الهجره عن هذه المدينه الجاحده على أبناءها ، التى تعلم سكانها الأغنياء ان لا كرامه للفقير وأن حلم الكرامه الإنسانيه وهم يتبدد تحت سياط الجوع ، وأن الإبداع سيلاقى بإنسداد الأفق لأن الغنى لا يريد تغيرا فى نمط حياته يعيد توزيع الثروه ولا الفقير قادر فى المقابل على التعاطى مع قيم الإبداع لخواء معدته التى تجعله دائما زاحفا عليها .
مابين " أه لو لعبت يا زهر" و " لا بد أن تحسن الأحوال يوما ما " ، بين الأغنيه والروايه ، تبقى الحكايه ماثله أمامنا لا لبس فيها ، حكاية إنسلاخ أعلى المجتمع عن أسفله ، مجتمع الرأسماليه التى تدهس القيم الإنسانيه لصالح ثقافة الإستهلاك البغيضه ، مجتمع فيه الفقير لا يجد قوت يومه تسحقه إحتياجاته اليوميه فى مقابل مادى زهيد لا يكفيه مما يجعله قابعا فى أقبية الفقر متسخا موحلا فى طين الذل والمهانه ، بعد أن رأى مجتمعا لا يقبل منه المشاركه ولا يقبل منه أى إبداع ، ودائما هو الملام على إقلاق راحة الأغنياء بصراخه وعويله عند المطالبه بحقوقه ومتهما بالإرهاب فى معظم الحالات
لذلك لا أجد جديدا فى محاوله فقراء بلادى الهروب إلى الخلف فهم هم الفقراء فى كل زمان ومكان الذين إنسد أمامهم الأفق ولم يعد أمامهم إلا أحلام اليقظه تغذيها أغنيه أو روايه تخفف من وطأة المعاناه اليوميه التى ضاعت من جراءها " كرامتهم الإنسانيه " والتى ضاعت صراخاتهم بها طوال خمس سنوات ماضيه أدراج الرياح والتى يبدوا أنها أقلقت مضاجع الأغنياء الذين أرجعوهم سريعا إلى وضعهم السابق .. فعودا أحمدا يا فقراء بلادى ألى مكانكم المفضل فى أسفل المجتمع ولتبحثوا عن بعضا من كرامه فى صفائح الزباله .  
إحلموا كما شئتم بأن " يلعب الزهر " أو " تتحسن الأحوال " فهذا فعل من سبقكم وليس بجديد ، ولكن الفرق بينكم وبين من سبقكم أنكم ناديتم بــ " الكرامه الإنسانيه " ، ولكن الكرامه الإنسانيه لا تاتى ببطون خاويه تدمن لعب الزهر وتدمن " سفر الهروب " إلى الخلف ، أفيقوا الكرامه أمامكم والجوع والزّهر خلفكم .. تختاروا إيه ؟؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...