بقلم / ياسر رافع
( 1 )
" هل يأتى زمن على الناس يسقط فيه حرف ( الراء ) من كلمة الحرب ، ليعيش
الإنسان على وجه هذا الكوكب زمن الحب ؟ .. وإذا إستحال ذلك فهل من الممكن أن تكون
الأغلبيه جيشا للحب يحاصر القله التى لا تعرف كيف تعيش إلا فى أجواء الحرب ؟ ..
ربما يكون ( دين الحب فى زمن الحرب ) خطوه على الطريق "
إستهلال و" مقدمه قصيره جدا " كما عنونها وأرادها الكاتب " محمد
جاد هزاع " فى الجزء الثانى من ثلاثيته الإبداعيه والتى صدرت تحت عنوان
" دين الحب فى زمن الحرب .. يوميات شاهد وشهيد " ، والتى أراد من خلالها
أن يعطى مسارا محددا لطبيعه ما يحتويه الجزء الثانى من ثلاثيته ، وحصره فى إطار ثنائية
الصراع الأبدى بين الحق والباطل ، الخير والشر ، أو ما أراد صكه من مصطلح دين الحب
فى زمن الحرب ، ليعطى مساحه أوسع وأشمل لهذا الصراع وهو ما يعطى معنى فلسفيا صوفيا
وبعدا إنسانيا لماهية الصراع الابدى بعيدا عن عوالم لا ترى فى هذا الصراع غير البعد
المادى مجرد دماء تسيل تشعل صراع سرعان ما يفور حتى يهدا ثم يعيد الكره مرة أخرى ،
وهذا ما لم يريده الكاتب ، حيث أنه يعطى للبواعث الإنسانيه بعدا ظاهرا فى الصراع ،
وهو يؤكد على القيمه الإنسانيه ويجعلها حاكمه للصراع الإنسانى وعلى أن الصراع لا
ينتج غير الدماء والخراب ، وذلك عبر الدعوه لإن يستبدل جميع الناس حرف ( الراء )
من كلمة "الحرب " لتتحول الكلمه
والفعل إلى " الحب " ومع إستحالة حدوث ذلك كما قرر هو بنفسه ، فإنه فى
الوقت ذاته حول حلمه بذلك التعديل بين الحرفين ، إلى أمنيه رأها ممكنه ، وهى أن
تكون الأغلبيه جيشا للحب يحاصر القله التى لا تعرف كيف تعيش إلا فى أجواء الحرب ،
وهى أمنيه تلاحق إهداؤه فى بدايه الكتاب وتؤكدها ، حيث أهدى كتابه إلى القله (
أبناء النور ) و ( نقاط الضوء من الأنبياء والمرسلين وعباد الله الصالحين وخلقه
الطائعين ) و ( إلى الحسن والحسين وذرياتهما ) فى مواجهة الكثره من ( جيوش الظلام
) ..
وهو ما يغرى بقراءة الكتاب ، والبحث فى معانى المقدمه بين ثناياه عما يؤيدها ،
ويغرى بالأنضمام لدين الحب ، لتعضيد قوى النور فى مواجهة جيوش الظلام العاتيه ..
وحافزا تدفعه روح إغرائيه للإشتباك مع كاتب يحمل رؤيا مجدده للصراع يدافع عنها ويتمترس
خلف ثوابتها ومعتقداتها شاهرا فى وجه الجميع سيفا باترا محاولا إجتثاث جذور
الإرهاب والتطرف عبر الهدايه والدعوه إلى دين الحب على الطريقه الصوفيه ..
...................................................................................................................................
( 2 )
الكتاب يقع فى ثلثمائه وإثنتين من صفحات القطع المتوسطه وهو أقل بالطبع من الجزء
الأول من الثلاثيه ( العشق على طريقتى .. بين الدين المنزل والدين المبدل ) بحوالى
مائتين صفحه ، وليس هذا فقط هو الإختلاف الظاهر بينهما بل خلاف فى طبيعة التناول
ذو الأرضيه الصوفيه الواحده ، فقد كان فى الجزء الأول الشق الفلسفى حاضرا وبقوه
حتى أنه أثار غبارا كثيرا ، ونقدا طال الفكره عكس ما سنراه فى الجزء الثانى ..
وكذلك إختلاف أراه إرتقاء من الكاتب فى مستوى الصراع ضد " جيوش الظلام "
حيث كان يصف تلك الجيوش فى الجزء الأول بأصحاب " الدين المبدل " الذى لا
يخرج تلك الجيوش من ربقة الدين ، ولكنه فى الجزء الثانى يصفهم بأصحاب " الدين
النقيض " الذى يوجب الخروج من الدين ، وهو هنا يبدوا أن لديه أسباب وجيهه
طرأت عليه بالتأكيد فى نطاق فتره زمنيه ليست كبيره فى عمر التطور ليتحول "
المبدل " إلى " نقيض .. ليصبح حكمه باترا على تلك الجيوش ..
.......................................................................................................................................
( 3 )
الغلاف هو أكثر ما يعبر عما تحتويه دفتى الكتاب المراد قراءته ، وهذا ما إختلفت فيه
مع الكاتب فى الجزء الأول حيث رأيت أن غلافه جاء غير معبر بشكل كبير عما إحتواه من
رؤيه فلسفيه عميقه وإشتباك مع الأخر فى نفس الوقت .. عكس هذا الجزء حيث جاء الغلاف
معبرا عما يحتويه الكتاب فهو يطالعنا بصوره " راقص المولويه " وهو نوع
من الرقص الصوفى عند متبعى الطريقه الصوفيه ويكون بالدوران حول النفس والتأمل الذى
يقوم به من يسمون " الدروايش "
بهدف الوصول لمرحلة الكمال ، وهو يتبع طريقة " المولويه " التى
أنشأها " جلال الدين الرومى " فى مدينة " قونيه " التركيه . وبقدر
ما يعبر الراقص عن حاله صوفيه روحيه تبحث عن الكمال عبر الفناء فى الذات ، فإن
ملابسه تدفعه إلى وصوله إلى تلك الحاله ، حيث أن اللون الأبيض للزى يرمز لكفن
الميت ، والأسود للقبر ، والطاقيه اللباد المميزه فترمز لشاهد القبر ، وهو بذلك
يكون متسقا مع يرتله من أناشيد وأذكار تعبر عن فناؤه وإنتقاله من حاله وجوديه إلى
حاله روحانيه تعلى من النفس والروح . ولكن
كما فى غلاف الكتاب الأول فعندما إقتبس الكاتب
لوحه فنيه لفنان عراقى يبدوا أنه لم يقرا الكتاب قبل كتابته فقد وقع فى شرك
بسيط لا يخل بالمعنى المقصود ، وهو إختلاف الصوره التى تعبر فى الجزء الأول عن
تجربه صوفيه مختلفه كالحاله العراقيه ، وهو ما تكرر فى الحاله الثانيه فعلى الرغم
من كون صورة الغلاف معبره إلى حدا كبير إلا أنها تعبرعن تجربه مختلفه وهى التجربه
التركيه ، وذلك عكس حالة الكاتب فى الجزأين حيث انه غارق فى مصريته إلى حد
الإختلاف مع المدرستين رغم إعجابه الشديد بهما ..
وهو ما جعل صورة الغلاف قريبه جدا للمعنى ولكن لا تلامس واقعه حيث أنه كان الأجدر
بالكاتب أن يستعين بصورة " راقص التنوره " المصرى ، والتى يعبر بها
الراقص عن " رقصة التنوره " المصريه
وهى الجزء " الممصر " من رقصة المولويه ، ورغم التشابه الكبير فى
الحركات والسكنات ، إلا أن التنوره المصريه التى تعشق الحياة لها خصوصيتها حيث
الألوان الزاهيه التى لا تخطأها العين ، التى تريد الحياه والفناء فى الذات فى أن
واحد ، عقيدة إيزيس و أوزوريس ترى فى الخلود حياه أبديه يمكن أن يتحقق على الأرض ،
لذلك نرى الكاتب يرقص بالتنوره فاتحا عينيه رافضا الرقص المولوى المغمض العينين
طيله تسبيحه ، بل يغمض عينيه فقط فى حالات خاصه ، وذلك للبحث عن إجابات خاصه وفى
وقتا معين ..
..................................................................................................................................
( 4 )
الكتاب لا يحتوى على فهرس محدد يمكن الحكم من خلاله على أجزاء الكتاب المختلفه ،
والكتاب أيضا ليس روايه بالمعنى الحرفى ، ولكن الكاتب أراد كتابه كحوار بدون شطأن
بينه وبين الأخر النقيض_ ربما كان ذلك مقدمه
أرادها للجزء الثالث من الثلاثيه _ بل أرادها " سرديه بلا تعريف ..
ونصوص بلا تصنيف " ، وذلك ربما تحررا من أثقال الجزء الأول الذى جاء فلسفيا و
ربما تكون رؤية للكاتب أن يكون كتابه فى مستوى فكرى مناسب لمساحه من الناس أرادها
كبيره لوصول فكرته مبسطه وخاليه من العوائق الفلسفيه ..
( 5 )
على الرغم من المشهد الإستهلالى لبداية متن الكتاب ، والذى دارت أحداثه بين الكاتب وشيوخه الكرام بين جنبات المسجد الحسينى فى القاهره ، وعلى الرغم من أن الكاتب تلقى بشارة كتابه الجديد من قبل شيخه فى أثناء قراءة ( ديوان العشق الألهى ) ، والذى وجه كلامه له قائلا " أدين بدين الحب ..... فلربما يكون ذلك هو عنوان ( كتابك الجديد ) " .. إلا أن الكاتب ينقلنا سريعا من حالة المشهد الحسينى الروحانيه المولويه فى حضره مشايخه ، إلى حالة التنوره المصريه المليئه بالأحداث المتصله بالحياة والخلود المليئه بالألوان والحركه ، التى تفتح طريقا بين الحياه الأنيه وحياة الخلود فى جو روحانى يتسق مع ما يعنيه الإنتقال المكانى الجديد إلى " سيناء " ، حيث إلتقاء الأديان " وطريق الصحابه والتابعين " " وربما لأنها شهدت تضحيات الألاف من الشهداء " ..
والكاتب حكاء بارع ، راصد ماهر لتفاصيل المشهد العام فى مصر كلها ، هو يجعل الرحله إلى سيناء من بدايتها لنهايتها رصدا لحاله جنونيه أصابت مصر منذ الأحداث التى تلت الخروج على أتباع تيار الإسلام السياسى فى 30 يونيو 2013 ، حيث إنطلاق موجه عاتيه من الإرهاب الأسود رأها ووصفها الكاتب على أنها ليست موقوفه على توصيف سابق لأنصار هذا الإرهاب من انهم أصحاب " دين مبدل " فقط ، بل أن الأحداث التى رأها والتى أرخها بين جنبات الكتاب ورأى مجريات الأمور على أرض سيناء وما إستتبعها من إجراءات أمنيه إستوجبت توقف الحياه الإقتصاديه والإجتماعيه فى هذا الجزء العزيز من الوطن ، إستوجبت منه أن يطلق عليهم توصيفا أكثر قسوه من أنهم أصحاب " دين نقيض " وهو ما يوجب خروجهم من ربقة الدين الإسلامى ، فى مفارقه غريبه على شخصية الكاتب الظاهره فى كتاباته حيث أنه ينكر أسلوب التكفير الذى يتبناه أصحاب الفكر التكفيرى حاملى السلاح ، وفى الوقت نفسه يصك مصطلحا ربما يصل بالكاتب لمساحه توجب عليه الدفاع عن مصطلحه فى مواجهة رافضى الإقصاء من المدافعين عن حريه الإعتقاد .
وعلى الرغم من التوصيف الروحانى والمكانى للأحداث الذى مر على المشهد العام لمصر ولسيناء ، إلا أن راقص التنوره يأبى إلا أن يغمض عينيه ليسبح كما الكواكب فى الفضاء الكونى والروحى للبحث عن إجابات لمشهد بدا عصيا عن الحل البشرى البحت ، أو كما أرجعها الكاتب العوده إلى أصول الدين السبعه ( الحياة والحريه والمعرفه والكرامه ، ثم التوحيد والرساله والأخره ) إلا أنه يرجع ذلك كله إلى ( أصل الأصول ) وهو ( الحب ) ، لذلك نجد أن إنتقاله الروحى والمكانى بين شيخه ( محمد العرايشى ) ومضيفيه الغير مصريين عرب وأجانب ، وبين أسره من قبل أصحاب " الدين النقيض " ، وبرغم النصوص الصوفيه الكثيره التى تملأ جنبات الكتاب ، وكذلك تأكيد الكاتب على سلامة رؤية تجاه أصحاب فكر الخوارج ، إلا أن الكاتب من خلال الكتاب وأحداثه يؤكد أن البحث عن الحياة والحريه والمعرفه والكرامه كأسلوب للإرتقاء الدنيوى اللازم ، والتوحيد والرساله والأخره كوسيله للإرتقاء الأخروى الضرورى ، إلا أن ذلك يصطدم دائما بحائط الكراهيه والتدمير والإرهاب يمنعه من الألتقاء بأصل الأصول وهو الحب ، القادر وحده على هزيمة الإرهاب والتطرف ، فى لمسه صوفيه لا تخلو من صفاء روحى جانبه إختيار سيناء كمكان مناسب لأحداث الكتاب ..
.............................................................................................................................
( 6 )
على الرغم من أن الكتاب خالى من التعقيدات اللغويه والفلسفيه إلا أن الكاتب مثير فى تناوله للأحداث وكذلك جرأته على الوقوف فى وجه تيار عاتى من منتقديه من أنصار " الدين النقيض " ، وربما تكون نصيحة شيخه هى التى ألهمته هذه الجرأه والتى تصلح ختاما لتعليقى على الكتاب :.
" إنهم يا ولدى يسيرون عكس المعنى الحق للطاعه والإتباع والرضا ، يريدون تجميد البحر الذى يمده من بعده سبعة أبحر ، إلى سبعمائة ، إلى أضعاف مضاعفه ، مما يعلم ويريد ويدر الله ، إنهم يريدون تحويل البحر الممدود دائما أبدا ، من صاحب المد إلى جبال من الثلج يدفن تحتها معنى ( الخلافه الإنسانيه ) نفسها ، تلك الخلافه التى أقر الله انها خلاقة ، بجلى إسم الله عليها ، حيث قال ( فتبارك الله أحسن الخالقين ) ، وهذا سرها إنهم يعطلون مراد الله من خلقه فالله لا يزال يخلق ، وخلفاؤه لا يزالون يخلقون ، إنهم لا يريدون خلقا جديدا أبدا ، لا من الله ولا من خلفائه ، بينما النص متسع ويسع على الدوام ، كالإنسان وكالكون ( .... وإنا لموسعون ) .. هذا دين نقيض ، هذا دين أصنام وأوثان قدت من صخر إسمه ( النص ) الجامد ذى المستوى الدلالى الواحد القديم "
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه