بقلم / ياسر رافع
مع
إنتهاء أحداث الفيلم المصرى " الحرام " عن قصه بنفس الإسم للكاتب الكبير
" يوسف إدريس " حتى يأتى صوت الفنان الراحل " حسين رياض "
معقبا على نهاية أحداث الفيلم قائلا :
" وعادت عزيزه جثة هامده ، ولكن الناس ظلوا يتساءلون هل هى خاطئه غسلت بالموت
عارها ؟ أم شهيده دفعتها خطيئتها إلى خطيئة أخرى "
عزيزه ! تلك الفلاحه الفقيره المعدمه التى إتخذها الكاتب نموذجا صارخا للحكم على
مجتمع ظالم يكيل بمكيالين ! مجتمع لم يرحم الفقراء منه ، ومارس عليهم نفس فعل
الأغنياء معه ، ولم يرحم فقرهم وثيابهم الباليه ورائحه الفقر التى تفوح منهم ،
والبطاله التى يرزحون تحت نيرانها يرجون قروشا قليله تقيهم الجوع والعوز
لقد كانت خطيئتها أنها فقيره أوقعها فقرها وجوعها فى خطيئة الزنا الذى أجبرت عليه
إغتصابا من قبل أحد ملاك الأراضى الصغار والذى كانت تبغى من أرضه " سرقة
" جذر بطاطا ليسد جوعها هى واسرتها المكلومه فقرا ومرضا ، ولكن هذا المالك
غفر لها سرقة جذر البطاطا ولكنه أخذ منها شرفها غصبا عنها ،
ومع مرور الأيام يشتد خوفها من فضيحة الحمل الذى حاولت جاهدة التخلص منه ولكن يأبى
جنين الحرام أن يسقط إجهاضا ، سافرت مع من على شاكلتها من أبناء " الترحيله
" تلك العماله التى لا تملك من حطام الدنيا إلا عافيتها يؤجرونها لمن يدفع
لهم قروشا زهيده لا تساوى حجم الإهانه ولا المجهود المبذول وسط مجتمع ريفى لا يقل
ساكنوه ظلما عن أسياده الباشا والبيه .
وهناك فى تلك القريه البعيده وضعت مولودها طفل الحرام ولكنها كتمت أنفاسه خوفا من
الفضيحه ، ولكن تأبى الفضيحه إلا أن تبدأ ويبدأ معها الكشف عن مجتمع ظالم يمارس مع
نفسه فعل الجلد الذى تعود عليه من أسياده عبر التاريخ ، فمع ظهور جثة الطفل الرضيع
حتى بدأ الجميع يبحث عن أم المولود الخاطئه التى لوثت شرف مجتمع ظاهره شريف وباطنه
ينخر فيه السوس ، وطالت الحكايات والإشاعات كل نساء القريه ، وتحدث الجميع فى
سلوكيات النساء كلها ، وظهر من خلال الحكايات أن هذا المجتمع فاسد يبحث عن ضحيه
يعلق عليها كل أوزاره ، حتى ظهرت عزيزه بنت أبناء الترحيله مريضه منهكه وسط الحقول
هنا عرف الجميع أنها هى أم الرضيع المقتول ، هنا تحول المجتمع إلى جلاد ليس لها
فقط بل لبنى جلدتها من الرحاله لأنهم الأقل وزنا وقيمة منهم أصحاب الشرف الرفيع ،
يريدون من وراء ذلك طمس كل الحقائق التى يعلموها عن أنفسهم ولكن لا يريدون التصريح
بها .
ومع توالى الأحداث تموت عزيزه بحمى نفاسها قرب الشجره التى قتلت رضيعها تحتها ،
ويتجمع الجميع حولها ويقررون إعادتها إلى قريتها لتدفن بين أهلها ، ورجع كل شئ إلى
سابق عهده .
ولكن مع إندلاع ثورة يوليو 1952 تحرر بنى جلدتها من الترحيله من أسر عبودية المجتمع
وأصبحوا ملاكا وتساووا مع أبناء مجتمعهم الذين أذاقوهم الذل والإهانه ليس لسبب
كبير غير أنهم ليس لديهم حتى ولو قيراط أرض واحد فى الوقت الذى يقعون هم تحت ذل
كبار الملاك ( عبيد يضطهدون عبيد )
ولكن الملفت للنظر بعد أن تغيرت النظره المجتمعيه بين الفلاحين والترحيله أن تحولت
الشجره التى ماتت تحتها عزيزه وطفلها رمز الخطيئه ، إلى مزار لكل نساء القريه
وجوارها يتبركون بها من أجل البحث عن الولد ، وتناسى الجميع الفرق بين الخطأ
والخطيئه بعدما إختلفت نظرة المجتمع للحدث .
لا شك أن
ثورة يوليو قد ساهمت فى القضاء على النظره الفوقيه بين الناس فى المجتمع إلى حين !
ولكن هذه النظره الفوقيه عادت تدك مكتسبات شعب كافح من أجل حياة العداله الإجتماعيه
، وهاهو المجتمع المصرى ينزلق نحو مجتمع الحرام كما لو كنا لم نخطو خطوة واحده منذ
قيام ثورة 1952 ، فأصبح المجتمع جزرا منعزله الكبار ورجال الأعمال فى مزراعهم
وقصورهم المحاطه بأسوار عاليه ، مفصولا عن بقيه مجتمع يمارس الحرام الإجتماعى
والإضطهاد الممنهج لكل ما هو فقير فى هذا البلد ، الفقير أصبح هو المهان وأنه سبب
كل الكوارث لمجرد أنه ليس لديه ما يسد رمقه ، لذلك فعليه أن يسدد فواتير مجتمع دب
فيه العفن ، لا يريد أن يعترف بأخطاءه ولا خطاياه يمارس غسيل عاره الإجتماعى
وينشره على أجساد الفقراء فقط ، من أصحاب المهن المتواضعه والمعدومين الذين يمارس
ضدهم أبشع الجرائم الإجتماعيه من تهميش ونهش لأعراضهم ، وأصبحوا هم ترحيلة مجتمع
لا يعلم هل هو مجتمع إشتراكى ! أم مجتمع رأسمالى ؟ ولكنه يعلم جيدا بفعل موروثه
التاريخى كيف يأكل نفسه بنفسه ولا يقدر على تغيير واقعه إلا إذا جاءت قوه جباره
تصحح مساره .
إنها أزمه مجتمع يبحث عن وطن جديد بموروث قديم .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه