بقلم / ياسر رافع
العذر بالجهل هو مسأله فى غايه الخطوره لما ينطوى عليها من إرتكاب أخطاء تطال المجتمع تحت دعاوى العذر بالجهل ، لذلك وضع لها الشرع قواعد تنظمها وكما ذكر السيوطى كمثال " كل من جهل تحريم شئ مما يشترك فيه غالب الناس لم يقبل منه دعوى الجهل ، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام أو نشأ بباديه بعيده "وهو ما أقره القانون المصرى نصا " من المقرر أن الجهل بالقانون أو الغلط فى فهم نصوصه لا يعدم القصد الجنائى بإعتبار أن العلم بالقانون وفهمه على وجهه الصحيح أمر مفترض فى الناس كافه ... "
ولكن مع التحذير الشرعى والقانونى إلا أنه يحلو للكثيرين التعذر بالجهل فى زمن صارت فيه المعلومه تستدعى بكبسة زر ، وهو ما ينطبق على فهم الكثيرين لطبيعة العلاقات المصريه_ الإيرانيه والتى هى من القدم والاستمراريه مما يستعصى على التعذر بالجهل عند الحديث عنها .. فهى علاقات ممتده منذ كتابة التاريخ الإنسانى ، وقد يستعصى على الكثيرين تقبل أن إيران " الفارسيه " قد حكمت مصر فى العام 525 ق .م ، تحت قيادة الملك " قمبيز " وهى علاقات قامت على فكره التنازع الإمبراطورى التوسعى الذى يحاول فى أقل درجاته حماية المصالح المباشره لكلا الدولتين ، وصولا لفكرة الإستيلاء وإرث الأخر
لذلك أدى التنازع بين الإمبراطوريه الوليده " الفارسيه " والإمبراطوريه الزائله " الفرعونيه " وهو صراع وجود إلى أن إحتلت " إيران " الفارسيه " مصر " الفرعونيه " وعلى الرغم مما قيل عن تسامح الملك " قمبيز " مع المصريين إلا أن ذلك منافى للحقيقه فقد أهان معتقدات المصريين رغم بدايته الجيده مع الكهنه ، وأمر بإخراج جثمان " أحمس الثانى " ملك مصر وأمر بإهانتها وإحراقها ، وحاول السيطره بجيوشه على أنحاء مصر ، فكان أن أرسل جيوش متعدده ومنها جيش ذهب للسيطره على واحة " سيوه " لهدم معبد " جوبيتر" إلا أن أرض مصر وصحاريها إبتلعت هذا الجيش ، وأصبح إختفاؤه لغز من ألغاز التاريخ ..
ومع ظهور الإسلام ودخول " إيران" و " مصر " تحت مظلة الحكم الإسلامى بل وأصبحا دولتين تحت ولايه إمبراطوريه واحده ، إلا أنه وعلى الرغم من إعتناق مصر للإسلام وتغيير لغتها للعربيه ، إلا أن إيران وعلى الرغم من تقبلها للإسلام كدين إلا أنها إحتفظت بلغتها الأصليه ، وكان هذا أول مظهر من مظاهر المقاومه الإمبراطوريه للحكم الاسلامى الجديد . وأصبحت إيران منذ نشأة الدوله الاسلاميه مركز مقاومه على أمل إستعادة أمل إمبراطورى زائل وعلى الرغم من إعتناقها " المذهب الشيعى " فى محاوله تجميليه لوجه إمبراطورى توارثته الأجيال إلا أنه لم يفلح فى إستعاده ما مضى ..
وصارت العلاقات الإيرانيه_المصريه منذ ذلك الحين تراوح مكانها فى إطار الدوله الإسلاميه ، ومعلنه إنتهاء الحلم الإمبراطورى لكلتاهما ، إلا أن الحلم الإمبراطورى تجدد مع حلم الملك " فاروق " بأن يكون خليفه للمسلمين فى إستعاده وهميه لحلم إمبراطورى لم تتوفر له أسباب العوده ، فكان أن زوج أخته " فوزيه " لإبن شاه إيران الذى كان يردد دائما أنه وريث إمبراطوريه ممتده لأكثر من ثلاث ألاف سنه .. وعلى الرغم من فشل الزيجه مصحوبا بفشل المحاوله المصريه الأخيره لإستعادة حلم زائل . إلا أن عصرا جديدا من الصراع بين الدولتين بدأ منذ ان ساندت مصر الناصريه المقاومه الشيعيه التحرريه بقياده الخمينى ضد الشاه ، وحتى مصر السادات والتى غيرت بوصلتها وساندت الشاه ضد معارضيه ، حتى قامت الثوره الإيرانيه والتى كانت إيذانا بتضخم الذات الإيرانيه وتوهم قرب تحقيق الحلم الإمبراطورى وحلم السيطره على الجوار الإستراتيجى وهو ما دخل بالعلاقات المصريه_الإيرانيه فى مرحله الصراع التقليديه ، فساندت مصر العراق فى حربه مع ايران ، وقطعت العلاقات معها وساهمت مصر فى محاصرة إيران التوسعيه ، فى محاوله لحماية أمنها القومى ـ وأصبحت دول الخليج العربى هى الساحه المثلى للصراع بين مصر وإيران طوال حكم الرئيس مبارك .
إلا أن قيام ثورة 25 يناير وظهور إيران على خط الثوره وقيام الرئيس أحمدى نجاد بزيارة القاهره بدعوه من الرئيس محمد مرسى ، وقيامه بزيارة مسجد الإمام الحسين ، قد أعطى رساله سلبيه عن دور إيرانى كبير على حساب الدور المصرى حتى فى عقر داره ، ووسط مطالبات إيرانيه للسلطات المصريه بإعطائها تصاريح للبحث والتنقيب عن جيش " قمبيز" القديم ، فى إشاره لا تخطئها العين " إيران تبحث عن إمبراطورية "قمبيز" بثوب التشيع " .. ولكن هذا سقط مع قيام 30 يونيو فتراجعت إيران للخلف ، حتى ظهرت على خط الأزمه السوريه ، وعادت الإحتكاكات الخشنه مع دول الخليج وصولا لقطع العلاقات فيما بينهم ، وصولا للحديث عن تشكيل محور سنى بقيادة السعوديه فى مواجهة محور شيعى بقيادة إيران
لكن أين مصر من التطور الأخير ؟؟ وسياسه المحاور الجديده ؟ وهل ستتسق مع السياسه العامه المصريه ؟
أعتقد أن سيولة الأحداث الأخيره ستجعل القياده المصريه تتمهل فى تحديد ماهية السياسه الجديده خصوصا وأنها تلبس ثيابا دينيه ومذهبيه ، وهو ما سيلقى بتبعات عميقه على الداخل المصرى قبل خارجه ، فى مقابل ضعف الحاله الإقتصاديه وسقوط مراكز القاهره الإستراتيجيه بدرجه أو أخرى وأصبحت أسيره لنفوذ إيرانى واضح فى كلا من بغداد ودمشق ، وكذلك دخول السعوديه كلاعب جديد يريد أن يفرض شروطه على كلا من إيران ومصر .
لذلك على القياده المصريه أن لا تنساق وراء سياسة المحاور المذهبيه ( شيعى_سنى ) ودخول فى صراع لا طائل منه يشغلنا عن الصراع الإساسى وهو صراع وجود ، صراع البقاء للأقوى ، ولنتذكر جميعا أننا فى مركب دينى واحد ، والمذهبيه ما هى إلا إستعاده حلم إمبراطورى قديم ، لذلك فلا يجوز الإنجرار وراء دعوات الصراع المذهبى والوقوع فى وهم الإنتصار الطائفى المتوقع ، الذى لن يبقى ولا يذر وسيحرق الأخضر واليابس وسنخرج منه أضعف وأوهن وسنصبح فريسه لعدو يتربص بنا على الحدود ،عندها لن يسعكم التعذر بالجهل فى أنكم تناسيتم أساس الصراع الوجودى واستبدلتموه بصراع مذهبى ، ولن يرحمكم الشرع ولا
القانون من المحاسبه على ما فرطتم فى اسس وثوابت السياسه المصريه ،
قمبيز يتجهز بجيشه بثياب شيعيه ، فهل هناك فرعون مصرى بجيش سنى .. أعتقد أن الكثيرين يريدون تلك الصيغه .. ولكنى أريدها صراع إمبراطورى بعيدا عن الصراع الدينى
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه