بقلم / ياسر رافع
إن عبادة
الأصنام عادة مذمومه فى كل الأديان السماويه ، وكثيرا ما نقرأ أو نسمع من يزأر بأعلى
صوته محذرا الناس على المنابر وشاشات التلفزيون من عبادة الأصنام القديمه والحديثه
، ونرى الناس تهز رأسها كتصديق لكل ما يقال ، ولكنها ومن تستمع لهم لا يشيرون
دائما إلى من يصنع تلك الأصنام أو الألهه وما الهدف من ذلك ؟
بعد أن نجا الله النبى موسى وقومه من فرعون وجنوده وأغرقهم فى البحر ، وبينما هم
عبور مروا على قوما يعكفون على عبادة عجل فطلب قوم موسى منه طلبا غريبا يتنافى مع
ما شاهدوه من معجزة شق البحر ، وهو أن يجعل لهم إله كما لهؤلاء القوم ، فأنكر
عليهم هذا الطلب ثم مضى إلى لقاء ربه ، وهنا ظهر " السامرى " صانع
الآلهه الذى تبرع ليقدم لقومه ما يريدون فأخذ منهم الذهب الذى أخذوه من المصريين
قبل مغادرتهم مصر ثم حول هذا الذهب إلى " عجل " معبود يصدر صوتا فعبده
القوم من فورهم ، ولم يقدر عليهم " هارون " أخو النبى موسى ، حتى عاد النبى
وقام بحرق ونسف " العجل " ورماه فى البحر ، ثم جاء بالسامرى وحدثه
" ما خطبك يا سامرى؟! قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من آثر الرسول
فنبذتها وكذلك سولت لى نفسى " ، هكذا
بكل بساطه إعترف بجرمه ولكن على طريقة المجرمين العتاه بأن جعل جرمه نتيجة إختلال
نفسى وليس عن يقين بما يفعل ، يقين من يحلم بالسيطره والقياده عبر دغدغة مشاعر
العامه .
وعلى الرغم من أن السامرى هو الشخصيه الوحيده المذكوره فى القرآن الكريم كصانع
آلهه إلا أن هذا الحدث هو سلوك بشرى متوارث ، فها هو " عمرو بن لحى "
التاجر الشاطر القادم من مكه بلد بيت الله الحرام يتجول فى أسواق الشام فرأى الناس
تعكف على عبادة الأصنام فأختمرت فى رأسه فكره جهنميه ، فقام بشراء إلهين من
الحجاره " هبل ومناة " ورجع بهما إلى مكه ونصبهما حول الكعبه وأنكر
الناس الفكره فى بادئ الأمر حتى تعودوا على ذلك فيما بعد ، وتحول أمر وشؤون الألهه
إلى أسياد قريش الذين جعلوا للألهه مكانه عظيمه ثم حولوها إلى تجاره كبيره لإبتزاز
الناس ماليا وعقائديا ليضمنوا سيادتهم على مكه وما حولها ، ولم يقف الأمر عند هذا
الحد بل تاجروا فى صناعة الألهه وأصبحت الألهه متنوعه فبعضها مصنوع من الحجاره
وبعضها مصنوع من الخشب ، والأدهى هو ما تفتق ذهنهم عنه عبر صناعه آلهه من العجوه لمن يريد ، حتى إذا جاع المتعبد يستطيع أن يأكل
إلهه بعد أن يعبده ، وهو ما ضمن لسادة قريش البقاء طويلا جاثمين على أعناق العبيد
وفقراء مكه مئات السنين ، حتى جاء من يخلصهم من وهم الألهه ، النبى محمد (ص) .
ولكن بعد أن تتطور الشكل الإيمانى وأصبحت عبادة الأصنام من الماضى إلا أن صناعة
آلهه العجوه لا زالت مستمره ، خصوصا بعد أن فشلت الدوله الوطنيه التى جاءت كشكل تحررى
من الإستعمار فى عالمنا العربى ، و لتقضى على أصنام التخلف والجهل والمرض وترفع من
قيمة الإنسان المحرر من أسر العبوديه ، والتى سرعان ما حولت فشلها إلى جعل "
الحريه والعداله الإجتماعيه والحياة الكريمه " آلهه تعبد ترجى بعد أن فرغوها
من معانيها، ونصبوها فى طول البلاد وعرضها وتواروا عن الأنظار لفشلهم وسوء عملهم
وتمترسوا خلف الستار تاركين لفعل آلهه العجوه من المؤيدين لها أن يمارس دوره فى
إقناع العامه بأن الآلهه الجديده التى عبدوها مازالت تمارس دورها وأنها الحافظه
للدوله بعدما طال الفشل كل المناحى .
فى ندوه لمؤتمر بعنوان " مستقبل التنمية فى مصر والدور المنتظر لها فى القرن
الحادى والعشرون " عام 1994 تحدث فيه الكاتب الكبيرالراحل " محمد حسنين
هيكل " عبر مساهمه منه فى المؤتمر وكان مما قاله فى ذلك المؤتمر " وربما
زعمت أن معظم الرجال الأقوياء فى العالم العربى ليسوا ظاهرين على المسرح ولا ممن
تنشر الصحف صورهم ، وذلك غموض يثير الشك " .
ذلك غموض يثير الشك !! عباره ذكيه خرج بها " هيكل " بلباقه حتى لا يسأل
عن الرجال الأقوياء سدنة الآلهه وصانعى آلهه العجوه ، ولكن بنظره متفحصه لأحوال
الدوله الوطنيه فى البلاد العربيه سنجد أنها جميعا تتبنى التبشير لآلهه الحريه
والعداله الإجتماعيه والحياة الكريمه حتى يلتف المواطنين حولها منتظرين المن
والسلوى من حكوماتهم الوطنيه التى حررتهم من جاهلية الإستعمار ، ولكنها بمرور
السنوات إستوعبت أن المواطنين بدأوا يتململون بعدما وجدوا أن آلهتهم لا تحرك ساكنا
وأنها لا تعدوا ملصقات على حوائط الأنظمه يتبركون بها ، هنا قاموا بصنع آلهه من
العجوه عباره عن كيانات بشريه يتحلق حولها الناس ، آلهه مؤيده للأنظمه وآلهه
معارضه لها حتى تجعل الناس تزداد كفرا بالحريه والعداله الإجتماعيه والحياة
الكريمه ، حتى يقتنعوا أن السبيل لتحقيقها هو تقديم القرابين لسدنة معبد الدوله
الوطنيه عبر مزيد من الخضوع وتقديم الولاءات وعدم المطالبه بأى شئ يعكر الصفو ،
وفى المقابل سيمنح كل مواطن إله من العجوه من مؤيدى النظام ليعلقه على الحائط ،
وآخر من المعارضه ليأكله .
الناس فى البلاد العربيه كفرهم بالدوله الوطنيه يزداد بعدما حولت أمانيهم بالحريه
والعداله الإجتماعيه والحياة الكريمه إلى مسوخ وأصنام تعبد بعد أن فرغوها من
معانيها ، حتى أن فعل الثوره وهو يماثل شق البحر لموسى وقومه ، لم يحقق فارقا
كبيرا لديهم وسرعان ما إنطلق " السامرى " و " عمرو بن لحى "
ليحقق لهم ما يتمنوه من إعادة إستحمار ولكن بإراده واضحة المعالم وواعيه لما تفعل
. بعدما صدقوا ما قيل لهم " وكذلك سولت لى نفسى " ولم ينسفوا العجل فى
البحر .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه