بقلم / ياسر رافع
" تسعة أعشار النصب فى التجاره " جملة مثلت نهاية حوار ورجاء من صديق _ أعتز كثيرا به _ بأن تكون محور لمقال جديد ، وعلى الرغم من توافقها مع طبيعة الحوار الذى طال نواحى التلاعب والغش فى المنظومه الرأسماليه العالميه ، إلا أنها إصطدمت بما حفظته الذاكره لنص دينى مشابه عن الرسول ( ص ) " تسعة أعشار الرزق فى التجاره " وهو ما جعلنى أتردد قليلا فى الكتابه حيث أن الإصطدام بالثوابت الدينيه فى مجتمع شرقى يقدس النصوص لهو أشبه بالعبث بقنبله نوويه ، خصوصا وأن النصوص تحميها فى الظاهر المؤسسه الدينيه ، ولكن فى الباطن تحميها قوة السلطه والمال التى تريد بقاءا طويلا فى الحكم ، وهو ما إستدعى منى البحث عن صحة هذا النص فوجدت أن هناك إجماع على ضعف إسناده " لجهالة نعيم بن عبد الرحمن " قائله . هنا وجدت أن " تسعة أعشار النصب فى التجارة " مدخلا كبيرا للحديث عن تيار واسع بدأ يكتسح الساحه العربيه ومبشرا بزمن " الليبراليه الجديده " والتى كانت محور لكتاب " الربح فوق الشعب _ الليبراليه الجديده والنظام العولمى " لـ " نعوم تشومسكى " ، والذى عرفها بأنها " هى النموذج السياسى والإقتصادى ، وهى تتعلق بالسياسات والعمليات التى تتيح لحفنه من الشركات الخاصه السيطره على أكبر حيز ممكن من الحياة الإجتماعيه كى يتم تحقيق أقصى الأرباح " وتؤدى إلى " زياده هائله فى عدم المساواة الإجتماعيه والإقتصاديه ، وزياده ملحوظه فى شد الحرمان .. " .. تحميها سلطه تؤمن بما قاله " ميلتون فريدمان " فى كتابه " الرأسماليه والحريه " " بأن جنى الأرباح هو جوهر الديموقراطيه ، وعليه فإن أى حكومه تتنتهج سياسات معاديه للسوق هى حكومه معاديه للديموقراطيه "هكذا لخصت " الليبراليه الجديده " نفسها فى تحقيق الربح أيا كانت الوسيله ، حتى ولو كانت على حساب المساواة الإجتماعيه والإقتصاديه التى ستجعل الناس فى فقر وعوز ، وهو ما دعا كثير من الدول إلى رفضها ووضعوا نظاما حكوميا يتيح للدوله أن تكون منافسا للرأسماليه داخل المجتمع وذلك لصالح الشعب ، ورفضا لكامل النموذج الأمريكى الرأسمالى ، مثل اليابان وتايوان ومجموعة النمور الأسيويه ، مما جعلهم يحققون طفرات إقتصاديه كبيره رفعت من مستوى المساواه الإجتماعيه والإقتصاديه بين طبقات شعوبهم .
ولكن ماذا عن منطقتنا العربيه هل طالتها الليبراليه الجديده ؟ يبدوا أننا تعدينا تلك المرحله فـ " الليبراليه الجديده " أصبحت واقعا ملموسا لا مراء فى ذلك ، فهى التى قادت الحرب على العراق 2003 ومارست فعلها الإقتصادى الخبيث الذى أسلم العراق لمرحله من النهب المنظم لم يسبق لها مثيل فى تاريخ أى دوله ، وهى التى تظهر بطريقه أو أخرى منذ تسعينيات القرن العشرين وبعد حرب " تحرير الكويت " عن طريق روشته إصلاح لـ " صندوق النقد الدولى " ممثله فى سياسات " الخصخصه " ذاك النهج المعبر عن الليبراليه الجديده المعروف بــ" التاتشريه _ الريجينيه " نسبة لدعاتها البارزين رئيسة الوزراء البريطانيه والرئيس الأمريكى _ السابقين _ ، والتى عبرت أيضا عن ضعف واضح للدول العربيه أمام الأله العسكريه الغربيه الحاميه لليبراليه الجديده ، والتى رات أن التماهى مع النظام الرأسمالى الغربى هو الحل الأكيد لخروج تلك الدول مما تعانيه من أزمات إقتصاديه وإجتماعيه ، وأصبح الحديث علنا سواء من دعاتها من رجال الأعمال وصولا لمسئولى الحكم فى تلك الدول ، وخاصة بعد ثورات الربيع العربى والذى ظهر جليا أنه كانت مناسبه لفرض الليبراليه الجديده اسلوبها كحاكم ومخرج أساسى للمنطقه من عثرتها الإقتصاديه ، وهو ما لم نستغربه فى إنتهاج حكومات ما بعد تلك الثورات النموذج الرأسمالى كحل وحيد ، وإعتمادها سياسات تقشف قائمه على التحرر من سياسات الدعم الحكومى المقدمه للشعب ، كمقدمه للنهوض الإقتصادى حسبما بشرت به " الليبراليه الجديده " . وأصبح طابور الداخلين فى نطاق " الليبراليه الجديده " طويلا ، بدأ بالعراق وحديثا الخليج العربى ، والذى بدأ يتبع سياسات تقشف وخفض للدعم الحكومى تمهيدا لدخوله نادى " التاتشريه_الريجينيه " ، كما بشر بها ولى ولى العهد السعودى " محمد بن سلمان " فى حديثه مع مجلة " الإيكونوميست " ..
وهل نحن مجبرين على إتباع تلك السياسه ؟ أظن أن الإجابه للأسف " نعم " ، فنحن فى أضعف حالتنا العسكريه والإقتصاديه والإجتماعيه ، ناهيك عن فقدان الإستقلال الوطنى بدرجة أو بأخرى ، وعليه فتنفيذ الإملاءات الغربيه ومنها الإقتصاديه أصبحت مخرجا ملائما للحكومات العربيه من تلك المأزق .
وماذا عن مصر ؟ إن مصر ليست حدثا منفردا عما يجرى فى المنطقه العربيه ، بل هى قطعت شوطا كبيرا فى تطبيق نموذج " التاتشريه _ الريجينيه " المعروف إعلاميا فى مصر " بالخصخصه " منذ تسعينيات القرن الماضى والذى كان سببا لإندلاع ثورة 25 يناير ، لإهماله جانب المساواة الإجتماعيه والإقتصاديه فى المجتمع وظهور طبقه رأسماليه برعايه فاسده جعلت من الربح والتجاره تسعة الأعشار النهب ، والعشر المتبقى يبحث عنه الشعب فى" صفائح الزباله " وسط طوابير لا متناهيه للبطاله بين صفوف الشباب ، ويبدوا أن الوضع لم يتغير كثيرا بعد مرور 5 سنوات من عمر الثوره ، فهناك إصرار واضح على المضى فى تطبيق سياسات التقشف ورفع الدعم الحكومى نهائيا كمخرج من الأزمه الإقتصاديه طبقا لشروط " الليبراليه الجديده " دون وضوح لرؤيه إقتصاديه محدده توضح سلوك الدوله الإقتصادى ، هل ستتبع نموذج دول شرق أسيا فى النهوض الإقتصادى القائم على تدخل الدوله كمنافس فى النشاط الإقتصادى والذى أدى إلى نهضة دوله ؟ أم النموذج الجنوب أمريكى الذى ترك الليبراليه الجديده تعيث فسادا وإفقارا لدوله ؟ .. الإجابه متروكه للدوله لتجيب عن تلك التساؤلات المشروعه التى يطرحها الشارع بعيدا عن إستخدام لغه دينيه تبريريه حتما سيلجأ لها النظام السياسى إذا أراد أن يمضى قدما فى تلك السياسه ضاربا بعرض الحائط بكل التحذيرات من " الليبراليه الجديده " والتى لن تنفعه حين تزداد حالات عدم المساواه الإقتصاديه والإجتماعيه حتى لو كان النص الدينى المقدس صحيحا وليس ضعيفا ، فالفقر والجوع تسقط أمامهما كل النصوص والربح لن يكون أبدا فوق الشعب دون مراعاة المساواه الإقتصاديه والإجتماعيه ..
فهل هناك من يسمع ويعى ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه