السبت، 18 ديسمبر 2021

مصر و السعوديه واقع جديد




بقلم / ياسر رافع

السوق والخيمه .. نصيحه تلقاها وزير الخارجيه الأمريكى الأسبق " هنرى كيسنجر " عندما تولى ملف العلاقات العربيه الإسرائيليه بعد حرب أكتوبر 1973 ، مفادها أن كل شئ فى المنطقه العربيه قابل للمساومه على منطق السوق وأن القرار النهائى فى يد ساكن الخيمه وليس أحدا غيره ، وقد نجح " كيسنجر" فى إستعمال هذه النصيحه و إستطاع أن يفرق التكتل العربي إلى كتل منفصله يساومها بمنطق السوق حتى كان له ما أراد وأستطاع أن يوجد صلحا منفردا بين مصر وإسرائيل بقرار منفرد من ساكن الخيمه ..
ومنذ ذلك التاريخ أصبحت علاقات أمريكا بالعرب قائمه على المساومه والإبتزاز بمنطق السوق ، وأصبح كل شئ قابل للبيع والشراء على طول المساحه العربيه ، فى الوقت الذى أصبحت فيه الخيمه خياما متعدده كل منها يسكنها ساكن يرى مصالحه بعيدا عن الأخرين حتى أصبح الوضع العربى مزريا مع بدايه إستراتيجيه جديده لأمريكا فى المنطقه وفى الوقت نفسه مغريا لمزيد من الإبتزاز والمساومه وعلى ساكن الخيمه فى كل بلد عربى أن ينصاع لها وإلا ؟
 ولعل الحديث الأخير للرئيس الأمريكى " باراك أوباما " لمجلة " ذا اتلانتيك " والذى عرف " بسياسة إدارته لما تبقى من فترة حكمه" والذى إنتقد فيه المملكه العربيه السعوديه نقدا لاذعا وإتهمها بتأجيج الصراعات فى المنطقه على أساس مذهبى طائفى مع إيران ، وإدارة حروب بالوكاله فى المنطقه  ، ملمحا فى الوقت نفسه إلى أن المصالحه مع إيران وإعطاءها دور فى إدارة المنطقه هو السبيل لإنهاء الصراع ، وهو بذلك يستلهم نصيحه " الخيمه والسوق " القديمه القائمه على المساومه والإبتزاز من أجل تمرير مصالح أمريكا حتى ولو كانت هذه المره على حساب مصالح شركاء لطالما تعاملت أمريكا معهم على أنهم شركاء إستراتيجيين فى مواجهة إيران .. وهذا ما يفسر الإنتقاد الواسع لأمريكا من دوائر صنع القرار فى الدول الخليجيه وخاصة السعوديه لهذه التصريحات التى لم تراعى المصالح المشتركه لتلك الدول معها ، وفضلت التعامل مع شريك أخر يرى أن مصالحه مقدمه عليهم كإيران .
 وتأتى مقالة " لا يا سيد أوباما " للأمير" تركى الفيصل " والتى وجه فيها رساله للرئيس الأمريكى لتكون أقوى تصريح غير رسمى مفاده ان أمريكا عليها أن تتذكر أن السعوديه ساعدت أمريكا كثيرا فى سنوات طالت عمر التحالف بينهما والذى شارف على الثمانين عاما ، وأنها ليست الباحثه عن الطائفيه ولا الحروب بالوكاله ولا نشر الوهابيه على الرغم من إمتداح أوباما نفسه لجهود المملكه فى " مناهضة النشاطات  الإيرانيه التخريبيه الإرهابيه " . ذلك فى محاوله عربيه لتذكير أمريكا بأخلاقبات عربيه لا تعرفها السياسه، فليس " رد الجميل " مصطلح وارد فى مجال السياسه الأمريكيه وخاصة إذا تقاطع مع مصالحها .
ولكن يبقى ما قاله الأمير " تركى الفيصل " فى نهاية المقال " هل هذا نابع من إستيائك من دعم المملكه للشعب المصرى الذى هب ضد حكومة الإخوان المسلمين التى دعمتها انت " هو أكثر ما يلفت الإنتباه حيث يعتبر ذلك  تقاطع مصالح " ساكنى الخيمه " مع مصالح أمريكا المتحكم بــ " سوق " المنطقه والتى أرادت ان تبحث عن لاعبين جدد بمواصفات غير عربيه . وهنا تكتسب زيارة الملك " سلمان بن عبد العزيز " ملك السعوديه لمصر مطلع إبريل القادم ، أهميه قصوى لتحديد شكل التعاون بينهما فى مواجهة التحرك الأمريكى الجديد فى المنطقه وكذلك تحديد الإطار العام لشكل العلاقات بينهما والتى يجب ان تراعى مصالح كلا منهما ومن ورائهم الدول العربيه بإعتبار أنهما اكبر قوتين متبقيتين فى المنطقه بعد تهاوى القوى العربيه الأخرى ، ولكن يجب أن تتخلى المملكه عن أحلامها المنفرده فى القياده ، وأن العمل على إذابة الخلافات العالقه بينهما هو بدايه لقيام تحالف على مبادئ أخلاقيه تبحث لنفسها عن قواعد جديده بعيده عن منطق " السوق والخيمه " فى إطار قوه تحفظ التوازن الإقليمى فى مواجهة إيران ، وهذه تعتبر النصيحه الجديده لما بعد ثورات الربيع العربي والتى وجهها الثعلب العجوز " كيسنجر " فى كتابه الجديد " النظام العالمى الجديد "  للإداره الأمريكيه مفادها أن " المبادئ الأخلاقيه بعيدا عن فكرة قوة التوازن ، حاله تغرى الأخرين بتحديها " ملمحا إلى أن أمريكا فضلت المبادئ الغائمه فى دعمها للثورات العربيه وتخليها عن حلفاءها الأقوياء فى المنطقه وهو ما أغرى القوى الأخرى لتحدى الهيمنه الأمريكيه فيها ..
وما بين نصيحة " الخيمه والسوق " قديما وبين " المبادئ الأخلاقيه وقوة التوازن " سيبقى الخيار المصرى-السعودى لشكل التعاون بينهما مرهون بقدرتهما على تخطى الشكل النمطى القديم لطريقة التعامل مع مستجدات المنطقه التى يستحيل معها تمرير أى سياسات جديده دون الرجوع للشارع العربى والذى تقاسم بمستجدات الربيع العربى السلطه مع " ساكن الخيمه " ورافض فى الوقت نفسه لمساومة " السوق " ولكن يغريه توافق على مبادئ تراعى المصالح العليا لجميع الشعوب العربيه فى إطار مبادئ أخلاقيه ملزمه تدعمها قوه عسكريه تقف فى مواجهة الترتيبات الأمريكيه للمنطقه ، وكبح جماح الطموحات الإيرانيه والتركيه والإسرائيله فى المنطقه ..
فهل تنجح القمه المصريه _ السعوديه القادمه فى إيجاد هكذا تعاون من أجل واقع عربى جديد وإستغلال فرصة التيه الأمريكى الحادث الأن فى المنطقه ، أم سنظل أسرى " السوق والخيمه " والذى ضاعت بسببه المكتسبات العربيه ، وتضيع فرصه أخرى كسابقاتها لتحقيق حلم بسياسه عربيه موحده ضد الأخطار ، ويسير كلا فى طريقه إلى مصير مجهول وننتظر مساومات " السوق " التى حتما سيكون " ساكن الخيمه " مضطرا لقبولها ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...