بقلم / ياسر رافع
" التاريخ يشهد لنا بأن الناس على مر العصور كانوا متدينين دائما فى مسارهم الإجتماعى التاريخى " هكذا يقرر الكاتب الكبير " على شريعتى " فى كتابه القيم " دين ضد دين " ، ولكنه يقف متحيرا ومتحيزا فى ماهية الدين الذى إتبعته البشريه طوال مسيرتها الممتده من البدايه وحتى الأن ، وهو بسبيله للبحث عن تلك الماهيه ، فإنه قد توصل إلى نتيجه جديده وربما مبتكره لتبرير الصراع الإنسانى ، حيث يقرر أن أصل الشرور كلها ما هى إلا صراع " دين ضد دين " .. دين التوحيد والتنوير الثورى التحررى ضد دين الشرك والظلام وتكريس العبوديه للظالمين . دين الأنبياء والرسل ضد دين فرعون وقارون .. دين الحضاره ضد دين الهدم .لذلك لا نتعجب عندما نراه يحدد ماهية الدين الثورى قائلا " الدين الثورى هو دين يغذى أتباعه ومعتنقيه برؤيه نقديه حيال كل ما يحيط بهم من بيئه ماديه أو معنويه ، ويكسبهم شعورا بالمسؤوليه تجاه الوضع القائم ، يجعلهم يفكرون بتغييره ويسعون لذلك فيما لم يكن مناسبا " .. " وهو له سمه أساسيه لايبرر الوضع القائم تبريرا دينيا ولا يؤمن بمبدأ الرضوخ للأمر الواقع أو إتخاذ موقف اللامبالاة حيال ما يحيط به "
وهو يبرهن عليه بحركه الأنبياء والرسل ضد مجتمعاتهم وهم بسبيلهم إلى إحداث التغيير المنشود ..
فى مقابل " دين الشرك " أو الدين التبريرى الذى يصفه " بأنه يسعى دائما إلى تبرير الوضع القائم عبر ترويج المعتقدات ذات الصله بما وراء الطبيعه ويسعى إلى تحريف الإعتقاد والمقدسات والقوى الغيبيه ويشوه المبادئ العقائديه والدينيه ليقنع الناس بأن وضعهم الراهن هو الوضع الأمثل الذى يجب أن يرضوا به ، لأنه مظهر لإرادة الله تعالى وهو المصير المحتوم الذى قدره الله عليهم "
وهو يضع أضلاع ثلاثه كأضلاع حاكمه تتحكم فى طبيعة هذا الدين ، فرعون بجبروته وسلطته السياسيه ، وقارون الرأسمالى الجشع ، وبلعم بن ياعورا الشخصيه الدينيه المنحرفه
ولكن السؤال هل التعريفان السابقان يقرران وجود دين فى مقابلة دين فى ذات الوقت ؟؟ الأجابه بالطبع ستكون بلا .. حيث أن الكاتب يريد أن يقرر حقيقه أزليه ، ألا وهى أن الرسل والأنبياء الذين أرسلوا إلى مجتمعاتهم من أجل نشر دين التوحيد والتحرر والثوره ، قد إصطدموا بأصحاب دين الشرك أى دين العبوديه وإزلال الناس وتبرير ما هم فيه من أوضاع دنيئه من أجل السيطرة والحكم ، وهو يدلل على ذلك بحقيقه قرأنيه عندما قال تعالى " قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون " أى أن هناك فعلا دينان مسيطران على مسار البشريه ، ولكن أيا منهما سيطر وأزاح الأخر ؟ وأصبح حاكما طوال التاريخ البشرى ؟
بالطبع أصحاب دين الشرك .. هكذا كانت النتيجه ، حيث لم يستسلم أصحاب دين الشرك فى البدايه أمام دين التوحيد والثوره ، ولكنهم سرعان ما دحروا ، بل الأمر من ذلك فقد أمنوا كما أمن الناس وسلموا بالوضع الجديد ، ولكنهم إستطاعوا أن يتسلقوا ويسيطروا على الدين الجديد ويحولوا مساره فى إتجاه أطماعهم وظلمهم ، إنهم الثالوث الأزلى فرعون وقارون وبلعوم .. السلطه والمال والمؤسسه الدينيه ، الذين أشاعوا التمييز الطبقى فى المجتمعات وأحالوا حلم التغيير لدى الناس إلى الدنيا الأخره ، عبر إشاعة فلسفة القدريه التى لا تبحث فى تغيير الواقع بين الناس .. إنهم أول الذين حولوا الأديان إلى سلطه وإلى مكتسبات حكرا على الحكام و الكهنه والقساوسه والمشايخ .. إنهم الذين طمسوا دين الحضاره والثوره والبناء والجمال .. إنهم أحفاد عبدة الأصنام من أصحاب دين الشرك من كبار تجار مكه قبل ظهور الإسلام ، الذين رفعوا المصاحف على أسنة الرماح ليس حبا فى الدين ، ولكن من أجل السلطه والمال ..
لذلك وبعد مرور أربع سنوات من عمر الثورة المصريه ، سنجد ان الوضع لم يتغير ، فدعاة الدين الثورى قد دحروا كما العاده ، وسيطر فى المقابل أصحاب الدين التبريرى . أصحاب الفكر المتخلف أعداء الحضاره والبناء الذين يريدون مجتمعا ذا عقل مشوه لا يعرف من الحضاره إلا القشور ، وذلك عبر إشاعة جو من البلاده والخمول تسمح بوجود فكر متطرف ، يشعل صراعا على السلطه ، بين أصحاب الفكر الإرهابى والتبريرى تكون نتيجته إنتصار دين الهدم والتخلف وتراجع قوى دين التوحيد والثوره ، ولا تصبح أمامها إلا الصياح وإجترار ماضى الرسل والأنبياء ..
لذلك فإن هدم مئذنه مسجد " سيدى منسى " فى قريتى و التى تعبر عن شكل حضارى يعتبر ميراثا ثقافيا لأبناء قريتنا لهو شكل من أشكال الصراع بين انصار دين الحضارة ودين الهدم ، و إمتداد طبيعى لصراع ممتد على طول المساحه الزمنيه للتاريخ ، وهو تكريس لثقافه دين التبرير الذى لا يعطى جديدا فى حياة الناس بل يعطى قيما سلبيه تبعد الناس عن طريق دين التوحيد ، الذى يرتكز على قيم حضاريه ساميه ، روحيه وماديه . ولكن هل " المئذنه " هى لب الصراع ؟ لا بالطبع .. ولكنها صراع ضد قيم طغت ورسخت للإرهاب المسلح والإرهاب الفكرى ، وحولت الناس إلى مسوخ لا تعرف قيم الحضاره التى تعلى من القيم الإنسانيه
ذلك لتكن معركتنا لإعلاء قيم دين التوحيد والحضارة والبناء فى مواجهة دين التبرير وحماته من أعمدة السلطه والمال ورجال الدين ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه