الثلاثاء، 21 ديسمبر 2021

سنمار السعودى




بقلم / ياسر رافع

فى مملكة الحيره القديمه كان هناك ملك أسمه " النعمان " أراد أن يبنى قصرا فخما لا مثيل له ، وأختار لذلك مهندسا فذا ذو خبره واسعه أسمه " سنمار " الذى لم يألوا جهدا فى بناء القصر الذى أسماه " الخورنق " والذى صار أعجوبه هندسيه ، وبعد أن فرغ " سنمار" من بناء القصر تحدث مع الملك النعمان عن أنه يستطيع بناء قصر أخر أكثر جمالا وأن قصر " الخورنق " يقوم على سر لا يعرفه إلا هو ، وهو أن القصر يعتمد هدمه على " أجره " _ حجر _ إذا نزعت من مكانها إنهدم البناء ، ففكر الملك مليا ثم أمر بإلقاء سنمار من أعلى القصر حتى لا يبنى قصرا جديدا أو أن يفشى سر قصره لأحد .
هذه القصه تلخص ما يثار حاليا حول قانون " جاستا " _ العداله ضد الإرهاب _الذى أقره الكونجرس ومجلس الشيوخ الأمريكى الذى يتيح مقاضاة المملكه العربيه السعوديه من قبل أسر ضحايا هجوم الحادى عشر من سبتمبر على الرغم من عدم وجود أدله تدين السعوديه أو تثبت تورط حكومتها ، حيث إنه يعطينا مشهدا معادا ومكرر لفعل الملك النعمان مع سنمار المهندس ، حيث نرى أمريكا وهو تلقى سنمار السعودى فى العراء خائفا من الملاحقه القضائيه وجحيم التعويضات التى حتما ستؤثر عليه إقتصاديا ، بعد سنوات تحالف وقتال وتمويل لمساندة الحليف الأكبر أمريكا على كامل مساحة المعموره كلها ، ولكن القانون لم يأتى مفاجئا لأحد فالسجال وإختلاف الرؤى بين الحليف الأكبر أمريكا والسعوديه بدأ منذ فتره طويله نتيجة تقاطع المصالح بينهما وهو ما ظهر جليا فى مقال فى جريدة الشرق الأوسط لرئيس المخابرات السعوديه السابق الأمير " تركى الفيصل " فى أواسط شهر مارس الماضى بعنوان " لا .. يا مستر أوباما " الذى قال فيه مذكرا أمريكا بما فعلته السعوديه من أجل التحالف موجها حديثه للرئيس الأمريكى " باراك أوباما " قائلا  " نحن لسنا من يمتطى ظهور الأخرين لنبلغ مقاصدنا ، نحن من شاركناك معلوماتنا التى منعت هجمات إرهابيه قاتله على أمريكا ، نحن المبادرون إلى عقد الإجتماعات التى أدت إلى تكوين التحالف الذى يقاتل فاحش ( داعش ) ونحن من ندرب السوريين الأحرارالذين يقاتلون الإرهابى الأكبر بشار الأسد والإرهابيين الأخريين النصره وفاحش ، نحن من قدم جنودنا لكى يكون التحالف أكثر فعاليه فى إبادة الإرهابيين ونحن من بادر إلى تقديم الدعم العسكرى والسياسى والإنسانى للشعب اليمنى ليسترد بلاده من براثن ميليشيا الحوثيين المجرمه التى حاولت بدعم من القياده الإيرانيه إحتلال اليمن ومن دون أن نطلب قوات أمريكيه ، نحن الذين اسسنا تحالفا يضم أكثر من ثلاثين دوله مسلمه لمحاربة كافة أطياف الإرهاب فى العالم ، نحن أكبر متبرع للنشاطات الإنسانيه التى ترعى اللاجئين السوريين واليمنيين والعراقيين ، نحن من يحارب العقائد المتطرفه التى تسعى لإختطاف ديننا وعلى كل الجبهات ، نحن الممولون الوحيدون لمركز مكافحة افرهاب فى الأمم المتحده الذى يجمع القدرات المعلوماتيه والسياسيه والإقتصاديه والبشريه من دول العالم ، نحن من يشترى السندات الحكوميه الأمريكيه ذات الفوائد المنخفضه التى تدعم بلادك ، نحن من يبتعث آلاف الطلبه إلى جامعات بلادك وبتكلفه عاليه لكى ينهلوا من العلم والمعرفه ، نحن من يستضيف أكثر من ثلاثين ألف مواطن أمريكى وبأجور مرتفعه لكى يعملوا بخبراتهم فى شركاتنا وصناعاتنا "
ومع نهاية المقال الذى يكشف حجم التردى فى العلاقات بين أمريكا والسعوديه فى عهد الإداره الأمريكيه الحاليه ، نجد وعلى الرغم من تلك المرافعه الكلاميه التى غلب عليها الطابع العربى الذى يذكر الأخرين بالمآثر والعطايا إلا أن  الملك النعمان الأمريكى قد قرر إلقاء سنمار السعودى من أعلى درجات التحالف بينهما إلى الدرجه التى عندها يجرده من الحمايه والملاحقه القضائيه فى مواجهة من هب ودب . ولكن هل سيصمت سنمار السعودى ؟ وهل سيصبح طريدا ومطاردا من أمريكا ومواطنيها ؟ أم أن هذا الجزاء السنمارى مجرد شكلا جديدا لإختلاف الرؤى حول أدوار إستراتيجيه جديده فى المنطقه ؟ أم أن السعوديه فقدت دورها ولذلك تريد أمريكا حليفا جديدا بمواصفات أخرى أكثر فعاليه ؟ وهل يستطيع سنمار السعودى بعد هذا الجزاء أن يبنى قصرا جديدا من التحالفات تضمن عدم سقوطه النهائى ؟ أم أنه قادر على رد الجزاء للمك الأمريكى بإفشاء أسراره وسر قوته طوال أكثر من ستين عاما من التحالف الغامض المعلن ؟
السعوديه تعيش حاله من عدم التصديق واليقين ، عدم التصديق أن أمريكا تفعل بها هذا الفعل وذلك نابع من طبيعة التفكير العربيه المأخوذه من الطبيعه البدويه القائمه على الكرم والحفاوه والتى ليست لها وجود فى عوالم السياسه حيث المصالح وحدها هى ما تحدد  الإتجاهات ، وعدم اليقين منشأه هو الإعتماد الكامل على أمريكا وسياساتها طوال السنوات الماضيه وهو ما أفقدها القدره على المناوره والإرتكان على محاور سياسيه أخرى فى مواجهة الهجمه الأمريكيه عليها .. لذلك على السعوديه ان تدرك أن جزاء سنمار لن يكون الأول ولا الأخير فهو مقدمه لسلسله طويله من الجزاءات ستطال الجميع وليس السعوديه فقط ، لذلك على سنمار السعودى إذا أراد أن ينجو أن يعمل على إنشاء تحالفات جديده خارج الإطار الذى يتم الأن وأن يتخلى عن طموحاته الجامحه التى اورثته مزيدا من التراجع السياسى والإقتصادى وأن يعلم أن فى جعبته من الأسرار ما يستطيع بها أن يرد الجزاء للملك الأمريكى بالمثل إذا أراد _ أشك _  ، ولا يخاف فمثال فيتنام قابل للتكرار ، ولا يجب أن يكون من ضمن التفكير للخروج من براثن وتداعيات هذا الجزاء السنمارى هو أن تكون البوابه الإسرائيليه هى الدرع الذى تقف خلفه ليحميك ، ولتعلم أن قانون " جاستا " بقدر ما هو جزاء لك فهو يدل على أن الإدراه الأمريكيه والقوه الأمريكيه بكاملها تعانى أزمه  لذلك فلا يتطلب منك تقديم تنازلات أكثر يطلبها الملك الأمريكى سواء فى الداخل السعودى أو خارجه ..
أعتقد أنه ورغم الخلاف مع التوجهات السعوديه فى المنطقه إلا أن الجميع مطالب بالوقوف وراء السعوديه ليس فقط من منطق الدفاع عنها ولكن أيضا من منطق عدم الإبتزاز خصوصا وأن المنطقه بها الكثير من " السنمار" وكذلك من المرشحين أن يبقوا " سنمارا " وهو بالطبع سيؤثر على الشعوب العربيه التى تعانى أصلا من المشكلات الأمنيه والإقتصاديه ولا تقبل المزيد . وأننا يجب أن نعى جيدا درس قانون " جاستا " لأنه لن يكون الأخير ضمن سياسة الترويض المتبعه من الكاوبوى الأمريكى لترويض العرب لصالح سياساتها وسياسة إسرائيل فى المنطقه ..
سنمار العربى يجب عليه أن يتعلم أن يبنى قصرا أخر بعيدا عن قصر الملك وأن يتعلم ان يخفى اسراره بعيدا أيضا ، حتى ما إذا جاء يوم الجزاء وأصبح واقعا فلا يكون أمامه إلا الإحتماء بالقصر الجديد أو أن يفشى أسرار الملك وتصبح عندها مركته الأخير هى " قلعة المسادا " اليهوديه _ علي وعلى أعدائى  .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...