الخميس، 23 ديسمبر 2021

روسيا .. بين ضرورات النفوذ وبين تكاليفه


 


بقلم / ياسر رافع

لا شك أن القمه الروسيه – الأمريكيه الأخيره أراد لها البعض أن تستدعى مشهدا من مشاهد الحرب البارده من على جانبى منظمى القمه الروسى والأمريكى ، لكنها إنعقدت وإنفضت ولم تسفرعن شئ مهم يغير من واقع عالم يتغير بقوة الأشياء وطبائع الأمور والأزمنه ، وهذا ما جعل ثعلب السياسه الأمريكيه " هنرى كيسنجر " يقول معلقا على تلك القمه واصفا الرئيس الأمريكى " إنه أحد تلك الشخصيات التى تظهر من وقت لآخر لترمز لنهاية حقبه تاريخيه وجعلها تتخلص من ريائها المتقادم " ، وهو بذلك يلخص مشهدا لنظام عالمي لم تستطع مساحيق القمه أن تدارى عجزه وتقادمه وبداية مرحله جديده وهو ما دفع الثعلب العجوز إلى التأكيد على مرحلة تعاون مهمه بين القطبين لمرحله قادمه لقيادة العالم الجديد  ..
 ولكن هل تقدر روسيا على دفع تكاليف زمن قادم  ؟
إن العودة بعجلة التاريخ للوراء قليلا ربما تجيب على أسئلة زمن قادم من خلال واقع حالى معاش  ، فمن خلال إجتماع فى العام 1970جمع  بين رئيس الوزراء السوفيتى " أليكسى كوسجين " الذى جاء لتقديم واجب العزاء فى الزعيم الراحل " جمال عبدالناصر "  وبين عدد من أعضاء مجلس الوزراء المصرى تحدث قائلا " إننا نعرف أنكم تريدون تحرير أرضكم التى إحتلتها إسرائيل سنه 1967 ، ونحن نريد أن تعرفوا أنه ليس هناك سبيل إلا حلا سلميا ، أى حل تفاوضى فإسرائيل لا تقف وحدها وإنما وراءها الولايات المتحده ، وإذا أردتم تأييدنا لكم فلا بد أن تعرفوا أننا لا نستطيع مواجهة الولايات المتحده ، وأى حرب واسعه بينكم وبين إسرائيل سوف تأتى بالولايات المتحده " _ طبقا لرواية محمد حسنين هيكل حاضرا للإجتماع _

وهو ما يفسر لماذا وقف السادات  فى مجلس الشعب المصرى عام 1975 ليعلن إلغاء " معاهدة الصداقه " مع الإتحاد السوفيتى لأن مصر كانت تريد داعما سياسيا قويا يمارس القوه والنفوذ على أرض السياسه العربيه وليس فقط داعما بالسلاح مترددا فى إستعمال القوه عندما تظهر الولايات المتحده فى خلفية الصوره .
إن الإتحاد السوفيتى ووريثة روسيا الإتحاديه لم يعرف عنهما أنهما قد تدخلا فى تشكيل المنطقه العربيه خصوصا فى مرحلة ما بعد الحرب العالميه الثانيه ومؤتمر " يالطا " 1945 ، حيث أصبحت الولايات المتحده هى صاحبة اليد الطولى فى المنطقه معلنة وراثة الدورين الإنجليزى والفرنسى منفردة ، ولم يظهر الدور الروسى إلا فى حالات الإستدعاء العربيه التى كانت تتوهم فى أن الدور الروسى سيكون معادلا للدور الأمريكى وهو وهم ممتد على وقع السلاح الروسى المتطور ، فجرى إستدعاء الدور الروسى فى القضايا العربيه المختلفه وعلى كافة المساحه العربيه من شرقها لغربها فى العراق وسوريا ومصر وليبيا والجزائر وغيرها  ولكن ما لم يفهمه العرب هو أن ضرورات الوجود الروسى مرهونه  بضرورات دفع تكاليف النفوذ والقوه وهو ما لا تستطيع روسيا دفعه لعوامل متعدده أهمها هو عدم الرغبه الروسيه فى دفع التكاليف وكذلك ضرورات القوه الغربيه العاتيه التى تشكل خريطه النفوذ فى العالم .
وما أن بدأت حرب الكويت الثانيه 1991 وإنهيار الإتحاد السوفيتى حتى بدأت الولايات المتحده تغير من سياستها للمنطقه العربيه من ضرورات نفوذ هى قادره على حمايته فى أى وقت من الخارج ، إلى ضرورات نفوذ يجب حمايته بقوه نافذه على الأرض العربيه دائمه ومسيطره ، فى مقابل تواجد خجول للقوه الروسيه على الشواطئ السوريه تمارس ضرورات وجود روسى على شواطئ البحر المتوسط ولكنه ليس قادر على دفع تكاليف وجود روسى خارج سوريا وهو ما يفسر الإستماته حول " جيتو " القاعده العسكريه فى طرطوس السوريه  ، وما زال الدور الروسى الذى يراه بعض العرب ضروريا لتوازن القوه فى المنطقه وبين من يراه ليس أكثر من مورد سلاح رخيص ، يلعب نفس الدور القديم يرى ضرورة أن يكون له نفوذ واضح فى المنطقه العربيه ولكنه يستخدم فقط نفس الأدوات القديمه وهى السلاح الرخيص ومشاريع الطاقه النوويه فى مقابل عدم قدرته على دفع تكاليف النفوذ وضروراته ، وهو ما يفسر كثيرا حقيقة الدور الروسى فى المنطقه العربيه بعد ثورات الربيع العربى 2011 والتى رآت روسيا أن الفرصه سانحه لدور قوى وفاعل وكان لها ما أرادت لفتره زمنيه قصيره كانت فيه الوفود العربيه كما فى الماضى القريب تتسابق للذهاب إلى موسكو ، ولكن ما أن تقاطع السلاح الروسى والأمريكى فى سماء الأزمه العربيه بعد تحول الربيع العربى إلى صيف ملتهب ملطخ بالدماء حتى ظهر أن الدور الروسى لا يستطيع ملئ فراغ قوه أمريكيه توهم أنها خرجت من المنطقه وأن ضرورات النفوذ وإن كانت حاضره فى مشهد السياسه العربيه إلا أن عقبة تكاليف النفوذ باتت واضحه وأن حدود تلك التكاليف لن تتعدى الحدود السوريه التى تحوى القواعد العسكريه لها التى تؤمن لها نفوذا خجولا على شواطئ البحر المتوسط .
الدور الروسى لا زال بعيدا عن ممارسة فعل القوه لتغيير واقع السياسه العربيه لإنه لا يستطيع دفع تكاليف ممارسة نفوذ ، فى مقابل واقع عربى تغيرت فيه قواعد اللعبه قصرا وأصبحت أشد إرتباطا بالنفوذ الأمريكى وضرورات بقاءه فى المنطقه . العالم يتغير ولكن أدوات روسيا لا زالت حبيسة الفتره السوفيتيه لم تتجاوزها إلى الأن .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...