الثلاثاء، 21 ديسمبر 2021

جسر النور و فقه المصالح السعوديه





بقلم / ياسر رافع

" جاءت الشريعه فى مبناها على المصالح ودرء المفاسد ، فإن المصالح مراتب فمنها الضررويات ومنها الحاجيات ومنها التحسينات ، فالضروريات تقدم على الحاجيات والحاجيات تقدم على التحسينات ، وكذلك فإن كل واحد من هذه مراتب ، ولذلك يحتاج الأمر إلى فقه دقيق وأيضا فإن المصالح والخير بتفاوت وكذلك الشر والمفاسد تتفاوت "
قد تبدو تلك الكلمات السابقه من إحدى خطب الشيخ السعودى " محمد صالح المنجد " عاديه بالنسبه لمن هم خارج المدرسه الدينيه السعوديه التى لا تؤمن بفقه الضرورات ، ولكن تصبح تلك الكلمات عاديه وفى سياقها التاريخى عندما نأخذها فى عين الإعتبار عند الحديث عن تغير السياسه السعوديه وإعتمادها إستراتيجيه جديده وغير تقليديه ، فالمملكه السعوديه تمر بلحظه تاريخيه وفاصله فى تاريخها وتاريخ المنطقه وذلك عبر إعتمادها إستراتيجيه سياسيه وإقتصاديه ودينيه تبتغى من وراءها تبوء مكانه إقليميه وعالميه تخرج بها عن السياقات التقليديه السابقه ، ولكن ما يعنينا فى تلك الإستراتيجيه هو طبيعة تلك الإستراتيجيه فى المحيط الإقليمى وهذه الطبيعه يلخصها عراب العلاقات السعوديه_الإسرائيليه " انور عشقى " فى نقاط أساسيه كالتالى :
1- تغيير النظام الإيرانى
2- إنشاء دولة كردستان الكبرى التى ستخفف من المطامع الإيرانيه والعراقيه والتركيه
3- إنشاء قوه عربيه بمباركه أمريكيه عكس الإقتراح المصرى
4- إرساء قواعد الديموقراطيه على ركائز إسلاميه
وقد يبدوا طبيعيا التحرك السياسى السعودى من خلال النقاط السابقه لتخوفها الطبيعى من قدرات الدول المحيطه بها وخاصة ذات الثقل السكانى والتاريخى ، وكذلك تماهيها مع السياسه الأمريكيه إلى أبعد الحدود ، لكن ما هى وسائل تحقيق ذلك والتى تستلزم قوه إقتصاديه وعلاقات كبرى خارج السياق التقليدى هنا يكمل " انور عشقى " حديثه فى المنتدى العالمى قائلا " إن إكتشاف حقل أوجادين سيوحد القرن الأفريقى برئاسة أثيوبيا ، وسيتم بناء جسر النور الذى يربط بين مدينة النور فى جيبوتى وبين مدينة النور فى اليمن ومنها خط سكك حديد إلى أثيوبيا "
وأردف قائلا : " إن الجسر الذى سيربط آسيا بأفريقيا سيكون أكبر جسر فى العالم وسيربط القارتين وسينعش حركة التجاره العالميه وسيحدث إزدهارا كبيرا فى أفريقيا تحت رعاية السعوديه "
إلى هنا نكتفى ببعض ملامح الإستراتيجيه السعوديه لنقف لنحدد نقطتين أساسيتين لتلك السياسه ، وهما كالتالى :
أولا : هو إعتماد المملكه أفريقيا وخاصة شرقها كبعد إستراتيجى آمن لحركتها فى مواجهة إيران وهى تتخذ كل الوسائل لتأمين سواحلها من الوجود الإيرانى المواجه لأفريقيا لذلك تأخذ الحرب فى اليمن بعدا آخر
ثانيا : إستخدام المملكه لمواردها الضخمه بأسلوب يخدم مصالحها القائمه على تعظيم الصندوق السيادى لها وذلك عبر الدخول بإستثمارات ضخمه فى مجال البترول كحقل أوجادين فى أثيوبيا والذى ينظر له على أنه إكتشاف ضخم سيحول أثيوبيا إلى دوله كبرى ، وكذلك إنشاء جسر النور الذى سيربطها بأفريقيا مما يسهل حركة التجاره .
من خلال تلك النقطتين يتضح لنا أن فقه المصالح على الطريقه السعوديه الجديده جاء عصريا جدا ومتماشيا مع مقتضيات عصر جديد لا يعتمد على العواطف ولا الروابط الإثنيه ولا الدينيه ولا العقائديه بل المصالح والمصالح فقط تعززها فتاوى وقوانين تؤهل الداخل السعودى لتقبلها ، متجاوزة بذلك مفهوم العروبه بل والجوار التقليدى عبر التدخل العسكرى المباشر كما فى اليمن ،
لقد مارست السعوديه فعل المصلحه دون النظر إلى مصالح الأخرين فى صلف وغرور وأثبتت أنها تغرد خارج السرب ، فمجرد تحالفها مع اثيوبيا فى حقل أوجادين يثبت يقينا أنها قد تجاوزت كل الأعراف على الأقل العربيه حيث أن إقليم أوجادين هو إقليم متنازع عليه بين الصومال العربيه وأثيوبيا التى تحتله وبهذا تكون السعوديه قد ساعدت على ضياع حق الصومال فى إستعادته مستقبلا فى مقابل عدم ضياعها هى أمام إيران ، وكذلك جسر النور الذى يحمل دلالات أكثر من كونه إسم مدينه وإنما لأنه يعتبر بمثابة طاقة نور فى نهاية نفق مظلم من التهديدات الإيرانيه حيث سيوفر هذا الجسر الحمايه والمتنفث لها ، حيث يمر بدولة جيبوتى التى يوجد بها قواعد عسكريه غربيه وإسرائيليه وايضا سعوديه والتى تبغى من خلاله المملكه أن يكون لها تواجد قوى فى البحر الأحمر .
إن لغة المصالح السعوديه الجديده والتى تجاوزت كل الخطوط الحمراء فى العلاقات الإقليميه والتى تستثمر إنشغال قوى التاثير العربى والجوار فى الحرب الأهليه العراقيه والسوريه  ، لهذا لا يبدوا غريبا قلق الهند من محاولة السعوديه شراء جزر فى دولة المالديف حيث إعتبرته مقدمه لنفوذ متنامى يساعد على إنتشار الأصوليه إعتمادا على فكرة " الديموقراطيه الإسلاميه السعوديه " ..  وأيضا فتور فى العلاقات تبعه أزمه مكتومه بين السعوديه ومصر على خلفية تنامى النفوذ السعودى على حساب المصالح المصريه والتى تعتبر حياه أو موت مثل سد النهضه فى أثيوبيا ، عقب الرفض الشعبى المصرى للتنازل على جزيرتى تيران وصنافير لصالح إنشاء " جسر الملك سلمان " والذى ربما تم الإستغناء عنه لصالح جسر النور ..
أيها الساده القائمين على الحكم فى مصر يجب علينا أن ننتهج نهجا جديدا للدخول إلى عالم جديد قائم على المصالح المصريه فى المقام الأول ، عبر البحث عن إستراتيجيه جديده أبرز ما فيها إعادة تعريف معنى الأمن القومى وحدوده عسكريا وسياسيا  وإعادة تهيئة الشارع المصرى لقبول فكرة المصالح بعيدا عن العواطف والمصطلحات الكبيره التى لا تسمن ولا تغنى من جوع .. إيران فعلت وكذلك تركيا وهاهى الأن السعوديه .
فقه المصالح السعوديه حتما سيتعارض مع فقه مصرى يحتاج إلى تطوير ، ويجب ألا ننتظر حتى يأتى يوم نكون فيه تابعين وناخذ التعليمات من الرياض .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...