بقلم / ياسر رافع
الخيانه والعماله من المصطلحات التى سكت على مدار التاريخ الإنسانى لتكون خطا أحمر ضد من يحاول خيانة الوطن والعماله للأعداء ، ووضعت لهما عقوبات جنائيه رادعه تصل فى بعض الأحيان إلى الإعدام .. ولكن على الرغم من إلتصاق تهمة العماله والخيانه بالمتعاونين مع أعداء الوطن سواء فى حالة السلم او الحرب .. إلا أن كلا المصطلحين وكبقيه المصطلحات قد سحبا سحبا إلى مساحات اخرى بعيدا عن كونهما مصطلحين سكا كخط دفاع عن الوطن إلى وسيله تخندق ورائهما كل المختلفين سياسيا داخل الوطن لإثبات مدى ولائه ووطنيته فى مقابل إتهامات بالعماله والخيانه للطرف السياسى الأخر وهى فى معظمها بل كلها فى بعض الأحيان غير صحيحه ، ومع تجذر تلك الحاله المزريه داخل الوطن فإنها قد خلفت قدرا من الركام داخل العقل الجمعى لدى الشعب ونخبته حتى إختلط الحابل بالنابل وضاعت مصداقية الجميع أمام الجميع ..ولعل أزمه زيارة السفير الإسرائيلى " حاييم كورين " لنائب مجلس النواب والإعلامى المثير للجدل " توفيق عكاشه " لهى مثال حى قديم ومتجدد ، فالدنيا قامت ولم تقعد وأعتبر المهاجمين أن ذلك يعتبر " تطبيعا " غير مقبول بل وصل الحال إلى إستدعاء المدفعيه الثقيله من الخيانه والعماله والجمل الداله عليهما لوصفه ، حتى أصبح " توفيق عكاشه " بين عشية وضحاها هدفا رأى فيه الجميع فرصه لإثبات وطنيته ..
وعلى الرغم من عدم إتفاقى مع ما قام به " توفيق عكاشه " إلا اننى أتذكر معركه مشابهه جرت وقائعها منذ ما يقرب من العشرين عاما وتحديدا فى 30 يناير 1997 حيث تم الإعلان فى عاصمة الدنمارك عن تدشين ما عرف وقتها " بإعلان كوبنهاجن " والذى وقع عليه بعض المفكرين والمثقفين المصريين والإسرائيليين بعلم من الحكومه المصريه ، وذلك بهدف إيجاد صيغه للتقارب بين الشعبين وتفعيل إتفاقية " كامب ديفيد " والخروج من دائرة " السلام البارد " إلى " السلام الساخن " وهو ما إندرج أيامها تحت بند " التطبيع الثقافى " ، ولكن بعد أن تم الإعلان عن هذا التحالف ومع وصول المفكرين والمثقفين المصريين إلى أرض الوطن حتى إنهالت عليهم الإتهامات بالخيانه والعماله ولم يشفع لبعضهم مثل الكاتب الكبير الراحل " لطفى الخولى " تاريخه الوطنى ولا النضالى لدى النخبه ولدى الشارع المصرى الكاره لإسرائيل من أن يكون هدفا للرمايه والقذف والقدح ، ومع إشتداد الهجوم ضد إتجاه التطبيع السياسى مع إسرائيل وبعد سنه تقريبا فقد رأت الدوله أن تتخلص من هذا الصداع على طريقتها ، فعلى هامش لقاء الرئيس مبارك بالمثقفين بمعرض الكتاب يناير 1998 ، قال الرئيس موجها حديثه للطفى الخولى قائلا " أطلب من لطفى الخولى أن يشرح لنا معنى التطبيع الثقافى " هنا هاجت القاعه الرافضه للتطبيع فى محاوله لإسكات لطفى عن الرد .. هنا قال الرئيس مبارك منفعلا على الحاضرين قائلا " الله .. دا إنتوا يظهر عاملين حزب وأنا معرفش "
هكذا تخلصت الدوله من دعاة " كوبنهاجن " ووضعتهم عرايا أمام الجميع ونفضت يدها من دمائهم ، حتى مات منهم من مات كمدا وحسره بعد ان عانى العزله والإنكسار وكلل بأكاليل الخيانه من الوطنيين الاحرار الذى يظهر معظمهم وقت الأزمات فقط ..
وما بين " لطفى الخولى " و " توفيق عكاشه "_ مع الفارق _ تكمن المشكله فى نظرى فى إشكالية وحدود إقتراب المثقف من السلطه وتبنى مفرداتها على الرغم من قناعاته الأساسيه وإختلافها مع ما تبنته السلطه سابقا ، ذلك الإقتراب إحترق بناره من حاول أن يناور ويقترب بأفكاره مع السلطه فإذا به وكأنه فراشة حامت حول النور حتى إحترقت بالنار لأن السلطه لا تعرف إلا لغة الإلتزام بالخط المرسوم وحدود ما تقرره مصلحتها
و تناسى الجميع أن الدوله قادره وفاعله وتعرف حدود " الحنجره " التى تزعق فى وجهها ، ولكنها غير راغبه فى " التطبيع الثقافى " من أساسه وهو إتهام قديم وجهته القياده الإسرائيله للقياده المصريه فى أنها غير راغبه فى تحويل السلام من " سلام بارد " إلى " سلام ساخن "
إذا فما الهدف من إطلاق بالونات إختبار الوطنيه لدى الشعب بين الحين والأخر ؟ أعتقد أنها تأتى فى سياق إستغلال ورقة الغضب الشعبى من الكيان الصهيونى من قبل السلطه لتكون ورقه ضغط تراها مناسبه لإدارة العلاقات الدبلوماسيه بينهما وإستغلالها كأخر حصن تتحصن فيه الدوله أمام الضغوط الخارجيه الراميه لأن تكون إسرائيل مركز العالم العربى الثقافى والإقتصادى
لذلك يا دعاة التخوين والعماله لقد هرمنا من القذف والقذف المضاد والإتهامات المتبادله بالخيانه والعماله ، والتى أصبحت سمه أساسيه للمشهد المصرى منذ ثورة 25 يناير وما تلاها من 30 يونيو وحتى يومنا هذا ، الكل أصبح خائنا فى نظر الأخر ، المجتمع يعانى لم يعد يعرف ماهية الخيانه الحقيقيه ، هل الدوله خائنه عندما تتعامل مع أعدائها وقت السلم ؟ أم أن الأفراد هم من يوصفون بالعماله عندما ينفذون أوامر الدوله بالتعامل مثلها ؟ أم ان لقاء السفير الإسرائيلى خيانه ولقاء الأمريكى لا ؟
حنانيكم علينا فانتم لستم أكثر وطنيه من شعب كبحر متلاطم الأمواج يكره الكيان الصهيونى ، ولا تنصبوا انفسكم دعاه بإسمه ، وتذكروا أن وجودكم السياسى قد تم عبر الموافقه على إتفاقية " كامب ديفيد " ..
هذا ليس دفاعا عن أحد فى مواجهة أخر ، بل محاوله للفت الإنتباه إلى اننا مطالبون بأن نقف ولو لدقيقه واحده لنعى من أن الشعب فقد الثقه فى نخبته ومؤسسساتها السياسيه لأنها تفرغت للتخوين والعماله ولم تقدم له شيئا يسد به رمقه
هنيئا للسلطه بكم .. فلم تعودوا تمسكون بأيديكم أحلام الفقراء تلوحون بها فى وجهها .. وأمسكتم بدلا منها الميكروفونات التى تسمعون من خلالها أصداء كلماتكم الرنانه ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه