الخميس، 23 ديسمبر 2021

لماذا غاب العرب فى مفهوم السياسة الخارجية الروسية ؟!




بقلم / ياسر رافع

فى مقابلة مع صحيفة " تايمز " البريطانية سبتمبر2020 أشار الرئيس السوفيتى السابق " ميخيائيل جورباتشوف " أعرب عن " ثقته فى ان العالم كان أكثر إستقرار وأمنا وعدالة لو تم الحفاظ على الدولة السوفيتية " .
أكتوبر 1994 وفى المؤتمر الثلاثون لجماعة خريجى المعهد القومى للإدارة العليا فى مصر وتحت عنوان رئيسى " مستقبل التنمية فى مصر والدور المنتظر لها فى القرن الواحد والعشرين " ، تحدث الكاتب المصرى الكبير " محمد حسنين هيكل " عن أن إنتهاء الحرب الباردة وسقوط حائط برلين 1989 كانا بمثابة  ذوبان لثلوج أحدثت فيضانا تحول إلى طوفان ، جرف أمامه حطاما وركاما كثيرا من الماضى ، وأهم من ذلك أنه غطى الحاضر بسيولة الكثيفه وأخف واقع ما جرى ويجرى تحته ، فلم يعد واضحا ما الذى إنكسر؟ وما الذى تهدم؟ وما الذى تكون؟ وما الذى غرق فى طين القاع ؟ ثم ما الذى ظل عائما مع الموج حتى وإن لم يظهر على سطحه  " . ومن ضمن ما تكسر وتهدم الإتحاد السوفيتى وورثت ما تبقى منه روسيا الإتحاديه والتى رأها كاتبا الكبير تقف على صخرة وسط الطوفان تتلمس طريق العودة للزعامه بعد إنحسارمياه الطوفان وإستعادة التوازن ، بما تملكه من موارد إقتصادية وبشرية وبما تملكه من تكنولوجيا عسكريه يعززها 4900 رأس نووى ، وأن على الغرب أن يتوصل إلى أسلوب ناضج يتعامل به مع روسيا لأنه ستظل روسيا عاملا ضاغطا على بدايات القرن الواحد والعشرين  " .

ما بين إقرار أخر رئيس سوفيتى بأن العالم كان أكثر إستقرار وأمنا بوجود الدوله السوفيتيه التى تفككت ، وبين قراءة لكاتب خبير رأى أن روسيا وريثة الإتحاد السوفيتى ستكون عاملا ضاغطا لإيجاد توازن فى عالم ما بعد الحرب الباردة . هنا نتساءل هل روسيا قادرة على لعب دور قيادى فى المنطقة العربيه ؟!
..................................................................................
روسيا الإتحاديه عندما أفاقت من صدمة تفكك الإتحاد السوفيتى ، وجدت أن دورها قد إنحسر بشدة على المستوى العالمى وبالضرورة فى المنطقة العربية والتى لم يوليها القادة الروس بدءأ من " بوريس يلتسين " وحتى " فلاديمير بوتين " أهمية كبيرة فى علاقاتها الدولية ، حيث صدر مفهوم السياسة الخارجية الروسية عام 2000 والذى ركز على العلاقات الثنائية فى الشرق الأوسط ، نصا " تنوى روسيا تطوير علاقاتها على المستوى الثنائى والإقليمى مع تركيا ومصر والجزائر وإيران والسعودية وسوريا وليبيا وباكستان " . وقد تم التأكيد على تلك السياسة فى وثيقة أخرى 2008 فى عهد الرئيس " ميدفيديف " ، ولكن فى العام 2013 وافق الرئيس " بوتين " على وثيقة مفهوم السياسة الخارجية قدم فيها التعامل مع العالم الإسلامى على التعامل مع العالم العربى .
وهكذا أصبح مفهوم السياسة الخارجية الروسية واضحا فى أنه يفضل العلاقات الثنائية مع البلدان العربية مفضلة عدم الخوض فى مشاكل المنطقه لأسباب جوهريه منها تفرد أمريكا بمفاتيح اللعبه فى المنطقة ، ورغبة روسية جامعة فى عدم الصدام مع أمريكا لأنه لن يكون فى صالحها ، وبالتالى أصبحت القضايا العربيه بالنسبه لروسيا مرهونة بما تراة من مؤشرات الحركة الأمريكيه  فى المنطقة .

بتاريخ مارس 1997 ، وجه رئيس الوزراء الإسرائيلى " بنيامين نتنياهو " تصريحا للروس قائلا " لا يجتمع طباخان فى فى مطبخ واحد وفى وقت واحد " . فى إشاره إلى عدم الحاجه للدور الروسى فى المنطقة ، وهو ما دفع الروس إلى الوقوف بجانب إسرائيل فعلا ومع العرب قولا . وقد صرح " بوتين " عن ذلك فى لقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلى " آرئيل شارون " قائلا " لن تساعد روسيا أعداء إسرائيل " فرد عليه شارون قائلا " إن روسيا الصديق الصدوق لروسيا " .
...................................................................................
روسيا التى تفاجأت بالثورات الملونه فى شرق أوروبا ألقت بكل ثقلها لقمعها فى أوكرانيا لمنع تمدد الغرب وأمريكا فى الجوار الروسى ، وهو الأمر الذى دفعها لضم شبه جزيرة القرم لوقف الزحف الغربى الذى يهددها . وتفاجأت روسيا أيضا بالربيع العربى والذى رأت فيه سياسة غربية إستغلت مشاكل إقتصادية وسياسية وإجتماعية عربية من أجل إشعال تلك الثورات لإيصال فصيل راديكالى دينى لسدة الحكم ويكون هدفها النهائى زعزعة الإستقرار فى روسيا ، عبر إشعال الصراع فى القوقاز وأسيا الوسطى (الحزام الإسلامى الروسى ) .
لهذا لم يكن التدخل الروسى العسكرى فى سوريا إلا دفاعا مباشرا عن روسيا نفسها عبر الحيلوله دون وصول الراديكاليين الدينين للحكم وللحيلوله دون تكرار النموذج العربى فى القوقاز ، وكذلك للحفاظ على ما تبقى من هيبة قديمة عبر التأكيد على الوجودالعسكرى فى شرق البحر المتوسط فى قواعدها السوريه (البحريه – الجويه ) . ولكنها فى الوقت نفسه كانت تعلم أن توسيعا لدورها أكثر من سوريا كما فى أوكرانيا هو صدام محتوم مع أمريكا والغرب وهو ما تخشى روسيا حدوثه .
وهكذا كان الإختبار الروسى فى سوريا هو الأكبر لحدود إستخدام القوة فى المنطقه العربيه ، والذى يقف عند حدود مصالحه المباشرة فقط .
................................................................................
عندما حددت روسيا العالم الإسلامى كمجال أوسع من المجال العربى لسياستها الخارجية ، كانت إيران وتركيا والسعوديه هم الأهم حيث حجم تأثيرهم الكبير فى منطقة الحزام الإسلامى فى القوقاز وآسيا الوسطى ، ولهذا رأت روسيا فى العلاقات الإيرانيه رحابه فى التأثير فى الشرق الأوسط حيث تربطهما ملفات مهمه ومصالح مشتركه ، منها الملف النووى وبترول بحر قزوين . وكذلك العلاقات التركية التى تراها روسيا هى الأهم بالنسبه لها حيث التأثير التركى القوى فى القوقاز على الرغم من الخلاف التاريخى بينهما ورفض تركيا لضم شبه جزيرة القرم لروسيا ، وما تفاهمات الروس مع الأتراك فى سوريا وكذلك التغاضى عن الدور التركى فى حرب ناجورنوكرباغ بين حليفتها أرمينيا واذربيجان إلا منعا لتأزم العلاقات وإستخدام الأتراك لورقة التدخل فى القوقاز ، وحفاظا على مكتسبات إقتصاديه تستميل بها روسيا تركيا ناحيتها ، مثل مشروع السيل الجنوبى المشترك لإيصال الغاز الروسى لأوروبا عبر تركيا ، كذلك إمداد تركيا بأسلحه حديثه يرفض الغرب إمدادها بها .
وأكتفت روسيا فى الداخل العربى بعقد صفقات تجاريه وعسكرية ضخمه مع الإمارات ومصر والجزائر وسوريا والعراق ، دون التدخل فى القضايا الكبرى رغبة فى عدم إغضاب الغرب وأمريكا .
...................................................................
بعدما تسارعت وتيرة التطبيع العربى مع إسرائيل وسقطت كثيرا من التابوهات فى السياسه العربيه ، ظهر تساؤل ، أين الدور الروسى مما يجرى فى المنطقه العربيه ؟
أدرك العرب منذ سقوط الإتحاد السوفيتى أن الدور الروسى أمامه عشرات السنين ليتعافى من آزماته ، فراهنوا على الدور الأمريكى ولم يعد لروسيا فى قاموس السياسه العربيه إلا الحاجه للفيتو الروسى فى مجلس الأمن كأحد الخيارات المهمة فى يد روسيا للحفاظ على بقايا قوة سابقة موروثة من الإتحاد السوفيتى السابق .
لقد فقدت روسيا كثيرا من قوتها السياسية والإقتصادية ولم تعد ندا للسياسة الأمريكية فى المنطقة العربية ، وعليه فإن الرهان على دور روسى قوى من قبل بعض العرب هو ضرب من الخيال الموروث من أوهام الماضى ، فروسيا تفضل العلاقات الثنائية بينها وبين كل دولة عربية كلا على حدا واضعة فى إعتبارها حدود القوة والتدخل وحدود التأثير متحاشية الصدام مع أمريكا والغرب فى منطقة تفوذهم  . ولكن يبقى للدور الروسى تاثيرا ولو ضئيلا ينبأ بتنامية مرة أخرى فى المستقبل كالتدخل فى الصراع الليبى الداخلى مما كان له أثرا فى وقف الحرب الأهلية والذهاب إلى تسوية سياسية بين أطراف الصراع  .
...........................................................................
إلى أن يأتى اليوم الذى يكون للدور الروسى تاثيرا حقيقيا فى المنطقة العربية ، سيظل العرب معلقين بين أحلام جورباتشوف بأن العالم كان أكثر آمانا بوجود الإتحاد السوفيتى ويرغبون بدور روسى يعيد تلك الأيام ، وبين توقعات الكاتب الراحل " محمد حسنين هيكل" الذى رأى أن روسيا لديها إمكانات تؤهلها لإن تلعب دورا فى المستقبل بعيدا عن الأمنيات وأنها تستطيع أن تكون عامل ضغط على السياسة الغربية والأمريكية فى القرن الواحد والعشرين وصولا لإن تكون شريكا فى صنع القرار العالمى والمنطقه العربية .
وهنا لا يوجد أمام العرب إلا الوصول لتسويات ثنائية لحل قضاياهم حتى تظهر قوة أخرى كبرى تعيد التوازن الإستراتيجى بعدما فرطوا فى قوتهم الذاتيه .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

مقدمة كتابى .. صديقى الوهمى محاولة ما قبل السقوط النهائى

  بقلم ياسر رافع " إحنا جيل مظلوم " ، عباره سمعتها كثيرا منذ نعومة أظفارى من أجيال مختلفة الأعمار والمشارب الثقافيه والإجتماع...