بقلم / ياسر رافع
من منا
لا يعرف العبيط !! ذاك الإنسان البسيط الذى طبقا لتعريف المعجم الوسيط هو "
إنسان به بلاهه وعدم نضج " . ذاك الإنسان الذى يهيم على وجهه فى الطرقات فى
المدن والقرى ولا يسلم من تعليقات الناس التى تعامله بإزدارء كامل ويتحاشون
التعامل معه ، لكن فى الريف المصرى الذى لم يصل بعد للنضج فى التعامل مع الحالات
المرضيه التى يصاب بها بعضا من أبناءة ، فما أن يكبروا حتى يتركوهم يهيمون فى
الشوارع معرضين للسخريه حتى يظهر الموروث الشعبى ليضع لمساته على هذا المريض الذى
يهيم على وجهه ، تارة يصفه بالجنون ، وتارة يصفه بالولايه الدينيه الصوفيه ويصبح
بين يوم وليله " الدرويش المبروك " الذى يتبرك به الرجال والنساء على
السواء ، فى مقابل تسمية بعض النساء لوليدها بــ " العبيط " حتى تبعد
عنه الحسد خصوصا إن كان المولود ذكرا لم يسبقه ذكر آخر سوى بنات فقط .
وقد تناول الكاتب السودانى الكبير " الصالح الطيب " قضية الإنسان العبيط
فى روايته الجذابه " عرس الزين " . فبطل الرواية القصيره نسبيا "
الزين " يصفه الكاتب بأبشع الصفات الشكليه من دمامه الخلقه إلى سيره حافى القدمين بإستمرار وأظافرة الطويله المتسخه
، وصوته عندما يضحك الذى يشبه نهيق الحمار ، وفمه الذى لا توجد به أسنان غير
إثنتين ، واحده فى الفك العلوى والأخرى فى الأسفل ، ولم ينس الكاتب أن يذكرنا بأن " أم الزين " لما رأت من بلاهة
إبنها خرجت علينا بروايه تخبرنا بها أن إبنها الوحيد " ولى من أولياء الله
" حتى تلك الروايه تغلغلت فى الوجدان الشعبى وكثرت الروايات فى مشاهدات للزين
فى مكانين مختلفين شمالا وآخر جنوبا فى ذات الوقت مما رسخ فى العقل الجمعى للقريه
أنه إنسان مبروك .
ولكن على الرغم من ذلك فالكاتب يهيم بنا بشخصيه " زين " العبيط فى محيطه
القروى فى السودان ، وجعله مثار أحداث مثيرة فهو ذاك الإنسان الذى يستغله الجميع
فى أعمال شاقه كفلاحة الأرض وكذلك النسوه اللاتى يساعدنهن فى أعمال المنزل كل ذلك بدون مقابل ،
ولكن الكاتب يذهب بنا إلى منحى آخر وهو شخصية الزين ذاتها ، تلك الشخصيه المرحه
التى يمازحها الكل ، ولا تخلوا أحاديثه من ذكر النساء وأنه إذا أحب فتاة ظل يذكرها
بأنه سوف يتزوجها ولم يستثنى أى فتاة غنية من علية القوم أو من فقراء القريه أو
البدو الرحل ، ولسخرية القدر أن كل فتاة ذكرها الزين جاءها عريس وتزوجت وكأنه
مفتاح الفرج للفتاة التى تريد أن تتزوج وهو الأمر الذى إنتشر فى القريه وأصبح
الزين الرجل المبروك الذى فتحت له نسوة القريه البيوت دون تحفظ لعل وعسى يحب
الفتاة الصغيره فى البيت ليصبح من الإماكن أن يأتيها عريس عما قريب ، وهو ما جعل
تحفظ نساء القريه معه يقل بسبب إنه " عبيط " فكان تلامسه بيديه وقرصه
لهم فى أجسادهن شئ عادى بل يثير ضحكهن !!!
وتمر السنوات على نبوءه لشيخ درويش كان يحب الزين فى أنه سوف يتزوج أجمل فتاة ،
وتتحقق النبوءة وتختارة " نعمة " بنت الحاج إبراهيم الجميله الميسورة
الحال ذات الحسب ، دون عن رجال القريه الذين جفت حلوقهم وغاصت قلوبهم من هول ذاك
الخبر الذى هز كيان القريه والأعراف المجتمعيه " زين هيعرس بنعمه " .
وجاء يوم العرس وأقيمت الأفراح وعمت القريه كلها ، وألبسوا الزين ملابس العرس
ملابس بيضاء وعباءة خضراء وخاتم ذهب فى يديه ، بجانب كرباج من جلد التمساح يرقص به
، وعلى الرغم من ذلك ترك الزين العرس وذهب إلى المقابر لزيارة شيخة الدرويش الذى
مات ، وقام أصدقاءه بإرجاعه إلى الفرح مرة أخرى ، وما أن وصل حتى قفز يرقص بطريقة
العبيط وفى يده الكرباج وظل يقول بصوت عالى " أبشروا بالخير .. أبشروا بالخير
" .
وعلى الرغم من أن الروايه وصفيه لحاله إنسانيه متفرده فى محيطها الإنسانى ، إلا أن
الكاتب إستطاع أن يخرج بنا وقد رسم صورة صحيحه مائه بالمائه لشخصية العبيط ، فى ظل
سيادة موقف فوقى للمجتمع العربى العاجز عن إحتضان مرضاه وعلاجهم بدلا من السخريه
منهم ، وهو موقف إنسحب بمرور السنوات على موقفه اليومى من القضايا السياسيه
والإقتصاديه والإجتماعيه والتى عجز عن علاجها فى مواجهة السلطه الحاكمه فتقمص
الجميع دور العبيط مفضلين عدم الصدام ، وأصبحت جملة " إعمل عبيط " عند
ذكر أى محاولة للإصلاح هى الحل السحرى للهروب من المسؤوليه المجتمعيه ، فى إنتظار
أن تظهر " نعمة " تنقذ " زين " العبيط العربى من واقعة المزرى
وفى إنتظار ذاك الوعد بالتغيير فلن يكون أمامه إلا أن ينتظر وعد زين الرواية مرددا " أبشروا بالخير .. أبشروا بالخير
" .
إلى كل عربى ينتظر " نعمه " أن تنزل عليه من السماء تنشله من حالة " البلاهه وعدم النضج"
التى تلبسته فى مواجهة واقعه فعليه أن يتخلى عن سيكولوجيه التغير السلبيه "
إعمل عبيط " التى يتبعها فى واقعه المعيشى اليومى .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه