بقلم / ياسر رافع
وفقا للعالم السياسى " مايكل باركون " تعتمد نظرية المؤامرة على نظرة أن الكون محكوم بتصميم ما ، وتتجسد فى ثلاث مبادئ : لا شئ يحدث صدفة ، ولا شئ يكون كما يبدوا عليه ، وكل شئ مرتبط ببعضه _ ويكيبيديا _ولهذا تأتى نظرية " الأرض المجوفة " لتدعم وتبرهن على نظرية المؤامرة ، حيث تتحدث تلك النظرية المثيرة للجدل حول أن الكرة الأرضية ليست صماء وأن هناك تجاويف تصل إلى عمق الأرض الداخليه تعيش فيها حضارات موازيه لما فوق الأرض ، وأن هناك سماء وشمس وأجناس أخرى ، وحيوانات غريبه وعملاقه ، وأن الوصول لقلب الأرض السفلى لا يكون إلا من ثقبين فى القطب الشمالى والقطب الجنوبى ، وبرهن أنصار تلك النظريه على وجودها بظاهرة الشفق القطبى ، وسرعة خمود البراكين ، وقد ساقوا نظريات وأمثله كثيرة على وجود تلك الأرض ولعل أشهرها هو هروب الزعيم النازى " أدولف هتلر " ومجموعه كبيرة من العلماء الألمان إلى تلك الأرض المجوفة عبر مدخل القطب الجنوبى ، وقد فشلت البعثة الحربيه الأمريكية فى مواصلة تعقبهم هناك ، ويؤمن أصحاب تلك النظرية بوجود مؤامرة من قبل جهات وحكومات تسعى لإخفاء الدلائل عن حقيقة جوف الأرض وحقيقته والعوالم والكائنات والمخلوقات التى بداخلها . وأن ظاهرة الأطباق الطائرة مثلا لا تحدث صدفة ، وأن تلك الظاهرة ليست كما يبدوا شيئا من قبيل الصدفه ، ولكنها مرتبطه بنظرية الأرض المجوفه حيث يسكن أجناس من الفضائيين .
ولتلك النظرية إرتباط وثيق بالثقافة الشرقية الدينية فمثلا يقول أنصار تلك النظريه ، أن قوم " يأجوج ومأجوج " الذين صورتهم الثقافة الإسلامية بالبشاعة والهمجية والأشكال الجسمانيه التى تثير الرعب ، بداخل تلك الأرض المجوفه بجانب حيوانات ضخمه أسطورية لا يوجد لها مثيل على سطح الأرض الخارجى ، ستكون قادرة فى وقت معين على الخروج وتدميرالحضارة الإنسانية .
.................................................................................
لقد أثار مشهد إقتحام المتظاهرين الغاضبين من أنصار الرئيس الأمريكى " ترامب " ذعرا كبيرا لدى أنصار النظام الديموقراطى فى أمريكا والدول الغربية ، حيث أعتبر أن الهجوم على أعظم منتج بشرى للتعايش وهى الديموقراطيه هو بمثابة إستدعاء لوحوش أصحاب نظرية الأرض المجوفة ، الذين سيقضون على الحياة والحضارة الإنسانية ، وإستدعاءا لنظرية المؤامرة لتؤكد أن ما حدث أمام مبنى الكابيتول لم يكن صدفة ، وأن ما بدا من كمال النظام الديموقراطى فإنه ليس كما يظهر لما به من عيوب قاتلة ، وأن كل شئ مرتبط ببعضه ولعل أهمها هو وجود حكومه لا تخبر مواطنيها بكل ما يدور حولهم .
وقد أثارت صورة الشاب الأمريكى مقتحم مبنى الكابيتول ، الذى يرتدى ملابس تنتمى لعصور زمنية قديمة ومسلحا بوشومات لها دلالاتها على كامل جسدة ، فزعا كبيرا داخل أمريكا ، ما الذى تغير فى المجتمع الأمريكى ! وما دلالات إستدعاء أزياء العصور القديمة ! وما علاقة الوشومات على جسد الشاب بحركات سياسيه مرتبطه بنظرية المؤامرة ؟!
لكن كان الشكل الأبرز هو وضع ذلك الشاب فراء وقرنى ثور أمريكى " بيسون " على رأسه ، تشبها بزى سكان الإسكيمو ، الذين يؤمنون بأنهم من نسل أجداد خرجوا من جوف الأرض تاركين حياتهم فى الأسفل ليعيشوا فوق الأرض .
..............................................................................
إن الحياة الديموقراطية الأمريكية يمكن تفسيرها وفقا لنظرية الأرض المجوفة ، فهى كانت بمثابة الحلم الكبير الذى أنشأة المهاجرون الأوائل الذين أرادوا تأسيس كيان جديد مختلف عن أوروبا بكل سلبياتها ، وكان السبيل الوحيد للتعايش هو الديمواقراطية الأمريكية التى أصبحت عنوانا كبيرا يشير إلية كل الحالمين بجنة الديموقراطية حول العالم ، ولكن بمرور السنوات تبين أن أمريكا لم تكن كوكب الديموقراطية المصمت ذى الكتله الواحدة ، بل إنة عبارة عن كوكب مجوف أقيم على ظاهرة الخارجى ديموقراطية على مقاس السكان البيض وحدهم ، وأن الديموقراطية لم تستوعب الأجناس الأخرى من السود والأقليات العرقيه الأخرى ، حتى وإن نالوا بعض المكتسبات المدنيه والذين ظلوا فى جوف تجربة الكوكب الديموقراطى ،
ومع الأزمة العالمية فى 2008 والأزمة العالمية 2020 ، وتولى رئيس أمريكى – ترامب – يؤمن بتفوق الجنس الأبيض على ظاهر التجربة الديموقراطية على ما عاداة من أجناس جوف التجربة الديموقراطية ، كل هذا ساعد على تصاعد مطالبات أهل جوف التجربة الديموقراطية بالمزيد من الإمتيازات التى يحصل عليها أصحاب البشرة البيضاء ، ونبذ العنصرية المجتمعية ، وتجسد ذلك بمظاهرات عارمه فى أنحاء متفرقه من أمريكا . ولكن فى المقابل صنعت القشرة الخارجية للديموقراطية الأمريكية وحشا أبيضا مستعد أن يقاتل إلى أبعد مدى فى مقابل عدم تنازله على إمتيازاته لصالح أجناس يعتبرها أدنى منه درجة ، حتى ولو إستدعى شكلا من اشكال أساطير الأرض المجوفه لتخويف كل من يفكر فى التعدى على مكتسبات القشرة الخارجية للديموقراطية الأمريكية لصالح السود والأقليات العرقية أصحاب جوف التجربة .
ولهذا ينتظر المجتمع الأمريكى ردة الفعل التى ستكون عندما يمضى الكونجرس الأمريكى فى محاولاته لعزل الرئيس " ترامب " ، وسط دعوات لأصحاب البشرة البيضاء العنصريين للتجمع والتظاهر للدفاع عن الديموقراطية التى صنعها أجدادهم لضمان تفوقهم العرقى .
ويقف أنصار الديموقراطيه أصحاب الكيان الواحد المصمت ، الذين يرفضون نظرية الأرض المجوفه للديموقراطية ، وقفة صامدة بمختف إنتماءاتهم العرقية ليحافظوا على أعظم مكتسباتهم للتعايش السلمى والحضارى داخل المجتمع الأمريكى .
........................................................................
أما عالمنا العربى والإسلامى فهو غارق فى نظرية المؤامرة ، ونظرية الأرض المجوفة ، فهو يرى أن الديموقراطيه مؤامرة كونية تحاك فى الغرف المغلقه من قبل حكومات الغرب التى تعمل ضدة ، من أجل السيطرة عليه ، رافضا الإنخراط الحقيقى فى التجربة الديموقراطية ، ويعتبرها رجسا من عمل الشيطان ، وفى المقابل يؤمن بأن تلك المؤامرات ما هى إلا ظواهر لبداية النهايه وخروج وحوش الأرض المجوفه من قوم " يأجوج ومأجوج " الذين سيأكلون الأخضر واليابس ، وبعدها تقوم الحرب النهائية بين الخير والشر وينتصرلهم الله على تلك الوحوش ثم يعتلون عرش العالم حتى قيام الساعة ، دونما التفكير فى المعنى الإلهى لوجودهم على ظاهر الأرض وليس فى باطنها .
إنهم يرفضون قيم التعايش والديموقراطية ، ولهذا ليس مستغربا التماهى مع مشاهد الدماء ، والتناحر الإيديولوجى والدينى ، وإعتبار تلك المشاهد شيئا طبيعيا يجب عدم التصدى لها لأنها مشيئة إلهيه ، ولذلك ليس من المستغرب أن كل الديكتاتوريات فى العالم العربى والإسلامى بنت مجدها ودولتها الخاصة على القشرة الخارجيه لتجربة أسمتها خطأ ديموقراطيه ، وفى جوف التجربه يقبع الجميع ، الوحوش الدمويه والأخيار من كل الملل والنحل والأجناس البشريه ،
هل آن لنا أن نصنع ديموقراطيتنا على أرض صلبة غير مجوفة بعيدا عن نظرية المؤامرة ، تستوعب الجميع دونما تفرقه ، من أجل بناء صيغة تعايش لنا ولأجيالنا القادمه ؟! نعم نستطيع !
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه