السبت، 18 ديسمبر 2021

الشعب عاوز ياكل




بقلم / ياسر رافع

وسط المشهد الرأسى لميدان التحرير وكافة ميادين مصر كانت تقف ملايين الناس تهتف بسقوط نظام مبارك العتيد ، رافعه شعار " عيش _ حريه _ عداله إجتماعيه " ، شعار لخص حاله مجتمع وصل إلى حالة إحتقان نتيجة شيوع الأزمه الإقتصاديه التى أدى إلى صعوبه الحياه ( العيش ) والتفاوت الطبقى الحاد ونسب البطاله العاليه بين الشباب فى مصر والتى نسفت مبدأ ( العداله الإجتماعيه ) ناهيك عن تكبيل واضح للحريات (الحريه ) ومع إنتصار الشعب بسقوط نظام مبارك ومجئ نظام الإخوان المسلمين إلا إستعجال الشعب للوفاء بمتطلبات شعارالمبادئ الذى رفعه جعله يدخل فى صدام مع النظام الجديد مدعوما بقوى سياسيه والمؤسسه العسكريه ، حتى تم إسقاط ذاك النظام وسط فرحه عارمه ظنا بأنه هو من كان يقف ضد تحقيق مبادئ الثوره الثلاثه . لكن بنظره بسيطه لتركيبة الشعار نجد أنه وعلى الرغم من دغدغته للشعور العام لدى الشعب مثل " العيش " الذى يمثل رمزية الحد الأدنى للحياه اليوميه للمواطن المصرى ، و" الحريه " التى تمثل يقينا حرية التعبير والتحرر من تسلط الأله الأمنيه التى أزلته ، و" العداله الإجتماعيه " التى يقينا لم يراها طوال تاريخه القديم والحديث ولكنه يريدها على طريقة المساواة الإجتماعيه المستحيله ، إلا أن الشعب لم يحدد ألية تحقيق ذلك الشعار ولا النظام السياسى والإقتصادى الذى يحقق له ما أراد .. بل ترك كل ذلك ورجع مستكينا لمخادع نومه ..
ومع مرور أكثر من عامين على 30 يونيو وإستكمال خارطة الطريق الثلاثيه " دستور _ ورئاسه _ وبرلمان " هل تحقق شئ من مبادئ الشعار ؟ أم حدثت إنتكاسه للمسار الذى أراده الشعب فى 25 يناير ؟
أعتقد أننا ما زلنا نراوح مكاننا ، فتبنى الدوله الجديده للنظام الإقتصادى الرأسمالى جعل الحياة الإقتصاديه ( العيش) صعبه على الرغم من تبنيها سياسه تموينيه شبه مجانيه للحيلوله دون تفاقم الأوضاع لدى قطاع واسع من الشعب ، وسياسه أمنيه وافق عليها الشعب لتكون موجهه لقوى الإرهاب الأسود لكن ممارسات الأله الأمنيه جعلت ( الحريه ) محل شك الأمر الذى يضع رأس النظام فى إحراج مع تصريحاته التى تتكلم عن كرامة المواطن  .. ومع إزدياد معدلات البطاله عما كانت عليه وقت إندلاع الثوره وسياسة التدليل الواضحه للطبقه الأغنى جعل مبدأ ( العداله الإجتماعيه ) حلم تبدد على أعتاب القصور والمنتجعات بعد أن  " سقط دعاة المساواة الإجتماعيه من الإشتراكيين واليساريين مما أدى إلى تشويه مفهوم العداله الإجتماعيه وتقدمت فكرة شرعية عدم المساواة جزئيا " 
وأعتقد أن النظام يعانى أزمه الإضطرار إلى تبنى النظام الرأسمالى المفروض عليه خارجيا أملا فى تحقيق العداله الإجتماعيه التى تحقق العيش الكريم والحريه للشعب ،ولكنه وقع أسيرا لتساؤل كبير كان مقدمة لكتاب " الرأسماليه أم الديموقراطيه _ خيار القرن الواحد والعشرين " للكاتب الفرنسى " مارك فلورباييه "  وهو " فى الوقت الذى تبسط فيه الرأسماليه المظفره سيطرتها على الأمم هل مازال بإستطاعتنا الأمل والتصور لتطور إجتماعى حقيقى ؟؟ " وهنا وبعد قراءة الكتاب كاملا نجد أن الكاتب وضع حلا لهذا التساؤل قائلا " يعتمد ذلك على الإمكانيات الإقتصاديه والقانونيه لتطور الديموقراطيه بشكل خاص داخل المؤسسات وعلى التحرك الإجتماعى والسياسى الذى يستطيع العمل لصالح هذه الفكره " .. أى أنه يسلم جدلا بأنه وإن كانت الرأسماليه حلا لا مناص منه ، فإن الديموقراطيه بأدواتها السياسيه قادرة على كبح جماح الرأسماليه نتيجة نظام سياسى قوى وفاعل يجعل التغيير الجماهيرى يتم ضمن أليه محدده بعيده عن التصورات الإشتراكيه .. ولكنه لا يضمن  فى المقابل تحقيق العداله الإجتماعيه بمنطق المساواة التى تنادى بها الأحزاب اليساريه ، أى اننا سنكون مضطرين لتبنى أليه ما يعرف " الطريق الثالث " لإحداث ما يعرف " بالديموقراطيه الإجتماعيه " ..
ولكن هل سينتظر الشعب حتى تتحقق للدوله كامل تصوراتها للتغيير ؟ و إلى متى سيتحمل فاتورة الإصلاح الإقتصادى فى ظل نظام يتبى رؤي رأسماليه غير مكتمله ؟
أعتقد أن صبر الشعب قد قارب على النفاد ، خصوصا مع عدم إحداث تغيير جذرى فى منظومه ( العيش _ الحريه_ العداله الإجتماعيه ) .. ربما لأنه أخطأ عندما جعل حد الكفاف ( العيش ) هو أول مبادئه الثوريه .. لكنى فى المقابل أرى أن عدم التقدم فى مفهوم ( الحريه ) و ( العداله الإجتماعيه ) قد يعطى مبررا أخر للخروج للشوراع ، ولن تجدى الأعذار بالحرب على الإرهاب والحرب على الحدود أمام جماهير تريد أن تأكل ..
الشعب " عاوز ياكل " .. ولن يتنظر التجارب الرأسماليه فيه ، ولا العداله الإجتماعيه التى ستأتى من ديموقراطيه ولدت ميته ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...