بقلم / ياسر رافع
إن القصة
الشهيرة التى تحكى أن جنودا غزاة إقتحموا قرية وأغتصبوا كل نساءها إلا إمرأة واحدة
دافعت عن شرفها ومارست حقها فى الدفاع والمقاومه عن شرفها فقتلت الجندى الذى حاول
إغتصابها ، وما أن خرج الجنود من القريه حتى صارت تلك المرأه عنوان الشرف
والمقاومه ، وهنا ثارت الغيره والحقد بين نساء القريه الذين كشف فعل مقاومة لتلك
المرأة عوراتهم فقرروا قتلها حتى لا تذكرهم دائما بعجزهم عن فعل المقاومه ، وهو ما
حدث فى مشهد دراماتيكى لا يخلوا من معانى كثيره . وللأسف يتكرر هذا المشهد فى تلك
الأيام الكئيبه فى هذا الزمان الرخو حيث يطل علينا من ينكر فعل المقاومه على الشعب
الفلسطينى عنوان شرف الأمه فى تجسيد عملى
وواقعى لمعنى الإنبطاح الذى مورس ويمارس على العقل العربى لتقبل الوجود
الإسرائيلى الصهيونى بيننا فى مقابل نسيان القضيه الفلسطينيه .
لا أرى سببا واحدا لأناس يتكلمون بلساننا ويعتقدون معتقدنا ويأكلون ويشربون من
خيراتنا ، ثم يهاجمون من يمارس فعل المقاومه فى الأراضى الفلسطينيه على يد من لا
يزالون يرفضون الإستسلام للواقع العربى المهزوم أمام العدو الإسرائيلى ، رجال
ونساء ، شبابا وأطفال ، لا زالوا يبهرون العالم بفعل المقاومه وإبداعهم فى إختيار
أسماء أيام مقاومتهم المجيده " جمعة مسيرة العوده " ، " جمعة
الكاوتشوك " ، وغيرها من الأسماء
التى تثير خيال المقاوم وتلهب الحماس وتحافظ على جذوة المقاومه فى قلوب الأجيال
الجديده .
إنهم أناس مورس عليهم فعل الإخصاء فعادوا منبطحين لا يقدرون على المقاومه ولا
يريدون لغيرهم أن يقاوم حتى لا يفضحهم ، إنهم الذين يزينون للناس أن الإنبطاح هو
الطريق السهل للحصول على الحقوق المسلوبه وأن من يجرى ويحمل السلاح المقاوم ما هو
إلا تأجيل للحل لسنوات طويله ، وأن الجرى وراء لقمة العيش على ضفاف آبار البترول
المتفجره فى الخليج وفى الشتات الفلسطينى
والعربى هو الوسيله الوحيده لتحقيق الأمانى ونتيجة لهذا المنطق المعوج ، ملايين
اللاجئين وآلاف القتلى والجرحى وإقتصاد منهار وإنسان عربى مهزوم أمام عدو أصبح
مرحب به فى كل العواصم العربيه ، وإعلام يهاجم المقاومه وينعتها بأبشع الصفات ، فى
واحدة من المفارقات المفجعه لزمن المنبطحين الذى نعيشه ، فغدا أو بعد غد تهل علينا
ذكرى النصف من شهر شعبان ، التى نحتفل فيها بذكرى تحويل القبله من الأقصى إلى
المسجد الحرام فى مكه ، تلك الذكرى التى تحول بعدها المسلمين إلى قوه عظمى حررت
القدس بعدما فهموا أن إلإستداره للصلاه تعنى حماية لبيت المقدس ومدينه السلام ،
ولكن فى هذة الأيام يبدوا أن المسلمين سيحتفلون بالإستداره للخليج العربى وإعطاء
ظهورهم للمقاوم الفلسطينى حيث تجرى المفاوضات على قدما وساق لتمرير صفقات لتسليم
القدس والأقصى لإسرائيل وفى إنتظار الرئيس الأمريكى " ترامب " لتدشين
زمن إنبطاحى جديد .
إن " غسان كنفانى " الروائى الفلسطينى هو من تنبأ بتلك الحاله العربيه
التى وصلنا لها من الإنبطاح ، وذلك عندما كتب قصة قصيره عنوانها " رجال فى
الشمس " والتى تجسد الحاله الفلسطينيه لشعب مشرد فى الشتات يبحث عن الحلم بالإستقرارعلى
ضفاف آبار البترول لعل وعسى يتحسن حاله من خلال ثلاث شخصيات فلسطينيه منهكه بمشاكل
الغربه فى العراق تريد الهرب عن طريق الصحراء بواسطة عربه عبارة عن " خزان
ماء " يقودها سائق فلسطينى أخر إحترف مهنة تهريب البشر عبر الصحراء بعدما تم
إخصاؤه فى إحدى مرات المقاومه على يد المحتل الإسرائيلى ، ومع توالى الأحداث وفى
أثناء السير وسط الصحراء القاحله الحارقه تم الإتفاق على أنه عند نقاط التفتيش
سيدخل الثلاثه إلى داخل خزان المياه الملتهب لدقائق معدوده حتى يتم المرور من
السلطات الحدوديه ، ومع أول مرور أمن خرج الثلاثه بأمان أحياء ولكن منهكين من
الحراره وقلة الأكسجين ، ولكن مع النقطه الحدوديه على حدود الإقتراب من حلم الهروب
إلى جنة النفط " الكويت " دخل الثلاثه المنكوبين إلى داخل خزان المياه
ولكن طالت الدقائق عليهم حتى قام السائق بالمرور على مكاتب النقطه الحدوديه وما أن تحركت السياره بعيدا حتى قام السائق
مسرعا بفتح غطاء الخزان مناديا عليهم ولكن لا حياة لمن تنادى ، مات الثلاثه
وأخرجهم السائق الواحد تلو الآخر وقام بدفنهم فى الصحراء وتحرك عائدا ولكنه فجأة
رجع ونزع عنهم أموالهم الضئيله وفى الطريق أخذ يلوم القتلى ويضرب على مقود السياره
قائلا " لماذا لم تدقوا جدران الخزان ، لماذا ؟ لماذا " ويسدل الستار
على القصه
لماذا تريدون أن يدخل الفلسطينى مرة أخرى إلى خزان المياه مرة أخرى بعدما تجرأ ودق
جدران خزان إنبطاحكم ويريد العودة لوطنه ورفضة أن ينقل فى خزان إنبطاح لشواطئ
البترول ليوقع على إتفاقيات ستجعل منه لاجئا مشردا مدى الحياة ، إنه الفلسطينى
الجزء النابض حتى الأن من جسد أمه شارفت على الموات ، فلا تمارسوا فعل الإنبطاح
عليه فهو ليس فتحاوى ولا حمساوى ولا كتائب القسام ولا الشهيد أبوعلى مصطفى ولا كل
الفصائل الأخرى ، إنه حلم الأطفال بوطن حر مستقل فى المستقبل ، حلم كل عربى بأن
يرى القدس وكامل التراب العربى محرر ليس فقط من الإحتلال ولكن أيضا من دعاة
الإنبطاح الذين يريدون شحن العقل العربى فى خزان مياة فى صحراء قاحله يموت فيها
وعيه ، ليجلسوا فى النهايه كخصيان ليلقوا اللوم عليه " لماذا لم تدق جدران
الإنبطاح "
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه