بقلم / ياسر رافع
الفرق بين " المقارنه " و " المقاربه " هو أنه إذا صحت الأولى سهل إستعمال الثانيه بالضروره . ولأن تعريف المقارنه على أنها مجموعه من المبادئ والأسس العلميه التى يسهل من خلالها المقارنه بين شيئين للوصول لنتائج سليمه ومقنعه تسهل عمل القائمين عليها أو المطالبين بإجراءها ، وهى ليست بالضروره تحمل نتائج تامه وحاسمه خصوصا فى المجالات الإجتماعيه لتعذر وربما الإختلافات بين المجموعات البشريه ، لذلك تأتى " المقاربه " لمحاولة سد الفجوات أو تقريب وجهات النظر فى محاوله لفهم ما يجرىلذلك فإنه عند الحديث عن حادثة " فرم " بائع السمك المغربى " محسن فكرى " ذلك الشاب الذى بحث عن عمل طويلا ولم يجد إلا أن يبيع السمك فى الشارع وأخذ تصريحا رسميا بذلك ، وتمر الأيام به وهو يعول عائلته البسيطه من بيع السمك الذى يبيعه بموافقة الدوله ويحمل تراخيص بذلك ، وفى يوم كسائر الأيام يمر حاملا سمكه من الميناء مارا بأكمنة الشرطه حاملا تصريحا بحمل وبيع السمك ، وما أن تطأ قدمه السوق حتى تداهمه الشرطه وتصادر السمك بحجة أن السمك الذى يبيعه غير مرخص ببيعه ، ولم يكتفوا بذلك رغم توسلات " محسن " بل قذفوا بالسمك فى عربه " الأزبال " _ بالمغربى _ الحديثه التى تفرم الزباله ، هنا ومن دافع الخوف على رزقه ومن شبح البطاله فقد رمى محسن نفسه داخل العربه على أمل إستعادة سمكه المصادر ولم يبال بالمفرمه التى فرمته ومات محسن مفروما فى عربة الأزبال ولم يتحرك من صادر السمك من الشرطه البلديه ولم يبال بموت محسن الذى ثارت ثائرة المغاربه الشرفاء لمقتله الذين حرك فيهم هذا المشهد المأسوى مشاعر الغضب على الأوضاع الإقتصاديه بجانب جوانب إجتماعيه أخرى وأجتاحت الإحتجاجات مدن مغاربيه عده ، وهو ما إستدعى أن يقوم الملك محمد السادس بإصدار قرارات لتقديم المتسبب فى هذه الحادثه المؤلمه للعداله بجانب إرسال من يقوم بالنيابه عنه لتقديم واجب العزاء .. ولكن هل يكفى هذا لنزع الغضب من الوضع الإقتصادى والذى كان سببا لخروج المغاربه فى إحتجاجات ؟؟
إن المقارنه بين الوضع الذى أوصل إلى الحاله المغاربيه فى موت أحد الباحثين عن لقمة العيش ، وبين الحالات المشابهه فى عالمنا العربى والإسلامى والعالمى ، لهى مقارنه سهله ويسيره وربما لا تستدعى منا جهدا كبيرا خصوصا لو كانت تتم على أسس علميه وبيانات إقتصاديه ، ولكن فى عالم كعالمنا العربى والإسلامى اللذان تغيب فيهما الأسس العلميه للقياس ناهيك عن الغياب شبه التام للبيانات الإقتصاديه الدقيقه والتى تعتبرها الحكومات العربيه والإسلاميه أسرارا حربيه لا يجوز البوح بها لأن الإقرار بها ربما يطيح بهم من سدة الحكم وهذا يجعل الصوره غير مكتملة الأركان . لذلك فإن " المقاربه " تصبح هى الحل السحرى الذى نلجأ له فى محاوله لفهم كامل الصوره والتى باعد فيها الساسه بين العلم والسلطه .. لذلك فإن محاولة المقاربه فى الحاله المغربيه وبين غيرها تصبح فريدة لأنها إعتمدت على مصطلح جديد غير الإنتحار أو الحرق أو أى وسيله تعبير قاتله ، لأنه قد ظهر مصطلح " الفرم " وهو ليس إقدام على محاولة إنتحار بل محاوله لإجبار المسئولين على وقف آلة الفرم من أجل إستعادة ما جاء من أجله ، فى المقابل لم يستجب له القائمين على ذلك ..
وعلى سبيل المقاربه ففى كتاب " طالبان " للكاتب الباكستانى أحمد رشيد ، يصف الكاتب زيارته للقاء الجنرال " عبدالرشيد دوستم " _ قائد المليشيات الأوزبكيه إبان الحرب الأفغانيه_ عام 1993 فى عاصمته مزار شريف حيث دخل إلى ساحة قلعة " كالاى جانجى " وهى مقر القياده ، ولفت نظره على أحد الحوائط وهو بعد ينتظر الإذن بمقابلة الجنرال أن حائط احد الجدران ملطخ بدم تصوره دم ذبيحه " عنزه " ، ولكنه لاحظ وجود بقايا عظام بجانب الدماء ، فقام بالسؤال وكان الرد الذى تلقاه " إن جنديا أتهم بعصيان الأوامر وحكم عليه الجنرال دوستم بالموت هرسا " .. ولما كان مصطلح " الموت هرسا " جديدا على أذنه فقد تمادى فى السؤال وكان له الشرح " وضعناه أمام دبابه تمر فوقه جيئة وذهابا عدة مرات حتى نتأكد أن جسمه أصبح لحما مفروما لا يصلح إلا لعمل كفته إذا كان هناك من يأكلها "
لذلك ومن جانب المقاربه بين فعل الهرس الأفغانى والفرم المغربى ، هل نستطيع أن نقول أن هذا الفعل وبشكل حصرى ملكيه فكريه لفنون التعذيب العربيه والإسلاميه ؟؟ أم تعبير عن خيبة لنظم فقدت القدره على إدارة البلاد التى تحكمها ؟
إن حالة بائع السمك تختلف عن حالة الجندى من ناحية المقارنه ، ولكنها من ناحية المقاربه تخبرنا بالكثير عن حالة مجتمعات فقدت القدره على الإستمرار على هكذا حالها وأصبح التفنن فى تعذيب المواطن سمه غالبه ، مواطن يطلب الإستقرار والأمان ويحارب من أجله ويفاجئ بقاتل سفاح عميل أمريكى يتفنن فى قتله حتى يكون عبره لمن لا يمتثل لأوامره فيقتل " هرسا " تحت جنزير الدبابه ، ومواطن ينشد الحياه الكريمه ولا يجدها ويكافح من أجل حياة الكفاف ولإنقاذ رزق أسرته ولكنه يجد من يتفنن فى أن يسلبه إياها من أتباع السلطه الذين يتركوه لألة الفرم لتفرمه وهو يكافح من أجل إستعادة رزقه ..
إن عالمنا العربى والإسلامى لا يجدى أسلوب المقارنات فيهما نفعا لغياب الشفافيه والنزاهه ، وتبقى المقاربات هى الحاكمه فى أسلوب الحكم على أداء دول العالمين الإسلامى والعربى وسلطة الحكم فيهما ، لذلك فإن حادثة مقتل محسن بائع السمك سرعان ما تستدعى مقاربه بينها وبين حوادث مشابهه مثل مشهد حرق البوعزيزى فى تونس الذى قامت بسببه شرارة ثورات الربيع العربى .. لذلك فإننا نريد عالما نزيها شفافا تحكمه النزاهه والحكم الرشيد ، تكون فيه البيانات متاحه للحكم على أداء الحكومات . نريد عالما يحترم فيه الإنسان ولا يهان وأن يحاكم وفق القانون وبأليات محدده ، بعيدا عن أسلوب الهرس والفرم . لذلك فإن حادثة " فرم " محسن بائع السمك لن تمر مرور الكرام وستترك ندوبا كبيره فى الذاكره المغربيه ـ وربما لن تعود معها المغرب كسابق عهدها وستصبح قيدا على حركة الحكومه الجديده المشكله حديثا من التيار الإسلامى الذى ينظر له على أنه جاء ليعيد كرامة الإنسان ..
لن يكون محسن آخر الواصلين إلى الموت ، لكن الذى سيبقى ولمده طويله أن هذا العالم العربى والإسلامى سيظل يدار بعقلية المقاربه حتى يأتى الزمان الذى ننشده والذى نستطيع أن نعقد فيه مقارنه صحيحه وسليمه لأوضاعنا كلها .. وحتى هذا الزمان لن يكون " الفرم" آخر المصطلحات التى تؤدى بالمواطن إلى الموت
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه