بقلم / ياسر رافع
هناك قصة رمزية مستمدة من الأدب الصيني وهي قصة “سيد القرود”: تحكى أن رجلاً عجوزاً احتجز عدداً كبيراً من القرود ووضعهم في حظيرة كبيرة وطلب من كبيرهم أن يقودهم في كل صباح ليقطفوا الفواكه من أشجار الغابة ويعطوه العشر، وكل من يخالف هذه القاعدة كان يتعرض لعقوبة الجلد. الكل كان يعاني بصمت ولم يعترض أحد. ذات يوم سأل قرد صغير بقية القرود: هل الرجل العجوز هو من زرع أشجار الفواكه هذه؟ أجابه القرود: إنها تنمو لوحدها بشكل طبيعي. سأل الصغير: هل يمكننا أن نجني الفواكه من دون أن نأخذ إذن الرجل العجوز؟ أجابه القرود: نعم. تابع القرد الصغير: إذاً لماذا يجب علينا الاعتماد على العجوز وخدمته؟
فجأة شعر القرود وكأنهم استيقظوا من نوم طويل!
وفي نفس الليلة هجم القرود على سياج الحظيرة فحطموه وأخذوا من المخزن كل الفواكه
التي جمعها منهم الرجل العجوز ثم انطلقوا إلى الغابة وتركوا العجوز لوحده ليموت من
الجوع!
قصه موحيه إتخذها
البعض إبان الثوره المصريه فى 25 يناير كمثال حى على تمرد الشعب المصرى وتحوله من
ثقافة العبيد المطيعه إلى ثقافة الأحرار الذين ينشدون الحريه بمعانيها الكامله ، ولكنهم
فى غمرة الفرحه بزوال نظام مبارك لم يلتفتوا إلى حوار " القرد الصغير "
وأنه هو الذى بدأ الحوار مع من هم أكبر منه سنا إعتادوا العبوديه ، وهو الذى
أقنعهم بالتمرد والهروب من قيد العبوديه ، فى إشاره واضحه لدور الشباب الواعى
المثقف فى التمرد على القيود والأغلال التى تقيد حركة المجتمع نحو التطور
والإنتقال من طور العبوديه إلى أفاق اكثر رحابه لا يوجد فيها سيد ولا عبد ، فى
إطار مجتمع حر يسع الجميع .
ولكن وبعد أكثر من أربع سنوات يبدوا أن هناك من لا يريد أفاقا جديده ويسير عكس
توجهات الثوره المصريه ، ونراه يريد تأطير شباب المجتمع ضمن منظومه تعليميه غريبه يراد بها صياغة المجتمع ككل وتوجيهه إلى حظيرة
القرود مرة أخرى ، فى الوقت الذى يتم الترويج فى وسائل الإعلام على توجه الدوله
نحو تبنى سياسة الإقتصاد الحر ، والذى يقتضى سياسة تعليم تعتمد ثقافة الحريه
والإبداع ، لا القيود والأطر العقيمه .
هذا فى الوقت الذى تعلن وزراة التربيه والتعليم عن إستراتيجيه جديده أطلقت عليها
إسما غريبا وهو " الأمن الفكرى " ، " معتبرة
أنها ضرورة ملحة تفرضها علينا الظروف الراهنة وذلك للعمل على حماية أولادنا وصيانة
فكرهم من كافة أنواع الغزو الثقافي الهدام الذي قد يتعرضون له من خلال وسائل
الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي
" و " مشيرة إلى
أنها تسير على خطة تدريجية تبدأ بنشر ثقافة الأمن الفكري فى المدارس ومرورا
بممارسة أنشطة من خلال نواد للأمن الفكري تدعم ذلك المشروع انتهاء بتضمين ذلك في
المناهج في مرحلة لاحقة بصورة عامة دعما للمواطنة والانتماء واحترام القانون وحق
الاختلاف فى جو من التفاهم المشترك "
..
يالله إلى هذا الحد وصلنا
بالتفكير بعد ثوره عظيمه كثورة 25 يناير ، " أمن فكرى " و " نواد
للأمن الفكرى " من هذا الذى يريد بهذا المجتمع أن يصل إلى هذا المستوى من
الإنحدار الثقافى والفكرى وصولا لمجتمع من القرود ، والتى يراد بتطبيقها على طلاب
المدارس ما قبل المستوى الجامعى حيث " ترتبط
بتنمية مكونات الأمن الفكري خلال المناهج الدراسية بعد ضمان بناء قدرات المعلمين
وبناء الوعي العام داخل المدرسة وخارجها حول مفاهيم ومكونات الأمن الفكري "
يا من فكرتم فى هذه الإستراتيجيه يبدوا أنكم قد قررتم أنكم مخاصمون للحريه
والإبداع ومجتمع جديد يريد أن يتخلص من
لغة الأطر الجاهزه ، فالفكر الحر هو فعل مخاصم للغة الأمن بكل مفرداته ولا يجب
التدخل فى حركته بعيدا عن لغة التلقين التى تذكرنا بالتجربه الستالينيه فى روسيا .
نحن فى زمنا جديدا حرا يحمل بين طياته
أفاقا جديده للحريه ، ولا نريد العوده إلى الوراء عشرات السنين ، وإذا أردتم حماية
المجتمع من الأفكار الهدامه لصالح أفكارا معتدله وحره ، فالأفكار الحره قادره على
دحر تلك الأفكار الهدامه مع توفير مناخ حر يضمن الحريه الشخصيه والعامه ، لذلك فقد
خانكم التعبير والتوصيف فمصطلح " الأمن الفكرى " و " نواد الأمن
الفكرى " سيزيد الإحتقان حتى ولو نال قسطا من التوفيق فى التطبيق ..
إنه مصطلح سيئ السمعه ويلتحق بمصطلح " الثوره الدينيه " الذى جرى تغييره
بـــ " تجديد الخطاب الدينى " بعدما أثار لغطا كبيرا لإحتوائه على أليات
الصدام بين مكونات المجتمع ككل .. وهذا ما حذرنا منه سابقا ، وها نحن نحذر مرة
أخرى فمصطلح " إستراتيجية الأمن الفكرى " مصطلح ملغوم وخطر ، ناهيك عن
تطبيقه
إذا أردتم حماية أطفالنا وشبابنا من الأفكار الهدامه فالسبيل الوحيد هو الحريه ،
وتذكروا أن القرد الصغير لن يتوانى فى طلبه للحريه مهما طال الزمن .. الشباب يريد
من يسمعه لا من يأطره ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه