الأربعاء، 22 ديسمبر 2021

الجيش والإسلاميون .. النموذج التركى والإيرانى


 


بقلم / ياسر رافع

الجغرافيا والتاريخ والشعب ، محددات رئيسيه لمحاولة فهم السياسه العامه لأى دوله دونما الخوض فى تفاصيل فرعيه حتما تصب فى مصلحة تلك المحاوله لكنها لا تعنى بالضروره إلا المقيمين فى تلك الدوله ،
ومن هذا المنطلق يمكن محاولة فهم العلاقه بين الجيش والإسلاميين فى كلا من تركيا وإيران اللتان يحكمهما تيار إسلامى حركى فى تناغم تام مع الجيش وهو فى عرف الأدبيات السياسيه عمل خارج عن المألوف ، وهو أمرا يدعوا  للتساؤل : لماذا لم يخرج الجيش فى هاتين الدولتين على تلك الحكومتين ؟ ولماذا يؤيد قرارتهما ؟ ولماذا لا يسمح بأى خروج عليهما ؟ ..
 للإجابه على تلك الأسئله سأجعل تعريف الأمن القومى لـــ " فريدريك هارتمان " هو المعيار للحكم على تلك العلاقه حيث عرف الأمن القومى على أنه " هو محصلة المصالح القوميه الحيويه للدوله " .
" المصالح الحيويه " هو مكمن العلاقه بين الجيش والإسلاميين ، حيث ينظر الجيش إلى نفسه على أنه مالك القوه ومحتكرها وهو مخزن التجربه الوحيد حتى وإن تغيرت الأنظمه الحاكمه ، وهو صاحب الخبره التاريخيه التى ليس عليها غبار فى التعاطى مع المساحه الجغرافيه للمحيط الإقليمى وهو القادر على تعريف الأمن القومى وحمايته ، لهذا فإنه ينظر لكل من يتولى السلطه من المدنيين بعين من التوجس والريبه حتى تزول تلك الهواجس ويحدث التناغم عندما تتلاقى الأهداف العامه لكليهما ويصبح منظورهما للحدث العام واحد ،
وبنظرة بسيطه على حدود الحركه الخارجيه للدوله التركيه والإيرانيه  ، المحدده جغرافيا وتاريخيا وشعبيا ، سنجد أننا أمام عملية تناغم لا تختلف عن سابقتها فى حكم تركيا ما بعد تولى " كمال أتاتورك " للسلطه وحتى تولى حزب الحريه والعداله الإسلامى السنى للسلطه ، وكذلك لا تختلف فى الحاله الإيرانيه فى حكم الشاه وفى حكم الملالى الإسلامى الشيعى  ، فبعد قيام ثورات الربيع العربى 2011 وإنهيار ما تبقى من النظام القومى العربى ، برزت تركيا وإيران لمحاولة ملئ الفراغ وإحياءا لدورهما الإمبراطورى السابق ،
فتركيا حزب الحريه والعداله لم يختلف مع الجيش فى حدود الحركه ولا أولوياتها ونراه يتكلم ويتحرك وفق محددات المصالح الحيويه التى تتفق مع الجيش " الكمالى " ولهذا لا نستغرب أن يتم التركيز على مناطق صراع بعينها جغرافيا وتاريخيا والتعاطى مع أزماتها كما كان يحدث فى عهد كمال أتاتورك العلمانى ، والتى يحدد الجيش فيها حدود التدخل ومقدار القوه والحزب يعطى الغطاء والشرعيه والحشد الشعبى لحركته .
ولا يختلف الحال فى إيران التى ينظر لجيشها على أنه على مدار تاريخه يعتبر جيشا تابع لرأس السلطه ولم يعرف عنه تدخلا كبيرا فى السلطه  مع "  الشاه ومع الملالى " إلا أن حدود التناغم بين الجيش والسلطه فى محيط المصالح الحيويه كبير ، فالجيش لا يعتبر حكم الملالى حكما خارجا ولا شاذا بل يحقق له الغطاء الشرعى لحدود حركته الإقليميه لينتهز فرصه جاءته على طبقا من ذهب إثر إنهيار النظام العربى ، وهو ما جعله يضع موطا قدم على حدود شاطئ البحر المتوسط فى سوريا وفى اليمن أيضا يعيد له مجدا قديما حفر أخاديد كبيره فى الذاكره التاريخيه للشعب الإيرانى ويحقق بها ومن خلالها نظريته للأمن القومى .
" المصالح الحيويه " أيضا يتم من خلالها فهم بعض الأمور الداخليه فى كلتا الدولتين ، فكثير من الناس والمتابعين تابعوا الإنقلاب الأخير فى تركيا وشاهدوا فشله على شاشات التلفزيون ومشهد الجنود المقيدين والذين يضربون بالأحزمه من قبل المواطنين المؤيدين لحزب الحريه والعداله ، ولم يتركوا لأنفسهم فرصه لتدبر الأمر ومعرفة حقيقه أن الجيش بكامله لم ينقلب على عملية التناغم وأنه هو من تحرك للقبض على الخارجين من بين صفوفه ومحاكمتهم ، لأن عملية التناغم مستمره فحزب الحريه والعداله درعه السياسى فى محيطه الإسلامى حتى الجمهوريات الأسيويه جنوب روسيا ، وفى مواجهة عدوه اللدود روسيا ، وغطاءا للعوده مرة أخرى لممارسه القوه والسيطره على الأرض العربيه .
وفى إيران فعلى الرغم من الأزمات الإقتصاديه التى تعصف بإيران جراء العقوبات الإقتصاديه المفروضه عليها إلا أن الجيش لم يتحرك ولم يسقط النظام لأنه يتيح له غطاءا أيدولوجيا يسمح له بالحركه والدفاع عن أمنه القومى بل يخوضان معا معركة إمتلاك القدره النوويه والتى تسمح للجيش بالسيطره الكامله على محيطه .
تركيا وإيران لم يتخليا عن الحلم الإمبراطورى ، ولم تختلف السياسيه الدينيه من السنه إلى الشيعه ، ولكن أبرز ما فى ذلك هو تخللى الحكومتان فى تركيا وإيران عن مطالبهما بشمول الأيديولوجيا وتصدير الثوره ، فى مقابل تكتيك مرحلى واقعى يجعل من التناغم مع الجيش محاولة لإطالة أمد العلاقه بينهما ، والعمل وفق المحددات الرئيسيه دونما تغليب الأيدولوجيا الأمميه التى حتما كانت ستعجل من الصدام بينهما .
" المصالح الحيويه " هى الفرصة التى أفلتت من الإسلاميين العرب واللذين لم يتخلوا عن الإيديولوجيا الأمميه ولم يتعلموا من الدرس التركى والإيرانى ، والذين لم يستوعبوا حقائق التاريخ ولا الجغرافيا وكذلك الخبرة المتراكمه لشعوبهم وساروا نحو الصدام مع الجيوش ورأوا أن من يجلس على كرسى الحكم هو وحده من يحدد السياسات وهذا وهما آخر يضاف إلى أوهام السياسه العربيه ، وهو ما عجل بالصدام .
لهذا فمن راهن ويراهن على خروج الجيش على السلطه فى تركيا وإيران فى الوقت الراهن وحتى المدى المنظور فهو واهم لأن عملية التناغم ظاهره وواضحه ولا تخطئها عين راصد ومتابع ، إنها حلم دوله وتوافق بين الجيش والإسلاميين أو أيا ما كان يتولى السلطه من المدنيين .
درس هل يتعلم منه الإسلاميون العرب ؟ إلى قادم الأيام .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...