الثلاثاء، 21 ديسمبر 2021

قارون فى البحيره





بقلم / ياسر رافع

قال تعالى " ولقد أرسلنا موسى بأياتنا وسلطان مبين (33) إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب (34) فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا أقتلوا أبناء الذين أمنوا معه وأستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا فى ضلال (25) " .. سورة ( غافر )
إن علاقة المال بالسلطه هى علاقه أزليه ، قديمه قدم التاريخ البشرى ، وهى علاقه حاكمه وتكاد تكون السائده للدرجه التى عندها نستطيع ان نقول أنها علاقه قادت التاريخ البشرى بلا منافس ، وعلى الرغم من التطور البشرى بدأ من الرسالات السماويه وحتى ذروة التطور البشرى الأن إلا ان هذا التطور والذى حمل فى طياته تعاليم السماء لم ينجح فى فك شيفرة العلاقه بين المال والسلطه أو أن يغير قواعدها الراسخه  ، حتى وإن إنتزع منها حقوقا للفقراء ومميزات لا تخطئها العين ، ذلك لأن تلك العلاقه إستطاعت طوال تاريخها أن تتاقلم مع كل المستجدات والمتغيرات الحادثه ، فهى التى طوعت الأيدولوجيات لصالحها وتماهت مع المحتوى الدينى للرسالات السماويه حتى تمكنت من السيطره فى النهايه على ثورات الفقراء وقضت على أحلام المساواه والعداله الإجتماعيه على مدار التاريخ . ولكن لماذا إستمرت تلك العلاقه فى تفوقها على الرغم من نزول الرسالات السماويه التى تدعوا إلى المساواة ، وكفاح البشريه المستمد من عذابات التمايز الطبقى والعبوديه حتى تنال ولو جزء بسيط من حريتها مقابل السلطه ورأس المال ؟؟
الإجابه تكمن فى زياره إيمانيه فى رحاب القرأن الكريم ، وخاصة فى قصة سيدنا (موسى ) والتى يقرأها الجميع تقريبا على أنها علاقه جدليه بين نبى وطاغيه كافر فى تفكير أحادى يتناسى _ ربما عمدا _ طرف المعادله الأزليه الأخر وهو المال ، والذى مثله " قارون" ، فسيدنا موسى وكما أخبرنا القرأن الكريم أرسل إلى طرفى المعادله الأزليه ( السلطه _المال ) وهم ( فرعون وهامان سلطه _ قارون المال )
وعلى الرغم من الإشارات الربانيه بأن علاقه المال بالسلطه هى علاقة مفسده حتى للمؤمنين الموحدين  ، وعلى الرغم من النهايه الربانيه لفرعون بالغرق (سلطه) وبالخسف لقارون ( مال ) إلا أن هناك تعمد مزرى لفصل جانب المال عن السلطه وجعله هامشيا من قبل الدعاه الدينين وكأنهم لم يفهموا أو يتعمدوا عدم الإشاره لموقف قوم موسى عندما خرج عليهم قارون فى زينتهم فقالوا " يا ليت لنا مثل ما اوتى قارون إنه لذو حظ عظيم " والذى أظهر الجانب السيئ للمال عندما تدعمه السلطه فى نفوس المؤمنين  حتى لا تكون هناك ثورات على تلك العلاقه والتى ستقضى حتما على مصالحهم هم أيضا .. وبالرغم من أن النهايه المأسويه لعلاقة السلطه بالمال فى قصة سيدنا موسى فى مصر مثلت قرار ربانيا بالغرق والخسف ، إلا أن تلك العلاقه طورت نفسها بعد ذلك على مدار التاريخ لتأخذ من فقهاء الرسالات السماويه خط دفاع أمام ثورات الفقراء ، الذين يبذلون محاولات دؤوبه ومستمره لتذكير الناس بعذابات ونعيم الأخره دون المساس ولو لمره واحده بعلاقة السلطه بالمال فى محاوله لإلهاء الناس عن المطالبه بحقوقها التى وهبها لها الله فى الدنيا قبل الأخره ، متعمدين الإلتفاف حول الأيات والأحاديث التى تذكر تلك العلاقه مذكرين ومبشرين الفقراء دائما بأن لهم الجنه
لقد تطور " قارون " كثيرا عبر التاريخ فقد فهم العلاقه بين المال والسلطه جيدا، فلم يقف كثيرا عند أنماط ثابته للمال بل إتخذ أشكالا متعدده يعلم يقينا أنها ستنجح فى إقناع الفقراء بسلامة موقفه ، وكذلك فى خلط المفاهيم عند قله من المؤمنين ، كل ذلك مغلف بإطار دينى مفرغ من مضمونه ورسالته الأساسيه . فهو يعلم يقينا أن البحيره التى خسف تحتها قديما أصبحت لدى المصريين مجرد مساحة ماء يصطاد فيها الفقراء والحالمين بمجتمع مساواه لن يجد طريقه للتحقق فى المدى المنظور ، ولم يستوعبوا الدرس الإلهى وتشاغلوا بعلاقة النبى بالفرعون ، وتركوا قارون يكون ثروات تلو الأخرى حتى توحش منذ أن خرج من البحيره ،
 وعلى الرغم من أن المصريين قاموا بثوره فى 25 يناير إلا أنهم لم يستطيعوا فصل علاقه المال بالسلطه حتى وإن أطاحوا بالفرعون ، لأن قارون تحول إلى وحش أسطورى فى المنتجعات التى تحيط بها الأسوار العاليه والتى تحميه من هدير أصوات الفقراء والذي يعلم يقينا من أنهم لن يصلوا إليه كما لم يصلوا قديما .
إن نجاة قارون من الخسف تحت بحيرة 25 يناير حديثا ينذر بعواقب وخيمه فى ظل تنامى العلاقه بين السلطه والمال ، وأن إستمرار العلاقه على نمطها السابق دون مراعاة لمطالب الفقراء الذين لم تعد تجدى معهم أحلامهم بأن يكون لديهم مثل ما عند قارون بعدما طحنتهم الأزمه الإقتصاديه ، فإن هذا سيكون بدايه لسيادة مبدأ الماء فى الغرق والخسف ، وسنبدأ من جديد ..
ولكن يبقى لى سؤال لم أجد له إجابه ، لماذا سمح المصريون لقارون بأن يخرج من البحيره ؟   

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...