بقلم / ياسر رافع سعيد مهران محاصر بقوات البوليس ، ويسمع صوت فى مكبر الصوت :
الصوت : سلم وأعدك أنك ستعامل بإنسانيه
فقال : إنسانية رؤوف ونبويه وعليش والكلاب
الصوت : إختر بين الموت وبين الوقوف أمام العداله
فصرخ بإزدراء : العداله يا كلاب
إنه سعيد اللص الذى تحول على يد الكاتب الكبير " نجيب محفوظ " إلى أيقونه حاكم من خلالها مجتمع ما بعد ثورة يوليو 1952 والتغير الذى طرأ عليه ، وعلى الرغم من قراءتى للروايه ومشاهدة العمل الفنى الذى يحمل نفس إسم الروايه ، إلا أنه لم يدر بخلدى أبدا أنها دائما مرتبطه بأحداث تعقب الثورات وتغييرالأ نظمه . ولكن بعد ثوره 25 يناير وعلى بعد أيام من إكمال عامها الخامس ، وجدت أن الروايه حاضره وبقوه بشخوصها وأحداثها وكأنها تحكى واقعا معاشا ، وليس خيال أديب مبدع . ولعل العلاقه الخاصه بين " سعيد مهران " اللص و " رؤوف علوان " المثقف هى أروع تجسيد لما حدث بعد ثورة 25 يناير ، فـ "سعيد مهران" كان يرى فى " رؤوف علوان " أستاذه رغم تقارب السن ، ولما لا وهو الذى أنقذه فى أول سرقه له ، وهو الذى أعطاه النصيحه الأولى التى تدل على رجل يحمل قيما ثوريه تكره مجتمع ما قبل يوليو 52 ، عندما قال :
_ هل إمتدت يدك إلى السرقه حقا يا سعيد ؟ .. برافوا .. كى يتخفف المغتصبون من بعض ذنوبهم . إنه عمل مشروع .. لا تشك فى ذلك ، أليس عدلا أن ما يؤخذ بالسرقه فالبسرقه يجب أن يسترد ؟
وكان هو الذى أغراه بأن يقرأ وبأن يتدرب على إستخدام السلاح
ويوما قال له : سرقات فرديه لا قيمة لها ، لابد من تنظيم فى هذا الوطن لا يستغنى فيه الفتى عن " المسدس والكتاب " المسدس يتكفل بالماضى والكتاب للمستقبل ، تدرب وأقرأ
.. وبعد ان خرج " سعيد مهران " من السجن _ والذى إعتبره الكاتب بداية ما بعد الثوره _ وجد أن كل شئ تغير وأن الخيانه الشخصيه له بلغت حدا لا يقبل إلا لغة الرصاص ، فلجأ إلى أستاذه "رؤوف " فوجد ان الحال قد تغير معه أيضا وتحول من ناقم على الأغنياء إلى ناقم على الفقراء ، ولم يجد سعيد فرقا كبيرا بين خيانة " نبويه وعليش " له وبين خيانة " رؤوف علوان " لمبادئه وللوطن ، هنا قرر سعيد أن يثور ويحاول أن يعيد التوازن المفقود فى منظومة ما بعد الثوره على طريقته وبأسلوبه ، وعلى الرغم من عدم قضاؤه على ثالوث ( نبويه_عليش_علوان ) وسقوط ضحايا له من الأبرياء ، وهجوم " رؤوف علوان " عليه فى جريدته الخاصه ، إلا أن الناس البسطاء تعاطفوا معه ، حتى أن " نور" صديقته قالت له :
قالت : الناس يتحدثون عنك وكأنك عنتره
سعيد : أكثرية شعبنا لا تخاف اللصوص ولا تكرههم ، ولكنهم بالفطره يكرهون الكلاب
وعلى الرغم من موت " سعيد مهران " برصاص البوليس فى نهاية الروايه ، وربما إعلانا من كاتب الروايه ، أن نموذج ( نبويه_عليش_علوان) هو نموذج سائد ، وأن نموذج " سعيد " هو نموذج طارئ وغير سائد ، إلا أن " سعيد مهران " مات قبل ذلك عندما تحولت الخيانه من الشخصيه إلى خيانة الوطن ، عبر إشاعه جو من القيم الفاسده ومحاولة كتم الأنفاس ، وأن " رؤوف علوان " نموذج مكرر وليس عارضا فى حياة الشعوب ، وأن الثوره فى سبيلها لتحقيق أهدافها لن تجد لها سبيلا إلا بالقضاء على نموذج ( رؤوف علوان )
.....
كان هذا جزءا من حوار طويل مع " محمود العوضى " شاب نابه مثقف لا زال فى بداياته الأولى ، ولكنه يحمل عقلا راجحا ، يذكرنى ببعض من ذكريات الشباب ، والذى يعتقد إعتقادا لا يقبل الشك أن نموذج " رؤوف علوان " هو النموذج السائد بعد ثورة 25 يناير ، وعلى الرغم من نقاشنا الطويل إلا أننى لم أستطع أن أقنعه بأن هذا النموذج ليس ولا يجب أن يسود ، إلا أننى فى نهاية الحديث وبعد أن إستأذن ومشى ، وجدتنى أحادث نفسى قائلا : لما انت مقتنع أن رؤوف علوان هو النموذج السائد حاليا ، فلما كنت تقنعه بالعكس ؟ أو تقلل من أهمية سيادة هذا النموذج ؟
فرددت على نفسى قائلا : حتى لا يتحول شاب قادم إلى المستقبل إلى سعيد مهران أخر ، لن يجنى من يأسه إلا رصاصات تخترق جسده بدلا من رؤوف علوان ..
وإلى حوارات أخرى ...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه