الجمعة، 24 ديسمبر 2021

الديموقراطية ونظرية الأرض المجوفة




بقلم / ياسر رافع

وفقا للعالم السياسى " مايكل باركون " تعتمد نظرية المؤامرة على نظرة أن الكون محكوم بتصميم ما ، وتتجسد فى ثلاث مبادئ : لا شئ يحدث صدفة ، ولا شئ يكون كما يبدوا عليه ، وكل شئ مرتبط ببعضه _ ويكيبيديا _
ولهذا تأتى نظرية " الأرض المجوفة " لتدعم وتبرهن على نظرية المؤامرة ، حيث تتحدث تلك النظرية المثيرة للجدل حول أن الكرة الأرضية ليست صماء وأن هناك تجاويف تصل إلى عمق الأرض الداخليه تعيش فيها حضارات موازيه لما فوق الأرض ، وأن هناك سماء وشمس وأجناس أخرى ، وحيوانات غريبه وعملاقه ، وأن الوصول لقلب الأرض السفلى لا يكون إلا من ثقبين فى القطب الشمالى والقطب الجنوبى ، وبرهن أنصار تلك النظريه على وجودها بظاهرة الشفق القطبى ، وسرعة خمود البراكين ، وقد ساقوا نظريات وأمثله كثيرة على وجود تلك الأرض ولعل أشهرها هو هروب الزعيم النازى " أدولف هتلر " ومجموعه كبيرة من العلماء الألمان إلى تلك الأرض المجوفة عبر مدخل القطب الجنوبى ، وقد فشلت البعثة الحربيه الأمريكية فى مواصلة تعقبهم هناك ، ويؤمن أصحاب تلك النظرية بوجود مؤامرة من قبل جهات وحكومات تسعى لإخفاء الدلائل عن حقيقة جوف الأرض وحقيقته والعوالم والكائنات والمخلوقات التى بداخلها . وأن ظاهرة الأطباق الطائرة مثلا لا تحدث صدفة ، وأن تلك الظاهرة ليست كما يبدوا شيئا من قبيل الصدفه ، ولكنها مرتبطه بنظرية الأرض المجوفه حيث يسكن أجناس من الفضائيين .
ولتلك النظرية إرتباط وثيق بالثقافة الشرقية الدينية فمثلا يقول أنصار تلك النظريه ، أن قوم " يأجوج ومأجوج " الذين صورتهم الثقافة الإسلامية بالبشاعة والهمجية والأشكال الجسمانيه التى تثير الرعب ، بداخل تلك الأرض المجوفه بجانب حيوانات ضخمه أسطورية لا يوجد لها مثيل على سطح الأرض الخارجى ، ستكون قادرة فى وقت معين على الخروج وتدميرالحضارة الإنسانية .
.................................................................................
لقد أثار مشهد إقتحام المتظاهرين الغاضبين من أنصار الرئيس الأمريكى " ترامب " ذعرا كبيرا لدى أنصار النظام الديموقراطى فى أمريكا والدول الغربية ، حيث أعتبر أن الهجوم على أعظم منتج بشرى للتعايش وهى الديموقراطيه هو بمثابة إستدعاء لوحوش أصحاب نظرية الأرض المجوفة ، الذين سيقضون على الحياة والحضارة الإنسانية ، وإستدعاءا لنظرية المؤامرة لتؤكد أن ما حدث أمام مبنى الكابيتول لم يكن صدفة ، وأن ما بدا من كمال النظام الديموقراطى فإنه ليس كما يظهر لما به من عيوب قاتلة ، وأن كل شئ مرتبط ببعضه ولعل أهمها هو وجود حكومه لا تخبر مواطنيها بكل ما يدور حولهم .
وقد أثارت صورة الشاب الأمريكى مقتحم مبنى الكابيتول ، الذى يرتدى ملابس تنتمى لعصور زمنية قديمة ومسلحا بوشومات لها دلالاتها على كامل جسدة ، فزعا كبيرا داخل أمريكا ، ما الذى تغير فى المجتمع الأمريكى ! وما دلالات إستدعاء أزياء العصور القديمة ! وما علاقة الوشومات على جسد الشاب بحركات سياسيه مرتبطه بنظرية المؤامرة ؟!
لكن كان الشكل الأبرز هو وضع ذلك الشاب فراء وقرنى ثور أمريكى " بيسون " على رأسه ، تشبها بزى سكان الإسكيمو ، الذين يؤمنون بأنهم من نسل أجداد خرجوا من جوف الأرض تاركين حياتهم فى الأسفل ليعيشوا فوق الأرض .
..............................................................................
إن الحياة الديموقراطية الأمريكية يمكن تفسيرها وفقا لنظرية الأرض المجوفة ، فهى كانت بمثابة الحلم الكبير الذى أنشأة المهاجرون الأوائل الذين أرادوا تأسيس كيان جديد مختلف عن أوروبا بكل سلبياتها ، وكان السبيل الوحيد للتعايش هو الديمواقراطية الأمريكية التى أصبحت عنوانا كبيرا يشير إلية كل الحالمين بجنة الديموقراطية حول العالم ، ولكن بمرور السنوات تبين أن أمريكا لم تكن كوكب الديموقراطية المصمت ذى الكتله الواحدة ، بل إنة عبارة عن كوكب مجوف أقيم على ظاهرة الخارجى ديموقراطية على مقاس السكان البيض وحدهم ، وأن الديموقراطية لم تستوعب الأجناس الأخرى من السود والأقليات العرقيه الأخرى ، حتى وإن نالوا بعض المكتسبات المدنيه والذين ظلوا فى جوف تجربة الكوكب الديموقراطى ،
ومع الأزمة العالمية فى 2008 والأزمة العالمية 2020 ، وتولى رئيس أمريكى – ترامب – يؤمن بتفوق الجنس الأبيض على ظاهر التجربة الديموقراطية على ما عاداة من أجناس جوف التجربة الديموقراطية ، كل هذا ساعد على تصاعد مطالبات أهل جوف التجربة الديموقراطية بالمزيد من الإمتيازات التى يحصل عليها أصحاب البشرة البيضاء ، ونبذ العنصرية المجتمعية ، وتجسد ذلك بمظاهرات عارمه فى أنحاء متفرقه من أمريكا . ولكن فى المقابل صنعت القشرة الخارجية للديموقراطية الأمريكية وحشا أبيضا مستعد أن يقاتل إلى أبعد مدى فى مقابل عدم تنازله على إمتيازاته لصالح أجناس يعتبرها أدنى منه درجة ، حتى ولو إستدعى شكلا من اشكال أساطير الأرض المجوفه لتخويف كل من يفكر فى التعدى على مكتسبات القشرة الخارجية للديموقراطية الأمريكية لصالح السود والأقليات العرقية أصحاب جوف التجربة .
ولهذا ينتظر المجتمع الأمريكى ردة الفعل التى ستكون عندما يمضى الكونجرس الأمريكى فى محاولاته لعزل الرئيس " ترامب " ، وسط دعوات لأصحاب البشرة البيضاء العنصريين للتجمع والتظاهر للدفاع عن الديموقراطية التى صنعها أجدادهم لضمان تفوقهم العرقى .
ويقف أنصار الديموقراطيه أصحاب الكيان الواحد المصمت ، الذين يرفضون نظرية الأرض المجوفه للديموقراطية ، وقفة صامدة بمختف إنتماءاتهم العرقية ليحافظوا على أعظم مكتسباتهم للتعايش السلمى والحضارى داخل المجتمع الأمريكى .
........................................................................
أما عالمنا العربى والإسلامى فهو غارق فى نظرية المؤامرة ، ونظرية الأرض المجوفة ، فهو يرى أن الديموقراطيه مؤامرة كونية تحاك فى الغرف المغلقه من قبل حكومات الغرب التى تعمل ضدة ، من أجل السيطرة عليه ، رافضا الإنخراط الحقيقى فى التجربة الديموقراطية ، ويعتبرها رجسا من عمل الشيطان ، وفى المقابل يؤمن بأن تلك المؤامرات ما هى إلا ظواهر لبداية النهايه وخروج وحوش الأرض المجوفه من قوم " يأجوج ومأجوج " الذين سيأكلون الأخضر واليابس ، وبعدها تقوم الحرب النهائية بين الخير والشر وينتصرلهم الله على تلك الوحوش ثم يعتلون عرش العالم حتى قيام الساعة ، دونما التفكير فى المعنى الإلهى لوجودهم على ظاهر الأرض وليس فى باطنها .
إنهم يرفضون قيم التعايش والديموقراطية ، ولهذا ليس مستغربا التماهى مع مشاهد الدماء ، والتناحر الإيديولوجى والدينى ، وإعتبار تلك المشاهد شيئا طبيعيا يجب عدم التصدى لها لأنها مشيئة إلهيه ، ولذلك ليس من المستغرب أن كل الديكتاتوريات فى العالم العربى والإسلامى  بنت مجدها ودولتها الخاصة على القشرة الخارجيه لتجربة أسمتها خطأ ديموقراطيه ، وفى جوف التجربه يقبع الجميع ، الوحوش الدمويه والأخيار من كل الملل والنحل والأجناس البشريه ،
هل آن لنا أن نصنع ديموقراطيتنا على أرض صلبة غير مجوفة بعيدا عن نظرية المؤامرة ، تستوعب الجميع دونما تفرقه ، من أجل بناء صيغة تعايش لنا ولأجيالنا القادمه ؟! نعم نستطيع !

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

مقدمة كتابى .. صديقى الوهمى محاولة ما قبل السقوط النهائى

  بقلم ياسر رافع " إحنا جيل مظلوم " ، عباره سمعتها كثيرا منذ نعومة أظفارى من أجيال مختلفة الأعمار والمشارب الثقافيه والإجتماع...