بقلم / ياسر رافع
يحتل
هاجس الأمن فى المنطقة العربية المرتبة الأولى فى إهتمامات دوله المختلفه ، بل
يحتل المسألة الأبرز فى إهتمامات الدول الكبرى ودول الجوار الإقليمى بحكم الأهمية الجيوسياسيه لتلك البقعه من
العالم والتى تعتبر موطن النفوذ والثروة البتروليه فى العالم ، ولهذا كانت
التحالفات العسكريه ذات الأبعاد السياسيه المرتبطه بمصير المنطقة والمرتبطة
إرتباطا وثيقا بالسياسه العالميه لها أبعاد لا تخطأها العين ، فمنذ بدايات ظهور
الأفكار القوميه فى أواخر القرن التاسع عشر ، وتنامى الشعور القومى بأهمية
الإندماج تحت راية عربيه ينضوى تحتها كل الدول التى تتكلم اللغه العربيه وهو ما
تحقق بقيام " جامعة الدول العربيه " والتى كانت تجسيدا لشعور متنامى
يدغدغ المشاعر عبر إستحضار أمجاد الماضى على وقع التاريخ واللغه المشتركه ، ولهذا
كان من الطبيعى أن يكون لعامل الأمن حضورا طاغيا ليعبر عن كيان قام ليستمر وليحمى
وليوثق بالسلاح والدم تاريخا جديدا يضاف لما مضى من أمجاد ، وهو ما تجسد بتوقيع
" معاهدة الدفاع العربى المشترك " 1950 ، والتى وإن كان لها العنوان
العريض فى الدفاع عن مصر وسوريا فى نكسة يونيو 1967 ، وحرب أكتوبر 1973 ، إلا أنها
كانت بالنسبة لبعض الدول العربيه وخاصة الخليجيه تمثل هاجس أمنى مخيف من توغل
القوى العربيه الرئيسيه ( مصر وسوريا والعراق ) على مقدراتها وهو ما ثبت فيما بعد
فى إحتلال العراق لدولة الكويت والتى طالبت الدول الخليجيه نفسها بتفعيله ليكون
غطاءا " فقط " لدول التحالف الدولى بقيادة أمريكا .
ولكن لم تكن معاهدة الدفاع العربى المشترك هى الوحيده فى القرن العشرين بل كان
للدول الكبرى رأى آخر فى ترتيبات أمن المنطقه بما يناسب سياستها والتى كانت تتناقض
مع التوجهات القوميه العربيه فى خمسينيات وستينيات القرن الماضى ، وهو ما حدا
بالولايات المتحده الأمريكيه أن تطرح مشروع أمن جديد لا يفصله عن مشروع الدفاع المشترك إلا خمس
سنوات فقط وهو مشروع " حلف بغداد " القائم على رفض المشروع القومى
وإعادة تعريف المنطقه بشرق أوسط يضم دولا غير عربيه ولكنها إسلاميه لحصار الإتحاد
السوفيتى مثل تركيا وباكستان بجانب العراق العضو العربى الوحيد بالإضافه لبريطانيا
الوكيل الأمريكى فى الحلف ، الذى سرعان ما سقط بسبب رفض مصر وبقية الدول العربيه
له تحت دعاوى رفض الهيمنه الإستعماريه
ومع تحرير الكويت من الإحتلال العراقى فى العام 1991 فقد بات واضحا أن معاهدة
الدفاع العربى المشترك قد تم دفنها وتشييع جنازتها ، وهو ما أدى إلى ظهور تحالف
عسكرى سياسى تحت مسمى " إعلان دمشق " بين دول الخليج ومصر وسوريا والذى
ذكر فى أحدى نصوصه :
" أن وجود القوات المصرية والسورية على ارض المملكة السعودية ودولا عربية
أخرى فى منطقة الخليج تلبية لرغبة حكوماتها بهدف الدفاع عن أراضيها ، يمثل نواة
لقوة سلام عربية ، تعد لضمان أمن وسلامة الدول العربيه فى منطقة الخليج ، ونموذجا
يحقق ضمان فاعلية النظام الأمنى العربى الدفاعى الشامل " .. ومن سياق هذا الإعلان يفهم إنه كان محاولة
خليجيه رومانسيه سرعان ما أفاقت منها على وقع توجساتها وتخوفاتها السابقه من القوى
العربيه الكبرى ولهذا سرعان ما دخل " إعلان دمشق " طى النسيان والذى
برهن للمرة الأولى على المحاوله الخليجيه الأولى فى تحديد السياسات العسكريه فى
المنطقه على الرغم من أنها تعتبر " البطن الرخو " للمنطقه إلا أنها الأغنى
والأكثر قوة بحساب الإرتباط بالقوى العالميه التى تحميها
ومع إندلاع ثورات الربيع العربى 2011 ، وبمرور سنواته التى تحولت لشتاء قارس ،
وأشتعال الحرب فى سوريا وليبيا واليمن ، وإنشغال مصر بمشاكلها الإقتصاديه والحرب
على الإرهاب ، هنا ظهر الخليج مرة أخرى مفكرا فى سياق أمنى جديد على وقع إنهيار
الجوار العربى وتمدد إيران وحاجة الدول الكبرى وخاصة أمريكا لنظام أمنى يحمل بدلا
عنها أعباء الدفاع المباشر عن الخليج ، فظهر ما يمكن تصورة على أنه ليس أكثر من
إعادة دمج " حلف بغداد " و " إعلان دمشق " تحت مسمى جديد هو
" الناتو العربى " والذى أعاد روح حلف بغداد على وقع التصور الأمريكى
لشكل الأمن فى المنطقه بعد خروجها بشكل كبير من معادلة القوه فى الخليج لمواجهة
الصين شرقا فأرادت تشكيل حلف جديد برعايتها وليس بحضورها مكون من دول الخليج ومصر
لحماية البطن الرخو العربى من التمدد الإيرانى ، وإعادة إنتاج لإعلان دمشق الذى
ولد ومات رومانسيا ولكن بدون سوريا التى تماهت مع إيران ،
وهو تحالف يعتبر خليجيا صرفا بمسانده مصريه ، ويعتبر المحاولة الخليجيه الأبرز فى
تلك الأيام والتى يرى فيها الخليج أنه الأقوى ماليا وإقتصاديا وقادر وفاعل على
حماية نفسه تحت ضغط أوهام الحرب على اليمن التى تقودها السعوديه والإمارات . وهو
تحالف سيرى النور فى 2019 طبقا لتصريحات وزير الخارجيه البحرينى مؤخرا ، وهو تحالف
أيضا يتماشى مع الرؤيه الإقتصاديه السعوديه 2030 والتى ترى فى أن منطقة الشرق
الوسط _ الخليج ومصر كما حددها ولى العهد السعودى _ ستكون أوروبا الجديده فى
العالم والتى بالطبع ستحتاج لتحالف عسكرى يستطيع الدفاع عن مكتسبات إقتصاديه
وسياسيه محتمله فى مواجهة إيران .
ولكن تبقى التساؤلات ، هل يصمد هذا الناتو أمام التحديات الإيرانيه ؟ هل سيشهد هذا
الناتو مستقبلا تعاونا مع الكيان الصهيونى ؟ وهل سيعتبر هذا الناتو بديلا حقيقيا
للوجود الأمريكى فى منطقة البطن الرخو والمتهدل العربى فى الخليج ؟ أم أن هذا الناتو
ما هوا إلا غطاء سياسى وعسكرى لحماية رؤية وحلم السعوديه الإقتصاديه الداعيه لجعل
دول الخليج ومصر أوروبا القادمه ؟
إن التسرع فى الإجابه عن هذه التساؤلات يجب أن يأخذ فى الإعتبار أن الخليج المزهو
بقوته الماليه لا زال يملك أدوات التحرك دوليا بل وإشعال صراع عالمى كبير .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه