بقلم / ياسر رافع
لن ينسى التاريخ ولا الذين عايشوا فتره المقاومه ضد المستعمر الفرنسى فى الجزائر ذاك المشهد الرهيب الذى تظهر فيه المناضله الجزائريه " يمينه الشايب " المشهوره بإسم " زليخه عدى " وهى مربوطه فى عربه عسكريه فرنسيه مسحوله بطول وعرض شوارع الجزائر العاصمه تنكيلا وتعذيبا لتلك المقاومه البطله بعدما ذبحوا زوجها وإبنها ، وذلك فى محاوله لإذلالها وإذلال شعب مقاوم بطل وقتل روحه المعنويه ، وبعد عملية السحل قرروا قتلها بطريقه بشعه بأن ربطوا أوصالها ثم قذفوا بها من على طائره هليوكيبتر ، لتقع جثه تلك البطله مهشمه محطمه الأوصال ، ولكنها كانت لبنه فى بناء جديد صلب ، صهرت فيه الأجساد لحما ودما بتراب الجزائر العطر ليصنع مستقبلا جديدا ، كان من نتيجته أن أعلن " عبد العزيز بوتفليقه " الشاب ذو الخمسة والعشرين ربيعا وزيرا " للشباب والرياضه والسياحه " وذلك بعد وفاة المناضله " زليخه " بخمس سنوات فقط وإنتصار نضال الشعب الجزائرى البطل .وبعد ستون عاما على قذف " زليخه " من الطائره وسقوطها ميته والتى بموتها تغير وجه الجزائر وأرتفعت رايات الحريه ، وفى مشهد بائس يجعلنا نتحسر على نضال تلك المناضله ومن وراءها نضال شعب متلاطم ، يتقدم ذاك الشاب المفعم بالحيويه والنشاط القادم من عمق تاريخ النضال الجزائرى والرمز الوطنى الكبير ولكنه يتقدم مدفوعا على كرسى متحرك وقد بلغ من الكبر عتيا فى أقوى مثال على مخاصمة المستقبل ومقاومة التغيير تحت لافته كبيره للحزب الحاكم " أننا سنحكم لمائة عام قادمه " ، ليدلى بصوته فى الإنتخابات التشريعيه الجزائريه كرئيس عاجز عن الحركه والتغيير .
ما الذى حدث لذلك الشاب المفعم بالحيويه المؤمن بالتغيير وكافح من أجل المستقبل المحمول على أعناق الجزائريين الذين تزين ملابسهم دماء " زليخه" فى الماضى ويأتى اليوم مقعدا مدفوعا بقوى غير مرغوب فيها شعبيا لا تؤمن بـ " زليخه " ولا نضالها تؤمن بمصالحها فقط ؟
إن ما يحدث فى الجزائر ليس إلا صوره مصغره لفشل الدوله الوطنيه الحديثه فى بلادنا العربيه عن مواكبة الحدث والتغيير الناتج عن كفاحها فى البدايات ، دوله سرعان ما إلتحقت بطائرة الهليوكيبتر التى قذفت بالمناضله " زليخه " ونسيت المستقبل وضروراته ، ولم يفكروا أن يبحثوا عن جثة " زليخه " بعد سقوطها لأنهم صعدوا إلى الأعلى وأصبحوا حكاما يمارسون الحكم ونسوا الكفاح ، ولم يعثر على " زليخه " إلا رجلا جزائريا بسيطا رأى جثه تسقط من السماء مهشمه محطمه فقام بدفنها وتكريمها ولم يدرى أنه أعطى رمزيه على دفن الحلم حتى وإن تحقق مرحليا ، وبعد سبعة وعشرين عاما عرف الجزائريين أين دفنت جثة البطله ..
إن الإنتخابات الجزائريه الأخيره تحمل دلالات كثيره أهمها أن من يخاصمون الزمن إنما يخاصمون حلم شعوب تطلب التغيير ويقومون بأفعال وأقوال تخاصم منطق العقل والزمن ، ومن أسافى الزمن الأغبر أن يقوم " بوتفليه " بتأييد المرشح الشاب " ماكرون " فى الإنتخابات الفرنسيه ،
يا الله .. " زليخه " ومن على شاكلتها لم يكونوا يتوقعون هذا المشهد المزرى ، شباب ثورتهم الذين ضحوا من أجل أن يتصدروا المشهد والمستقبل فعلوا نفس فعل من سبقهم تمسكوا بالسلطه ولم يبرحوها حتى اصبحوا شيوخا لا يريدون أن يتركوا المشهد إلا جثثا ملفوفه فى أعلام وهم الثوره والنضال ..
إذا : هل المشكله فى الجزائر أنها تحكم بعواجيز ثوريه أم فى فرنسا التى تحكم بشاب ؟
المشكله ليست فيمن يتولى أكان شابا أم عجوزا ولكن الأهم فى نظرى هو حيوية الدوله ، هناك دوله تخاصم المستقبل فحتما ستجد نموذج بوتفليقه ، ودوله تملك رؤيه لزمن قادم وحتما ستجد نموذج " ماكرون " .. إن بلادنا العربيه لا تتمتع بالحيويه لا يوجد فيها تواصل ولا إتصال ، دولا عفا عنها الزمن وأصبحت من الدول " المتحفيه " مليئه بنماذج بوتفليقه لا زالت تتخذ من صورة " زليخه " رصيدا مستنزفا لإستمرارها ، الشعب وزليخه فى جانب والسلطه وأصحاب الطائره الهليوكيبتر فى جانب آخر ..
لذلك لا تعجبوا أن يكون تصويت " بوتفليقه " فى صندوق الإنتخابات فهو ما زال يعتقد أن رصيد " زليخه " قابل للإستهلاك كما الماضى ولا يدرى أن الزمن تغير وأن آليات المستقبل تتختلف عما سبق ..
المستقبل لمن يريده بغض النظر عمن يحكم .. وليس إعلانا لكفاح " زليخه " ، ولا تجهدوا أنفسكم كثيرا فى المقارنه بين إنتخابات الجزائر وإنتخابات فرنسا .. فالفارق كبير بين الماضى والمستقبل .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه