الخميس، 23 ديسمبر 2021

القفا .. رمزية التغير الإجتماعى المصرى




بقلم / ياسر رافع

إتصال تليفونى قصير وعاجل كانت من نتيجته أن قمت بتغيير ملابسى وهممت بالخروج ، وماهى إلا سويعات قليله حتى إنتهيت مما خرجت من أجله ، وفى طريق العودة نادى علي " فاروق " صاحب صالون حلاقة الملك فاروق ، وفى محاولة صلح منه لى بعد فترة جفاء إستمرت أيام كان من نتيجتها إنى حلقت فى محل تانى :
فاروق : إيه ياباشا هوا إنت مش هتحلق
أنا : أنا زعلان منك
فاروق : وهوا أنا حد يزعل منى
أنا : للأسف أنا مضطر أحلق عندك ، لأن الحلقه اللى فاتت مش تمام
فاروق : طيب إدخل ، معايا زبونين هخلص معاهم ، وأحلقك حلقه أصالحك بيها
وما أن دخلت المحل حتى وجدتنى أمام رجل وأولادة الصغار الذين يصعدون على كرسى الحلاقه الواحد تلو الأخر ، وما بين صخب الأطفال وحوار جانبى بينى وبين أبيهم ، حتى فرغ فاروق من الأطفال وجاء الدور على ، فجلست على الكرسى وفرد الفوطه وأحاطها برقبتى وبينما يستعد فاروق للحلاقه جاءته مكالمه وبينما يتحدث بأسلوبه الساخر مع المتكلم على الجهه الأخرى ، لاحظت أنه يتحدث عن الجلابيه البلدى ،
أنا : جلابيه بلدى إيه إللى إنت بتتكلم عليها يا روقه ؟
فاروق : واحد عاوز يفصل جلابيه بلدى وعاوز خياط كويس
أنا : بس أوعى يطلع قصير زيك ! وقفاه ميظهرش فى الجلابيه
ما بين الضحكه الممزوجه بالسخريه ، وبين إمساكه لماكينة الحلاقه لبدأ الحلاقه
فاروق : يا أبوعمار مش مهم القفا ، المهم الحشو ، هوا صحيح القفا بيدى هيبه بس أعمل إيه !
أنا : أنا عندى وصفه لك حلوة ......
فاروق : أوعى تكمل وصفاتك كلها تودى فى داهيه ، بس أنا عاوز أسألك هو ليه الناس بتزعل لما تنضرب على قفاها ؟
وبينما كنت على وشك الكلام ، بدأ فارق يحلق بطريقه مختلفة ، حيث بدأ الحلاقه من أعلى الرأس على غير عادته ، فقلت له :
أنا : إشمعنى بدأت الحلاقه بالطريقه دى ؟!
فاروق : علشان تعرف ترد عليا ...
أنا : طيب إسمع يا سيدى الحكايه من الأول ..
فاروق : معاك يا باشا ، منك نستفيد
أنا : شوف يا روقه القفا دا زى ما إنت سمعت وشوفت فى فيلم " الكيف " عمر ما حد بيفتكره إلا لما يحس بالإهانه ، عارف ليه ؟
فاروق : الصراحه مش عارف !
أنا : كان فيه زمان أيام العثمانيين ناس بيسموهم " الدقشرمه " دول عبيد صغار من أوروبا ، العثمانيين أخدوهم وعلموهم ودربوهم ولما كبروا وزعوهم على الولايات العثمانيه ، وكانوا ماهرين فى الإدارة ، وطبعا لما نزلوا مصر عاملوا الفلاحين المصريين بإحتقار كبير ، وتفننوا فى إيذاء المصريين على الفاضيه والمليانه ، وهما إللى إخترعوا الضرب على القفا ، وبمرور الوقت أصبح الضرب على القفا مهانه كبيره
فاروق ضاحكا : يعنى الموضوع قديم بقى .. ( ضحكه عاليه  )
أنا : إنت بتضحك ليه ؟ لسه الكلام مخلصش
فاروق : كمل يا باشا
أنا : إستمر الوضع دا لسنين طويله ، ولما كان الفلاح المصرى الجلابيه البلدى ومن تحتها القميص زيه الطبيعى فالشمس دخلت مع القفا لتفرق بين الناس المرتاحه والناس الشقيانه ، فملاك الأراضى ورجالهم قفاهم لا تطوله الشمس إلا بإختيارهم ، ولكن الفلاح طالع روح أمه موطى طول النهار وقفاه للشمس لحد ما إتحرق ، للدرجه إنه لما كان يروح يحلق الحلاق كان بيطلب منه بإستمرار ويقوله " إفرد قفاك " من كتر التجاعيد ، دا غير كميه البودره إللى بيحطها على القفا علشان يبرد مكان كحت الموس المتلم .
فاروق ضاحكا : يا نهار إسود على الكلام !
أنا : المهم قامت الثوره الناس إتمدنت وراحت المدارس ، وإتغير الحال وإتغير اللبس ، وظهر البنطلون والقميص وإختفى القفا ورا الياقه المنشيه والمهانه راحت ، لحد ما الناس بعد حرب أكتوبر 73 راحت دول الخليج وسافر الفلاحين ورا لقمة العيش ، ولما رجعوا وعلى مدار السنوات غيروا طريقة اللبس تانى فى مصر وأصبحت الجلابيه السعودى اللى بتغطى نص القفا ، ( ضحكت ) وطبعا بالنسبه لك يا روقه تغطى القفا كله ..
فاروق : عندى واحده سعودى عليها لياقه وأساور " دفه " أصلى
أنا ضاحكا بشده : ما بلاش خلينى ساكت ، المهم ، الأيام مرت وبدأ إنحسار السعوديه وأيامها وظهرت الجلابيه البلدى تانى بكثره ، وفجأة الكل بقى يبصلها على إنها وجاهه وتفنن الجميع فى إختيار أغلاها ووصل الأمر بوصول سعرها لثلاثة آلاف جنيه شامل الجلابيه والقفطان ، كل دا كان وراه إنتشار ثقافه جديده وراها غنى واضح لأصحابها وتغير إجتماعى جديد ، وأصبح القفا ظاهر وواضح بشده ولكن هذه المره ليس رمزا للمهانه بل للوجاهه لامع معطر تزينه فى الشتاء كوفيه غاليه لتحفظه من البرد ....
فاروق : أنا بشوف ناس بتدخل أى عزاء أو فرح لابسه جلاليب تلوح ،
أنا : ربنا يرزق الجميع ..
فاروق : لا مش القصد ، أنا قصدى بيدخلوا مع بعض كل مره ، إلا ليه ؟
أنا : شوف دول نوعين ، النوع الأول دول إسمهم الدبلوماسيين أو مجموعات " الإيه فور " ودول كبار القوم ، عراض الأكتاف أما النوع التانى دا مالوش ملامح بيبقوا رايحين مع بعض بالصدفه ...
فاروق : إيه بقى بتوع " الإيه فور "
؟! مش فاهم !!
أنا ضاحكا بشده : دى حاجات لو عرفتها هتبقى من كبار القوم

لحظات وبدأ فاروق فى عملية نضافة ما بعد الحلاقه ، وبدأ فى عملية الإستظراف المعتاده منه
فاروق : طيب ممكن سؤال ، هوا إنت يا ابو عمار عملت جلابيه بلدى ؟
أنا : طبعا
فاروق : ليه ؟ علشان تبقى من النوع الأول ولا التانى ؟
أنا : ولا دى ولا دى ، أنا عاملها علشان أتصور بيها صورة الوفاة
ضحكات عاليه من فاروق ، وجلس بعيدا على الكنبه ضاحكا وهو يقول " نعيما يا أستاذ ! متجيش تحلق هنا تانى "
سلام

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...